شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

صوت لا يهدأ- كوثر جعفر

435

لم تطوي سنيناً كثيرةً في دفتر ذاكرتها الصغير، حالمةً،  لم تتجاوز أحلامها حجم لعبتها الملقاة على وسادتها الفوضوية ولا حتى بطول ضفائرها المستريحة على كتفيها.

لم تكن قد تفتحت براعم العمر بعد ولا صوت أنوثتها يزمجر معلناً الثورة على جسدها الطفولي، لم يكن ذاك الجسد طالب بالزهو بعد.. ومشوار التقويم نحو ربيعها طويل.. هي أصغر منه بكل المقاييس، عدا الطفولة والبراءة، لقد كانت تسبقه  بكثير بهما. بينما هو, مل منه التقويم ونسي كم عمراً قضى يلملم قصاصاته الرقمية.

سبقها بأحلام كثيرة، سبقها بألف حلم وحلم, فجسده الهرم سئم الغزوات ومل الانتصارات وتسللت  الخيبة إليه, ذاكرته الهرمة لم تعد تسعفه بعدد وأسماء النسوة اللاتي عرفهن واختبرهن كظلال الفاكهة المرمية على قارعة طريق الحياة.

ورغم أناقة ملابسه يحمل سيفه على وسطه الممتلئ ويتباهى بفحولته المزيفة, ولا يعرف عن حقوقها سوى أنها ملك يمينه، لأنه يمتلك حق الإرث الثقافي الوحيد (ثقافة الوأد).

وهي في عامها الثاني عشر  لم تفطم عن كتب الحكايات بعد، يبكيها ظلم سندريلا وتستهويها فساتين الأميرات البراقة في الحكايا, لا تعرف عن الذكورة غير وجه الأمير الذي قبل سنو وايت وأيقظها من ثباتها المفتعل.

كانت فصلاً خامساً بريئاً رقيقاً طفولياً يأتي قبل أن يهل موسم الحب، بينما كان فصلاً سادساً قاسياً محرقاً بارداً تجاوز سادية الشتاء.

لم تمتلك يوماً منزلاً، فحتى بقايا الغرفة التي تهالكت على أطراف المدينة سلبتها الحرب إياها، كما امتصت كل جميل حولها, وتركت لها الفقر والشتات الضعف والهوان. أما هو تاجر حروب ممتهن البيع والشراء، لديه ما لديه من النفوذ والمال الكثير, وبصفقة تعد الأصغر في تاريخ الحرب.

هنا يا وطن.. تأرجحت مبتسمة بثوبها الأبيض متبرجةً بألوان لا تلتقي بنقاء طفولتها وبمصاغ ثقيل يخدش نعومة جلدها الفتي سيقت إليه كما تساق الشاة للذبح متجاهلةً مصيرها.

منذ فجر ذاك اليوم لم تعد تضحك وتطرز فستانا للعبتها, فالحرب خارج أسوار سجنه باتت منطلقاً لقنديل معلق على عامود ينير درب حريتها .. اغتالوا طفولتها وهي في المهد، رددت جملتها بشفاه دامية وآثار السياط تغزو جسدها النحيل، كان لابد لها أن ترفع رأسها المثقل يوماً وأن تحتبس دمعها في حنجرة العادات, كان لابد لها النظر مراراً إلى دربها المعتمة وأن تبتسم لبصيص النور في نهاية الطريق. حينها قررت أن تكسر أغلال الصمت والخوف، وأن تطير بأجنحة ضعيفة خارج حدود سجنه لتتحول قضيتها إلى قضية رأي عام.

تلك القاصرة نجحت لأنها خرجت من سجن خوفها إلى فضاء الحرية الرحب.

عادت لتلامس وجه الكتاب من جديد …ضاحكةً …حالمةً لا يثنيها شيء متسلحة بعزيمة وتصميم, وتحولت لصوت أنثى  لا يهدأ عن حقوقها.