شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الحماية الذاتية .. ضمان لحرية المرأة- هيفيدار خالد

563

 

تمر الأنظمة والقوانين بتغيرات كثيرة؛ وخاصة فيما يتعلق بمصطلح الديمقراطية، ليبرز طريقاً مبتكراً لتطور النظام الديمقراطي جراء تشكل فكرة الدفاع الذاتي؛ كونه يمثل النموذج الأمثل لحل كافة القضايا المعقدة بالمجتمع، ولعب دوراً هاماً ورئيسياً في استكمال أدوار جميع الأبعاد التي تستند إليها الأمة الديمقراطية وترسيخها بين جميع الفئات، والمكونات الموجودة بالمجتمع.

ساهمت الديمقراطية الفعلية التي يعيشها المجتمع بتجسيد مفهوم الديمقراطية في حياتهم ليصبح نهجاً، ومسلكاً لطريق النضال؛ من أجل تحقيق التكافل الاجتماعي ويعيش المواطنون ضمن مجتمع يسوده العدالة والمساواة والأخوة والسلام والتعايش المشترك بين كافة الأجناس والأديان، فلا بد من اتخاذ مبدأ المحبة والأخوة والحرص على الأمان داخل المجتمع؛ لنستطيع أن نصبح أمل جميع المكونات والشعوب الأخرى التي تفتقر لذاك النموذج، وترسيخ مبدأ الحماية والدفاع الذاتي لترتقي الشعوب.

ربما يراودنا هنا سؤال؛ لماذا يعتبر مبدأ الحماية والدفاع الذاتي في الأمة الديمقراطية العامل الرئيس والعنصر الأهم بالنسبة لنا؟ ولماذا لا يستطيع أي فراد من أفراد المجتمع سواء أكان رجلاً أو امرأة أو شاباً أو شابة بتنظيم أنفسهم ورسم خارطة مستقبلهم ما لم يتخذوا من الشعور بالآخر وحماية الذات سبيلاً لهم في طريقهم نحو الحياة؟

لأن سر بقاء كافة أنواع الكائنات الحية على سطح البسيطة بدءاً من الإنسان إلى النباتات والحيوانات هو التكاثر، التغذية والحماية. فلكل كائن حي يعيش على هذه الأرض أسلوبه وطريقته الخاصة به يستطيع من خلالها حماية نفسه والدفاع عن ذاته. فمثلاً؛ هناك بعض النباتات تقوم بحماية نفسها من خلال أشواكها كالوردة الخلابة التي تحمى نفسها بأشواك سيقانها وكذلك بعض الحيوانات؛ تدافع عن نفسها جراء أساليب دفاعية قادرة على إنقاذها من الخطر. الإنسان لا يختلف بطبيعته شيئاً عن الوردة الباحثة عن الأمان.

فالإنسان بطبيعته كائن اجتماعي لا يستطيع العيش بعيداً عن الآخرين. هنا بمقدورنا القول: إن المناعة التي يبديها كل عنصر أو كائن في الطبيعة للحفاظ على وجوده بالدفاع أو الحماية الذاتية ليس خطأ؛ لأن أي كائن أو عنصراً كان إذ ما لم يبد المقاومة التي يجب أن يبديها؛ فمصيره لا بد أن يتحول إلى واقعة مختلفة.

فإذا ما قمت بعزل فرد واحد من أفراد المجتمع عن جماعته، فإنه لا يستطيع العيش بمفرده منعزلاً عن الآخرين. لماذا لا يستطيع العيش منعزلاً عن الآخرين؟ لأنه قبل كل شيء بحاجة إلى الحماية، فالفرد في المجتمع الحر يصبح حراً بالحياة التشاركية والتعددية. ومعاً يقومون بحماية أنفسهم من كافة نواحي الحياة؛ لأن الحماية هي ضمان وسر الوجود والبقاء، فبدون حماية الذات، الأرض والوطن، تكون الحياة غير ممكنة ولا نستطيع التحدث عن الحياة التي نريدها، فالدفاع في المجتمع وظيفة أصيلة في المجموعة ومحال الحياة من دونه.

نستخلص من كل هذا؛ إن الإنسان يحمي نفسه بمجتمعيته ومشاعره العاطفية ووعيه المجتمعي والأخلاقي. هنا يظهر دور المرأة الفعال في الحماية ويجب إيلاء الأهمية الكامنة لها؛ لأن المرأة ومنذ بزوغ فجر التاريخ لعبت دوراً كبيراً وهاماً في بناء الدعائم المجتمعية في المجتمع الإنساني إذا ما تحدثنا عن المجتمع الطبيعي الذي ختم بطابع المرأة وثقافتها العريقة والغنية باكتشافاتها واختراعاتها الـ 104 والتي كانت من بينها الحماية. فالمرأة كانت تحمي بذاتها جميع أفراد كلانها، قبيلتها، عشيرتها أو جماعتها وتمكنت من رد جميع الهجمات على أفرادها جماعتها من خلال تنظيمها كافة أفراد المجتمع على شكل الكلانات والمجموعات الصغيرة وتغذيتها وتربيتها والدفاع عنها من أي اعتداءات خارجية تستهدفهم. نستطيع القول هنا؛ بأن الحماية كانت ومازالت المبدأ المقدس بالنسبة للمرأة في المجتمع؛ لأن المرأة بحمايتها لذاتها، جنسها وكافة فئات المجتمع اكتسبت قدسيتها وكرامتها وألوهيتها أيضاً.

اكتسبت المرأة ميزة وصفة “المرأة الحكيمة والأم الآلهة” عبر التاريخ من خصالها الحميدة التي تحلت بها من خلالها الدفاع عن الجميع دون تفرقة بين أحد وكذلك الشعور بالآخرين، فقامت بحماية الأطفال من الجوع من خلال جمعها للثمار وحمايتهم من البرد بإيجادها النار لتدفئتهم، وحمايتهم من العوامل الطبيعية التي كانوا يشهدونها في ذلك الوقت.

مورست بحق المرأة عبر عصور التاريخ شتى أنواع السياسات من سياسة الإبادة الجسدية والثقافية وذلك من قبل الأنظمة المتسلطة الذكورية؛ بهدف القضاء على كيانها وثقافتها وإزالتها من الوجود.

فمع بدء ظهور عهد الهجوم الممنهج والمدروس والمخطط من قبل القوى المتعمدة على بنى المدينة والطبقة والدولة، لم تغب أبداً الهجمات المباشرة والملتوية لعدد لا حصر له من قوى المدنية، والتي استهدفت المنطقة والأراضي نفسها، بدءاً من الدولة السومرية ووصولاً إلى النظام العالمي اليوم بصفته آخر قوة مهيمنة في يومنا الحالي.

لم تعد أنظمة حماية الوجود وآليات الدفاع الذاتي التي طورتها الإنسانية المتمثلة بالعشائر والقبائل والتي كانت تعيش بالمناطق الجبلية منذ العصور الأولى تفيد بالغرض مقابل وسائل الهجوم المعتمدة على النظام الرأسمالي والتي تهدف إلى إزالة المجتمعية من الوجود والمتمثلة بالمرأة. وتعرضت المرأة لسياسات الإبادة الجسدية، الثقافية والفكرية وأصبحت أسيرة ذهنية الحداثة الرأسمالية الآلة الخاصة لدى النظام وأيديولوجيته.

ومع بزوغ فجر حركة حرية كردستان؛ اتخذت من مبدأ حرية المرأة شرطاً ضرورياً لحرية المجتمع، فلا يمكن أن يتحرر المجتمع ما لم تتحرر المرأة؛ باعتبارها تمثل الحقيقة والطبقة التي تعرضت لكافة أنواع العنف الجسدي، الفكري والروحي ولم يبق حجرة من فكرها، روحها وجسدها إلا واغتصبها الرجل، فقد عزلت من الحماية لا حول ولا قوة لها؛ أسيرة العادات والتقاليد البالية، أسيرة وسجينة في بيتها لا يوجد من يحميها.

أصبحت حركة حرية كردستان، حركة حرية المرأة الكردية وجميع النساء بالشرق الأوسط والعالم أجمع بالمقاومة التي أبدتها المرأة الكردية في جميع ساحات النضال؛ لنيل حريتها بدءاً من الكفاح الدبلوماسي، السياسي، الاجتماعي وصولاً إلى النضال العسكري. حركة حرية كردستان في بداية ظهورها وحتى يومنا هذا كانت حركة الدفاع  الذاتي المشروع، حركة حماية حقوق الشعوب المضطهدة، حيث كانت ردة فعل كبير تجاه سياسات الإنكار والابادة الذهنية والجسدية التي استهدفت الشعوب.

وبهدف تصعيد نضالها السياسي والاجتماعي بين النساء ومن كافة المكونات؛ أسست تنظيمها الخاص بها بدءاً من أوروبا ووصولاً إلى جبال كردستان. ولحماية ذاتها واستمرارية وجودها بالمكان الذي تكون فيه كمنطقة الشرق الأوسط شكلت جيشاً خاصاً بها؛ وذلك بفضل دماء خيرة القياديات والشهيدات اللواتي ضحين بأروحهن من أجل أن تبقى راية حرية المرأة عالية؛ أمثال الرفيقة بريتان، زيلان، كولان، فيان، شيلان، سماء والمئات من آلهات الحرية اللواتي دونّ تاريخ إثبات وجود المرأة الكردية بدمائهن لتصبحن فراشات النور في عصر كان يخيم عليه ظلام دامس.

هؤلاء الفتيات العظيمات نجوم الهلال الذهبي وآلهات وطن الأمّ ميزوبوتاميا تركت لأبناء جنسها ميراثاً بقدر الجبال من ورائهن، ليسير عليه اليوم الآلاف من النساء والفتيات اللواتي ينظمن أنفسهن في صفوف وحدات حماية المرأة بروج آفا. ويبدين كل ثانية، دقيقة ويوم؛ أروع آيات البطولة والمقاومة في ساحات النضال. إنهن يجسدن في خنادق القتال ملاحم في الفداء والعز.

وبهدف تجسيد نظام الإدارة الذاتية في روج آفا لكيلا تصبح قوات الأمن والحماية وسيلة للاضطهاد في يد السلطة، استطاعت المرأة بطليعة المرأة الكردية أن تحقق إنجازات هامة في مجال الحماية والأمن، وخاصة بعد المشاركة الفعالة للمرأة ضمن صفوف وحدات حماية الشعب.

تأسست وحدات حماية المرأة الـ YPJ لتتحول بذلك إلى مؤسسة الحماية والأمن إلى مؤسسة شعبية اجتماعية تدخل في خدمة كافة فئات المجتمع. وبدورها قامت النساء في روج آفا بوضع وترسيخ نظامها الخاص، إضافة إلى تقوية مؤسستها الدفاعية من خلال تنظيم العديد من الكتائب الخاصة والألوية في مختلف مدن ومناطق روج آفا، فقد قامت هذه الوحدات الخاصة بالمرأة بتشكيل العشرات من الكتائب الخاصة بهن في جميع مناطق روج آفا وسوريا، إضافة إلى افتتاح العديد من الأكاديميات الفكرية، العسكرية التي تقوم بتلقين الدروس النظرية والعملية عن أهمية الدفاع الذاتي بالنسبة للمرأة والتي يتمكن الفرد وخاصة المرأة من خلالها حماية نفسها وثقافتها ووجودها في ظل نظام الحداثة الرأسمالية الذي يجتاح كل يوم كافة خلايا الفرد في المجتمع. إضافة إلى افتتاح العديد من المراكز الخاصة بوحدات حماية المرأة مثل قوات الأسايش ـ المرأة والترافيك وقوات الحماية الجوهرية اللواتي ساهمن في حماية أرضهن وأبنائهن جنسهن.

نظمت النساء أنفسهن في قوات حماية المجتمع لتكنّ الطليعيات والقياديات في حماية المرأة في المجتمع وإثبات وجودهن وحقوقهن من خلال قوات حماية المجتمع الخاصة بالمرأة. إن ما تمتاز به وحدات حماية المجتمع هي انضمام النساء إليها من كافة الأعمار من أجل أداء دورها في حماية المجتمع وحماية المرأة. قوات حماية المجتمع للمرأة لها أهمية كبيرة، حيث يبادر المجتمع إلى حماية نفسه بنفسه بإرادته وصموده وبريادة المرأة. ولذلك؛ لن يتمكن أحد من هزيمتهن وكذلك عدم القدرة على تشتيت المجتمع.

على جميع النساء في هذه المرحلة تعزيز حمايتهن الجوهرية لضمان حماية جميع أفراد المجتمع، فالحماية الجوهرية لا تعني فقط حمل السلاح، بل تعني أيضاً تدريب الذات والوصول إلى الشخصية الحرة، فلا فائدة من وجود السلاح بدون الفكر الحر والشخصية المدربة والحرة. ويقاس مدى فعالية الحماية الجوهرية بمدى مساهمتهن في حماية المرأة والدفاع عنها وتنظيمها وتدريبها. إن مقاومة المرأة وتنظيمها ينطوي على أهمية كبيرة من تحقيق مبدأ الدفاع الذاتي.

ولكي نستطيع ترسيخ مفهوم الإدارة الذاتية الديمقراطية وتحقيق الأمة الديمقراطية في المجتمع؛ علينا تنظيم ذواتنا في المجموعات التي تحمي الأرض، الكرامة والوطن باعتباره واجب مقدس وبمثابة عقيدة راسخة بالنسبة لنا. إنه هدف سام وغاية عظيمة وحق مشروع لكل فرد يعيش على هذه الجغرافية، فحق الدفاع عن الذات رافق المرء منذ بزوغ فجر الإنسانية وحتى الوقت الراهن ويحتفظ بمشروعيته وأصالته حتى النهاية. الدفاع الذاتي يجلب الأمن والسلام، الألفة والمحبة؛ فلنحم معاً بسواعدنا الوطن الأم ونعيش معاً في الأمن والأمان.