شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

إلى أين…!! – زيدان عبد الملك

207

كنتُ أختلس النظر إليه اختلاساً وهو يرتشف الشاي على مهل، كأنّما يُقبّل شفة الكأس، يتلذّذ بمذاقه. اعتراني شعور مبهم، تزاحمت في رأسي أسئلة شتّى، مَن يكون؟ وماذا يريد؟ وعمّا يبحث هذا الشاب؟
مذ دخل، توقّف في عتبة المقهى، جال بصره في الأرجاء، بدا كأنّه يبحث عن شخص. تقدّم من طاولتي، سألني بأدب جمّ كأنّما يهمس: أتسمح أن أشاطرك الطاولة؟
– تفضّل، قلتها ويدي تشير إلى كرسيّ. جلس قبالتي، تلفّت.. أشار إلى النادل اقترب.. لو سمحت أريد كأسي شاي بالنعناع، يا عمّ، أتشرب الشاي بالنعناع؟ أكون مسروراً إن قبلت عرضي، أجبته: نعم، وشكراً لك.
لم يدر بيننا حديث؛ لكنّي أحسست أنه ينتظر مبادرتي، صمتُّ، قرّرت أن أتركه ينتظر. بقي محافظاً على هدوئه، عاند وعاندتُ. كنّا كمصارعين شبكا يديهما، ويبذلان أقصى قواهما، كلّ يحاول كسر صاحبه، القوتان تتصارعان، كلتاهما تنتهز ضعف الأخرى، النهاية توشك. التفت إليّ مسائلاً: لا بدَّ أنّك تفكّر مَن هذا الشاب الذي اقتحم عزلتي؟ ولماذا؟ وما الذي يريده؟
– ابتسمتُ، نعم، أجبته باقتضاب.
– يا عمّ، ما إن شاهدتك تفتّحتْ زهور قلبي، هل لديك وقت تتحَّملني وأسئلتي؟
– هاتها، قلت. ودار الحديث متشعّباً عن معاناة الإنسان في الحياة، وعن الأخلاق، وتطوّر العلوم، والاستنساخ والشفرة الوراثيّة، والخلايا الجذعية، والتقدم العلمي الذي وفّرته التكنولوجيا الحديثة، وأثره على الكائنات الحيّة، والطبيعة، وكيف يدمّر الإنسان نفسه، وبيئته مستغلاً منجزات العلم والحضارة لتهجين الأحياء، وبطرق شتّى. قلت: ذكّرتني بعبارة سمعتها من والدي: “الأصل بالبصل يعين”.
– قال: كيف؟
– كنتُ صغيراً لم أعِ مرماها عندما سمعتها أول مرة. لم تكن هناك تكنولوجيا، ولا اكتشاف للمورّثات ولا للخلايا الجذعيّة. وذات صيف كنّا جالسين في هدأة الليل، والقمر مكتمل، ينشر ضوئه في رحاب المكان، ابتسم والدي: الآن كبرت، صرت في الثانوي، تدرسون كما أعلم شيئاً عن الوراثة وتهجين الحيوانات والنباتات، وتحسين نوعها، وتعديل مواصفاتها لإنتاج سلالات جديدة تفوق أصولها الأولى، أليس كذلك؟ قلت: بلى…
– السؤال: لماذا يعتنون بأصول الحيوانات ويتناسون الإنسان؟
– قلت: كيف؟! هذا اتهام صريح.
– أنا أتحدّث عمّا أراه، وعمّا يحدث في عالمنا، كم يُبذَل من جهد في تهجين الحيوان والنبات، وكم تُصرَف أموال من أجل ذلك؛ بينما أرى الشباب يهتمون بالجمال، ولا يسألون عن المحتد.
– قلت: الله يحبّ الجمال، ألا يُطلَب الجمال؟
– بلى، لكنّه شرط ثانوي، الجمال جمال الروح، والأخلاق وليس الشكل، ألم تسمع “إياكم وخضراء الدمن”؟
– بلى، وكثير من الزيجات فشلت بسببه، وهناك مَن فشلوا لأسباب أخرى.
– هؤلاء بحثوا عن المرتب.
– الحياة صارت ضنكة، ولا بدَّ من التعاون لتربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة جيدة والعيش في مستوى لائق.
– وهذا كالجمال. هناك أزواج يعيشون سنوات أصدقاء ألداء تحت سقف واحد.
– أتريد تهجين الإنسان يا عم؟
– لا يا صديقي، إنّما “العرق دساس” وعلى المرء أن يتخيّر لنسله. ماذا ينتج تهجين الخيل والحمير؟
– بغلاً، أو نغلاً.
– تربتْ يداك، وبيدهم تُنتهَك الإنسانية …!!
– وتسيَّد الصّمت…
ـ ………

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زيدان عبد الملك: قاص – السويداء/ سوريا