شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

أسلوب الحرب الخاصة لدى النظام التركي_ عبد الله أوجلان

217

إن الحرب الخاصة وما تخلقه من حالة نفسية اجتماعية جديرة بالاهتمام، ومن الأهمية بمكان تناول جوانب هذه الحرب، وخاصة فيما يتعلق بالأشخاص وكيفية استخدامها في المجتمع، لأنها لعبت دوراً كبيراً في إظهار وخلق شخصيات مستسلمة وذليلة، ولم يقتصر هذا على الإرهاب المطبق في السجون، بل استخدم كافة الأساليب لترويض المجتمع وتمييعه وإيصاله إلى حالة من الخنوع والرضوخ، بما في ذلك شتى أشكال الاضطهاد، ولأجل تحقيق ذلك يتم التلاعب بأخلاق المجتمع ونشر الإرهاب فيه، وكما يستخدم الدين على نطاق واسع وبجدارة من أجل ذلك، وتعتبر الرياضة خير وسيلة لإلهاء المجتمع، واستخدموا أيضاً المرأة والأسرة على نطاق واسع، والأهم من كل ذلك استخدم الاقتصاد والتلاعب بالحياة المعاشية للجماهير، كأنجع وسيلة لتحقيق مراميهم هذه. أجل لقد تم استخدام كل هذه الوسائل مجتمعة وبصورة متداخلة في الحرب الخاصة خلال الفترة الماضية، وتم تركيزها إلى أبعد الحدود في أيامنا الراهنة خالقين بذلك مجتمعاً فاسداً ومنحرفاً، وهكذا استطاعوا كبح كافة أشكال المطالبة بالحريات والحقوق، وفي الختام أرادوا من خلال انقلاب 12 أيلول 1980(1) أن يكسبوا نصراً سريعاً من خلال تطوير الحرب الخاصة في مواجهاتهم اليومية لحركة التحرير الكردستانية. لقد تم تصعيد كل هذه الأمور تحت غطاء “إقليم حالة الطوارئ” في كردستان.
قلنا سابقاً بأن الدولة والجيش التركي لهما نظرة خاصة، وأسلوب خاص في ممارسة الحرب شبيه بالأسلوب الذي تدفقت به القبائل التركية البدائية إلى الأناضول، ويعرف جيداً ممارسات تلك القبائل الهمجية، حيث ارتكبت أبشع الجرائم في سبيل النهب، وذلك عن طريق فرقها الخاصة المسماة بـ”الأجنحة”، واتبعوا هذه السياسة في كل منطقة دخلوها وسيطروا عليها، وإن ممارستهم اليوم ما هي سوى انعكاس لما قاموا به في تاريخهم الأسود. لقد حكموا الدول التي بُسط فيها نفوذهم وفق مصالح الطبقة الخاصة بهم، وعن طريق مختلف الألاعيب والمؤامرات. أطاحوا بسلاطين العباسيين والمماليك، كما بذلوا كل قوتهم وإمكانياتهم في سبيل الحروب والأعمال العسكرية منذ بداية تكتلاتهم الهمجية، وحتى يومنا هذا كان هدفهم التحكم بإرادة الشعوب بشكل دائم، ولكي يطوروا هذا المبدأ وظّفوا قواتهم في معارك كثيرة بهدف الاستيلاء والاحتلال، وحتى تبقى هذه السياسة سارية المفعول لجأوا إلى تدريب الرعية والفقراء من أبناء شعبهم، وأيضاً الشعوب التي استولوا بالقوة على أراضيهم، لأن هذا الأسلوب هو الوسيلة الوحيدة للاحتفاظ بقوة عسكرية كبيرة، ومن ثم تتويج الحكام والملوك لأنهم أصحاب ذلك الجيش وكانت قناعتهم راسخة بأن الدولة التي تدير شؤون الرعية يجب أن تكون دائماً على هذا النمط.
ينبغي إدراك الخاصية القتالية لدى الأتراك جيداً فحتى في وقتنا الراهن نعاني صعوبات جمة في سبيل تسيير مجموعة أنصارية بسيطة رغم الجهود الكبيرة التي نبذلها، ولم نتمكن من خلال حرب أنصارية قوية بما فيه الكفاية. إن الخاصية القتالية هي في أوج تطورها الطبيعي لدى الطبقات الحاكمة التركية، وبنفس القدر نجد بأن هذه الخاصية هي في أدنى درجات التخلف لدى الشعب التركي، وأكثر تدنياً لدى الشعب الكردستاني وغيره من الشعوب، وعلينا أن ننظر إلى الأمر كموضوع من مواضيع الحرب الخاصة.
إن قدراتكم القتالية ضعيفة إلى أبعد الحدود وسبب ذلك يعود إلى مجمل الظروف التاريخية التي لم تتكون بصورة عفوية، وعندما تناولنا مسائل الحرب بحثنا الأسس التاريخية لهذه الحرب، وأعطيناها أهمية كبيرة لندرك طبيعة جيش العدو، وأساليب القتال المعتمدة من قبله. كما بحثنا بعمق عن ذاتنا لنعرف أنفسنا جيداً، فالاحتلال التركي يشكل سبباً أساسياً لوقوعنا تحت السيطرة، وكما أن تأريخ حربه هو تأريخٌ لرضوخنا واستعبادنا. إن هذا لم يتحقق في جبهات القتال فقط لأن السمة الأساسية للاستعمار التركي لا تكون محصورة فقط في أشكال قتال الجيوش النظامية، وعندما نتوجه نحو دراسة التكوين الطبقي الذي هو امتداد لقبائل آسيا الوسطى التي كانت تعيش المرحلة العليا من الهمجية والغريبة عن منطقتنا، وحينما توجه رؤساء هذه الأصول إلى مرحلة التكوين نجد أنهم مارسوا الازدواجية بالاستعباد، فقاموا من جهة بممارسة الاستعباد على الفلاحين الذين ينتمون إلى أصولهم بالذات والذين يرتبطون معهم بروابط الدم، ومن جهة أخرى ممارسة هذا الاستعباد على القنانة التي لا تعتبر من أصولهم.
إن هذا النهج يتطلب قوة عسكرية وخاصة لدى الاحتلال أراضي شعوب أخرى، وهكذا اضطروا إلى استخدام كافة أشكال الممارسات الإرهابية عن طريق مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية كوسيلة لتحقيق أهدافهم ومراميهم. هذا هو قانون الحياة الذي ابتدعه الأتراك وهو ساري المفعول بالنسبة للكرد أيضاً. على ما اعتقد هناك رؤيا تحمل اسم “قانون الكرد”، وقد طبق هذا القانون مع بداية الهجرات الاحتلالية من أواسط آسيا إلى كل من إيران والعراق والأناضول، حيث كانوا يقومون بهذه الممارسات الإرهابية والوحشية دون رحمة. إن الطبقات الحاكمة التركية استعبدت أطرافاً كثيرة من الإمبراطورية الإقطاعية الإيرانية وفي الدولة العباسية، واحتلت مواقع إدارية هامة في الدولة والجيش. وعندما شعر الأتراك بأن الدولة العباسية متوجهة نحو الانهيار سرعان ما صعدوا إلى المراتب العليا، وأظهروا أنفسهم كحكام.
إن العسكرتارية التركية بعيدة أصلاً عن المدنية، وليس لها أدنى علاقة معها، وتمثل الرجعية لآخر الحدود، وفي الوقت الذي كانت تصل مع بعض الفئات أمثال العلماء إلى تشكيل قوة إدارية، فإن قوتهم وسياستهم كلها كانت تتسم بطابع عسكري، وتبرز هذه الخاصية دوماً في مقدمة أساليبهم المتبعة، يعني باختصار الميزة الأساسية التي تبرز أمامنا هي الارضاخ وكبح الجماح، وعدم الاعتراف بالقيود فما هو السبب في كل ذلك؟ باعتبار أن نموذج تكوينها الطبقي متجه نحو الانهيار.
إن هذا النظام المتخلف عن ركاب العصر يستخدم القوة كأساس ضد الدول المحتلة التي دخلت مجال نفوذها كأسلوب وحيد للحفاظ على نفسها، فالطبقات الحاكمة التركية تستند في سيطرتها السياسية والعسكرية على القوة كأساس، دون الاعتماد على بنية اقتصادية واجتماعية متقدمة، تمهد السبيل أمام أي تطور ثقافي. بل على العكس تماماً قامت بتدمير هذه البنى المتقدمة باستمرار، وبهذا الشكل تتجسد محاولاتهم المتعددة لإحكام القبضة، إنها صفة تبرز شخصية هذه الطبقات.
ولأجل استيعاب يومنا الراهن يتطلب معرفة هذه الحقيقة عن كثب. إن سبب انطفاء روح المقاومة فيكم إلى هذا اليوم ـ ولهذه الدرجة ـ يعود إلى ابتعادكم عن حقيقتكم وخاصة في الصراع السياسي ـ العسكري، وعدم قدرتكم على تجاوز هذا الوضع الميؤوس منه، وخلفياته هذا الأمر لا يقتصر عليكم وحدكم فحسب، إذ يمكن رؤية ذلك بوضوح لدى الشعب التركي.
إن الشعب التركي قد يكون من أكثر الشعوب السائرة في درب الانحطاط دون أن تبدي أية مقاومة أو رد فعل في مواجهة طبقاتها الحاكمة، ولا أعتقد بوجود شعب ما في زاوية من زوايا العالم منطوياً إلى هذا الحد، ومتمسكاً بهوية طبقاته الحاكمة مثل الشعب التركي. طبعاً لا أوضح ذلك بهدف الإدانة، لأن الإرهاب الممارس والأساليب الخاصة المعتمدة على مدى تاريخ هذه الطبقات يندر مثيلها في العالم، وعلى سبيل المثال يقول سليمان ديميريل (2) كسياسي مخضرم: “إذا كان هذا الشعب مناهضاً للديمقراطية إلى هذا الحد، ولا ينتفض ضد الاستغلال الاقتصادي، فأن في الأمر شيء من الغرابة”، وبهذه المعرفة المتواضعة يضعنا السيد ديميريل أمام صورة الواقع المتناقض مع المقاييس العلمية المعاصرة، والمعنى من ذلك هو أن الناطق باسم الطبقات الحاكمة يبدي هو أيضاً استغرابه من هذا الوضع القائم، فلنتساءل لماذا لا توجد الديمقراطية في تركيا؟
إن الممارسات اللاديمقراطية في يومنا وصلت إلى درجات لا يتصورها العقل، وهذا لا يعود لكونها من نتاج نظام 12 أيلول فقط لأن هذا النظام يستند إلى فترة تاريخية معينة، وكما أن عملية كبح جماح الجماهير وإرضاخها ليست من صنيع هذا النظام، بل لكل هذا أسس تاريخية طويلة. إذ أن الطبقة الحاكمة هي الأكثر همجية ورجعية، ولم تقدم أي شيء يذكر للشعب، وهي ذات سمة تأخذ كل شيء بالقوة، هذا هو الأسلوب المتبع في الممارسة.
وكما أسلفت ونوهت لدى بحثنا لتاريخ الدين، بأن الدين يُستخدم لأغراض رجعية، ويستخدم بنفس الصورة التي استخدم فيها العثمانيون الدين الإسلامي أيضاً في الوقت الراهن تلجأ الامبريالية الغربية إلى استخدام تأثيرات المسيحية وفق أكثر الأسس رجعيةً، ولتبيان هذا الدور الرجعي نجد أن الممثلين الأتراك يبذلون قصارى جهدهم من أجل الحفاظ على استمرارية حلف الناتو الذي انتهى دوره كمعسكر رجعي، بقولهم: “يجب أن يستمر حلف الناتو بشكل مطلق”. فهم يخوضون صراعاً عقيماً من أجل البقاء على هذا الحلف، ويتضح من كل هذا بأن الطبقات الحاكمة التركية تحاول وبالقوة المجردة الحفاظ على كل ما هو متخلف عن العصر والعمل على حمايته وتطويره بشتى الأساليب والوسائل، ويقوم الجيش والشعب برمته في آن واحد بتسليم نفسيهما إلى حالة الطوارئ وكأنه أمر طبيعي. فانعدام الشخصية ليس محصوراً في أوساط الفئات الشعبية فقط، بل نجده أكثر قوة بين الطبقات المسيطرة التي تظهر نفسها، وكأنها صاحبة السيادة والإمساك بزمام الجيش، ومهما أظهروا أنفسهم على أنهم أصحاب الجيش، ويملكون القوة والجاه، فإن هذه الطبقات تبقى عديمة الشخصية، وليس لها أي قيمة تذكر في عملية الإنتاج الاقتصادي، وغير قادرة على تحقيق أي تطور في المجالات الاجتماعية والثقافية. الأمر نفسه بالنسبة للمجال السياسي بسبب الاعتماد الكلي على قوة الجيش المجردة، واللجوء إليها على الدوام حتى غدا أدباً للشعب. فعندما يرتبط كل شيء بالجيش ويتنامى دوره، فإن دور القيادة والضباط يتعاظم، ويتم تقديس مهنة الجيش بشكل غير محدود، والحقيقة الماثلة أمامنا اليوم ليست سوى حقيقة الجيش التركي المضخمة بهذا القدر، وهذا الجيش يشكل في الوقت الحاضر عبئاً ثقيلاً على البنية الاجتماعية والاقتصادية.
إن الانقلابات المتتالية في تركيا وممارساتها تعود في أسسها إلى حقيقة الجيش المبنية على أسس (الاتحاد والترقي)، وهي تشكل أحد أهم الأسباب في عدم تطور الديمقراطية في الدولة التركية، وتشل الاقتصاد في وقتنا الحاضر. باختصار إن هذه العملية تشكل أكبر عقبة في طريق الديمقراطية وبهذا الشكل يحولون المجتمع إلى صحراء قاحلة وجرداء.
إن عدم دفع الاقتصاد ومتطلباته إلى الأمام لا يفسح المجال لتطوير الشخصية الثقافية والاجتماعية ويبقيها هزيلة وباهتة حتى في المجال السياسي تبقى غير قادرة على تشكيل قوة ليس من أجل الطبقات الشعبية فقط، بل حتى في سبيل الطبقة الحاكمة، ولن تستطيع الوصول إلى وضع حزب سياسي قوي وبالتالي تبقى نظرتها ضيقة وتتركز على المصالح الذاتية الضيقة وبهذا النمط والأسلوب يصلون إلى مفهوم وشكل الدولة.
يمكن توضيح النظام التركي عبر تقييماتنا المختلفة التي تتناول بعض جوانبها بصورة تفصيلية أكثر، ومن الجدير بالذكر أننا كنا قد تطرقنا إلى ذلك بين حين وآخر. حتى أننا تقدمنا ببعض الأمثلة من جوانبها المختلفة، وقد توقفنا قليلاً عند القبائل الأولى الغازية والتي استولت على الأناضول وكردستان حيث كانت غريبة ولم تكن لديها أسس ومقومات شعب يستندون إليها، ولكي تعيش بارتياح بدأت بعمليات الاحتلال تلهفاً وشوقاً إلى الفتوحات العدوانية والهمجية، وبهذه الطريقة استطاعت الوصول وبسرعة مدهشة إلى أبواب (فيينا)، ولو أنكم طورتم أنفسكم قليلاً من الناحية العلمية، وتعمقتم في التاريخ، ستدركون بأن أفراد القبائل لم يستولوا على الأملاك فحسب، بل أنهم استولوا حتى على البشر أيضاً وبوحشية قلما يوجد لها مثيل، وستظهر هذه المعلومات جلية أمام أعينكم على صفحات الكتب التاريخية، فعندما كانوا يسيطرون على مجتمع ما يستولون على الأفراد بادئ ذي بدء، ويقضون على كل من يبدي مقاومة في مواجهتهم دون شفقة، ويأخذون الأطفال إلى المراكز المخصصة لهم في الداخل بهدف استعبادهم، ولم تتوقف ممارستهم عند هذا الحد بل تجاوزت الأعراف والتقاليد حتى النساء أصبحن عرضة للاستيلاء بوحشية لا مثيل لها. قد تستغربون ولكن سأقدم لكم مثالاً: عندما استولوا على إستنبول تحت غطاء الإسلام بقيادة السلطان محمد، قال لجيشه: “عليكم بنهب إستنبول خلال ثلاثة أيام”، وفعلاً كان غزواً قل َّ مثيله في التاريخ كله، وإذا ما حاول المرء التعرف قليلاً على ممارساتهم نجد أنهم اغتصبوا كل ما هو ذي قيمة، لقد سلبوا حتى محتويات أماكن العبادة. وخطفوا فتيات العائلات العريقة لأجل إشباع غرائزهم الحيوانية فنقلوهم إلى القصور بهدف الزواج منهم، وبذلك يقضون على تلك النسوة اليافعات بشكل لا يمكن أن يتقبله العقل البشري فهل يقبل الإسلام أو غيرها من الأديان بذلك؟
إن خصائص الإسلام لدى العرب لها بعض الجوانب الإيجابية ساهمت في تطور التاريخ، كما لها بعض الجوانب العادلة تتركز على أسس العدالة. أما الإسلام لدى الأتراك فهو الإسلام الذي يتحكم فيه الكفرة. لقد اغتصبوا حتى الذكور، واستعملوهم في المنازل كما يستعمل الناس أية سلعة أخرى، وملئت البيوت وفتيات ونساء السلاطين والملوك بأشكال فظيعة جداً على اعتبار أنهم من سلالة العائلات الارستقراطية، عجباً ماذا فعلوا بالبقية الباقية من الناس؟ فكرِّوا أنتم بذلك لعلكم تدركون الحقيقة.
إن هذه السياسة لم تطبق في كردستان، لاعتبارات عديدة نخص منها بالذكر وجود اتفاقيات محدودة بهذا الصدد، ولو أنهم الآن طوروا ذلك في كردستان فأنها تعد خاصية من خصوصيات الحرب الخاصة. إذ أن الكرد المتعاملين مع العدو وفقاً لمصالحهم الخاصة كانوا يقدمون لهم بعض التنازلات. لذا فإنهم لم يتمادوا بالتعدي على عائلاتهم، وهكذا حافظوا على المتعاملين الكرد حتى يومنا هذا، وهذه هي إحدى تكتيكات (الحرب الخاصة) المفروضة على الكرد، فعندما غزوا إستنبول ودخلوها، مارسوا النهب والاستيلاء والاغتصاب…الخ على نطاق واسع، وكذلك كان الوضع بالنسبة إلى دول البلقان. أما الوضع في كردستان، فيختلف نسبياً، لأنها تشكل موقعاً استراتيجياً بالنسبة لهم، وكذلك بالنسبة لإيران والدول العربية، لأنهم يشكلون قوة يحتاجونها، لذلك حافظوا على علاقاتهم معهم حتى يومنا الراهن، فعمدوا إلى تشكيل بعض الإمارات المحلية تكنّ الاحترام لهم، فلو نظرنا إلى هذه الإمارات، نجد أنها ترسم مسار تأريخ الطبقات المتعاملة الكردية، وتعطينا صورة جلية عن الكرد الذين وقفوا أكثر من غيرهم إلى جانب الأتراك، ويمكن القول بأنهم كانوا مع الدولة أكثر مما تكون الدولة مع نفسها. إن وضع الاكراد الراهن يوضح هذا بشكل تام، وما نعنيه في سياق حديثنا هو أنه يجب أن لا نكتفي بذكر نظام الحرب الخاصة التركية دون الوقوف عليها بتمعن و توضيح همجيتها ووحشيتها.
تقوم الدولة التركية في هذه الأيام بالتمثيل بأجساد رفاقنا الذين يستشهدون في ساحات المعارك، ويشوهونها وذلك حسب الأنباء التي ترد إلينا، حيث يدقون المسامير في رؤوسهم، ويهينونهم أمام أنظار الشعب، ويلقونهم من الحوامات أثناء تحليقها في الأجواء، كما يقومون بجرهم خلف العربات، وأيضاً يمرون على أشلائهم بالعربات ويحولونها بذلك إلى عجينة، والهدف من وراء كل هذه الإجراءات الشنيعة اللاأخلاقية هو إرهاب الشعب وإبعاده عن نضالنا. إن هذه الممارسات ليست حديثة العهد فلها باع طويل في تاريخ الحكومات التركية المتعاقبة، ولا سيما في مرحلة الاستبداد العثماني، وهناك كثير من الإجراءات التي لا تخطر على البال في تاريخ الطبقات الحاكمة التركية، فقد حدث في الكثير من المرات أن ربطت أيديهم وأرجلهم وتم قطعهم ومن ثم رميها جانباً، وبعدها علقت أجسادهم على أعواد المشانق في ساحات المدن ولفترة طويلة جداً، وكذلك يقال أنهم يفقؤون أعينهم بواسطة القضبان الحديدية والهدف من وراء كل هذه الممارسات تجاه شهدائنا هو الارتقاء في المناصب فقط، كما ويلجؤون إلى عقوبة الخنق كعقوبة دائمة وأساسية، وكذلك فأننا نرى ممارساتهم اليوم أيضاً تحت قناع “سلامة المجتمع” تتجاوز تلك الممارسات السابقة.
إننا نسعى خلال عملنا هذا إلى إبراز بعض خصائص الحرب التي يخوضها العدو، طبعاً إنكم صغار لدرجة لا تطورون قابلية الحرب لديكم وما تتطلبه من ضرورات، وبهذا تصبحون حجر عثرة في طريق النضال، وبسبب عجزكم عن تطوير الحرب الشعبية التي تخوضونها تبقون عاجزين عن العمل، ولهذا أسباب عديدة وثيقة الصلة بالحرب الخاصة المفروضة لماذا لا نتمكن من استنهاضكم؟ لماذا لا نستطيع رغم كل الجهود جذبكم نحو حربكم الذاتية الخاصة بكم؟ لأنه تم إخمادكم وخفتم حتى نخاع عظامكم. لقد جمد قلبكم ودماغكم، ويفهم الآن من خلال عملكم جيداً بأنكم هربتم بأنفسكم إلى الزوايا ودخلتم المتاهات، وعندما نقوم بتوضيح كيفية حربنا الثورية، عليكم أن تفهموا تاريخها، كيف، وبماذا انشغلنا؟ متى بدأنا من أجل تحضيركم من أجل الحرب الثورية الحرب الخاصة بكم، وتحقيق قفزات جريئة في هذا المضمار؟ وأنتم بدوركم تقومون بتحليل الحرب، ولكنكم تفهمونها بصورة ناقصة، فتحملون السلاح على أكتافكم وتصعدون الجبال بكل راحة، ولكنكم لا تستطيعون تسيير هذه الحرب وخوضها بنجاح، وهذا اعتراف خطير جداً. حيث يتم إهمال مسيرة المجموعات الأنصارية من حيث التدريب والتنظيم والمراقبة، وهذا يضعكم في موقف حرج لا تستطيعون معه حتى التنفس لصنع الانتصار في هذه الحرب.
وجدير بالذكر أنه يجب معرفة طبيعة النظام التركي بمختلف أبعاده، وحسبما قلنا لقد تم خلال المراحل الأولى من الاستيلاء والاحتلال كبت جماح المجتمعات والشعوب الرازحة تحت سيطرتها، وشملت هذه الممارسة حتى كادحيها وفقرائها وطبقاتها الدنيّا. لقد ذاع صيت تاريخ الاستبداد العثماني ـ السلجوقي، حيث يعتبر بأنه من أفظع أشكال الهمجية والوحشية، وشكلَّ بذلك وضعاً أكثر رجعية بين النظامين الإقطاعي والرأسمالي، وأن الطبقة الثالثة التي أسست الجمهورية بمعنىً من المعاني في بداية القرن العشرين على هذه الأنقاض أعادت نفسها على شكل طبقة برجوازية وقامت بتشكيل الجمهورية في مرحلة تطور اجتماعي كهذه، وبهذا تظهر في مواجهتنا هذه المرة الجمهورية التركية التي تعتمد على الطبقات الحاكمة التي صبغت وجهها بصباغ البرجوازية بدلاً من العثمانية التي اعتمدت على نظام الباشاوات القديم. هكذا يظهر “مصطفى كمال أتاتورك”، والكمالية في تركيا، وقد أضاف مع إعلان الجمهورية الوسائل الرأسمالية الأكثر دقةٍ في الاضطهاد والظلم إلى الحرب الخاصة المطبقة منذ قرون عديدة، وهذا يعني تماماً بأنه تم تداخل الوسائل الإقطاعية الفظة مع الوسائل البرجوازية الرقيقة الممارسة على الكادحين والفقراء لإسكاتهم. مثلاً ظهر بعض الممثلين عن الشعب كالشيوعيين والجيش الأخضر وبعض الفرق والأحزاب الأخرى. لقد تم التسلل إلى معظم هذه الأحزاب، فأقحموها من جهة في تخبط فظيع، ومن جهة أخرى اغتالوا العناصر الشريفة فيها، ويمكننا القول بأنه لم تبقَ وسيلة للاضطهاد إلى ومارستها الثورة المضادة. باختصار فإن هذا النظام المؤسس تحت غطاء الجمهورية، نظام معادٍ للديمقراطية، فقط هتلر وحده قادر على صياغة مثل هذا الموديل، وهتلر نفسه يقول بأن كمال أتاتورك هو معلمي الكبير واقتديت به، ليظهر بذلك الكمالية على حقيقتها. لقد نفذ هتلر قليلاً من هذه الممارسات، ولكن ممارساته لم تدم سوى عشر سنوات، وأن الجمهورية التركية استمرت بممارساتها دون رادع، وهي تعتبر مؤسسة من مؤسسات الحرب الخاصة.
إن مؤسسة الجمهورية التركية ليست موجهة نحو كردستان فحسب، بل موجهة نحو شعوب الأناضول أيضاً، ومفروضة عليها بأساليب الحرب الخاصة. كان كمال أتاتورك يقود ويدير هذه الحرب. وقد رزح الكادحون تحت سيطرة هذه الزمرة الهجينة بأسوأ الأشكال، ناهيك عن عدم حصولهم على امتيازات تحت سيطرة هذه الزمرة، وكان هذا هو شعار الفاشيين في تلك المرحلة “لتكن صاحب خدمة حتى ولو على حساب أقرب رفاقك في العمل”، وقاموا بحبك مختلف المؤامرات والدسائس لتثبيت ديكتاتورية أتاتورك المطلقة، فاعتقل من اعتقل وهرب من استطاع الهروب، وعندما أرادوا خوض هذه الحرب في كردستان زحفوا على شكل حركات استيلاء جارفة تتداخل فيها عناصر الإبادة والحيل والدسائس بصورة فظيعة، وقد سلك أتاتورك بين أعوام 1920 ـ 1940 موقفاً مزدوجاً تجاه الشيوخ ورؤساء عشائر الكرد، فجعل من البعض عملاء أساسيين له وخدع البعض منهم، ثم تلا الفاتحة على أرواحهم، وقام بكبح جماح البعض، ثم ارتكب مذابح دموية فظيعة، وعلى سبيل المثال يمكن أن يعثر المرء على الهياكل والعظام في الكهوف وقاع الوديان في ديرسم حتى الآن.
وفيما إذا توقفنا حول حقيقة شعبنا في ديرسم، والذي أصبح بدوره موضوعاً للحرب الخاصة، يمكننا أن نفهم الوضع بشكل أكثر. لقد تم استعباد الناس في ديرسم لدرجة كبيرة من قبل الجمهورية التركية الكمالية، بحيث يمكننا أن نجد بأن معظم الرجال الذين يسّيرون الحرب الخاصة تحت قيادة العميد (هولسو صايم) الذي يدير الحرب الخاصة بدوره في كردستان هم من سكان ديرسم، وهذا يعني تماماً بأنهم لا يكتفون فقط بكبح جماحهم، بل يجعلونهم يعيشون في أجواء رعب دائم وخوف شديد.
إن هذا أسلوبٌ من أساليب العثمانية بكل معنى الكلمة، فمثلاً معظم أطفال أولئك الذين تم إبادتهم في تلك المذابح تمت تربيتهم في المدارس الخاصة، حيث يتم إجبارهم فيما بعد على تبني إسلام مزيف، ومن ثم تركهم ليصبحوا متوحشين إلى أبعد الحدود. لقد قتل “مراد باشا الكويوجي” وحده ما يقارب الأربعين ألفاً، ورمى بأجسادهم في الآبار، وأن “مراد باشا” لا يعد سوى واحداً منهم، وبعد هذا قالوا بأننا أصبحنا مسلمين وأننا أتراك حقيقيون وأن الترك ليسوا على هذه الشاكلة كما ادعوا، ويجب تناول الأتراك الأقحاح والتركمانيين حسب وجهة نظر مختلفة، وأن القبائل التركمانية موجودة في طوروس حتى يومنا هذا وليست لها أية علاقة مع التتريك والإسلام المزيفين. ويمكننا تقييمها كشعب ولكن هؤلاء الباشاوات ـ السلاطين ما هم سوى مسلمين شكلاً تمتد جذورهم نحو الكفر. إن طبيعتهم مزدوجة وظهروا لأجل الاضطهاد والاستعباد، وبناءً عليه فهم متآمرون وجلادون، والعثمانيون لهم شهرة كبيرة في هذا الأسلوب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المصدر: كتاب “عبد الله أوجلان.. مختارات-2″، من منشورات حركة التحرر الكردستانية، 1991م

هوامش:

1ـ انقلاب 12 أيلول 1980: انقلاب عسكري دموي في تركيا، تزعمه الجنرال كنعان ايفرين مع مجموعة من الضباط، نشأوا على فكرة حماية المبادئ الأساسية للجمهورية التركية كما وضعها أتاتورك، وكان تخوفهم من الصعود الملحوظ للتيارين اليساري الثوري والإسلامي في البلاد، وكذلك من بدء النشاط السياسي في الوسط الكردي، وكان الانقلاب مدعوماً من الولايات المتحدة الأمريكية. وقد سن قادة الانقلاب دستوراً جديداً شددت فيه القوانين التي تقمع اللغة والثقافة الكردية. (هيئة التحرير)
2ـ سليمان ديميريل: (1924– 2015م). سياسي تركي، رئيس حزب العدالة من سنة 1964 إلى 1980، رئيس حزب الحزب الديمقراطي من 1987 إلى 1993، رئيس الوزراء لخمس مرات من سنة 1965 إلى 1993. رئيس للجمهورية التركية من 1993 إلى 2000. (هيئة التحرير)
3ـ ديرسم: منطقة كردية في جنوب شرق تركيا، كانت تتمتع بحكم ذاتي زعماء عشيرة زازا الكردية، في عام 1935م أصدر نظام أتاتورك قانون ديرسم لإعادة التوطين وبموجبه تم تغيير اسم المدينة إلى تونجلي، وفي عام 1936م طالبت الحكومة التركية من حاكم ديرسم “سيد رضا” بتنفيذ بنود “قانون ديرسم” وتسليم كل ما لديه من سلاح إلى الدولة، ولكن سيد رضا رفض هذا الطلب، فبدأت الفيالق التركية في عام 1936م تتأهب للحرب. لتنطلق ثورة ديرسم التي قادها سيد رضا، وقد أُسر سيد رضا وأعدم في 18 تشرين الثاني 1937م بعد خديعة من السلطات التركية من خلال دعوته لإجراء مفاوضات حول مطالبه. أما الإجراءات العقابية للسلطات التركية خلال وبعد ثورة ديرسم، فكانت فظيعة جداً ومنها حرق مئات من القرى الكردية، وقتل حوالي (95) ألف من الكرد المدنيين بوحشية قل مثيلها، وكان يتم قتل النساء والأطفال والشيوخ بالقصف والرمي بالرصاص وبالسلاح الأبيض وقذائف المدافع و بالغازات السامة بعد تجميعهم في كهوف المنطقة، وجرى ترحيل عشرات الآلاف من أطفال الكرد إلى الأناضول وغرب تركيا وحتى الآن لم يتمكن أقارب الضحايا من الحصول على معلومات حولهم. وقد نقل عن مصطفى كمال أتاتورك بعد القمع الوحشي لثورة ديرسم، قوله: ((بانتصارنا على هذه الثورة نكون قد دفنا القضية الكردية في قبر عميق وإلى الأبد وصببنا فوقها صبة متينة من الإسمنت)). (هيئة التحرير)