شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الإعلام ما بين الجوهر والواقع_ سوزدا أحمد

252

بدأت الشعوب المتعايشة والموجودة ضمن جغرافية واحدة أو حتى جغرافيات منفصلة وبعيدة عن بعضها البعض منذ الأزل تبادل الثقافات والعادات والتقاليد والخبرات فيما بينها؛ وتعددت الوسائل والأساليب الملائمة مع شكل المجتمع واحتياجاته للتواصل, وتم إطلاق العديد من الصفات والأسماء التي استخدمت حينها في إشارة إلى من يقوم بنقل الأخبار, منهم من استخدم مصطلح “النقالين” أو “المروجين”, ويأتي هذا تلقائيا نتيجة الخبرات التي اكتسبها الفرد على وجه الخصوص أو المجتمع عموماً, وقد لعبت هذه الظاهرة دوراً ريادياً في حياة المجتمعات الإنسانية، وفي منطقة الشرق الأوسط بالتحديد, فكان الشعر في هذه المنطقة أحد أهم وسائل الإعلام حينها, إلَّا أنه كان يهدف إلى تبادل الخبرات والأخبار فيما بينهم, فكان مقتصراً على اهتماماتهم في ذلك الوقت أو إيصال الخبر بحدوث حرب أو كارثة طبيعية في مكان ما, فكان الهدف من إيصال الأخبار حينها خدمةً للمجتمع ومن أجله.

الإعلام وتواجده بين المجتمعات

ومع التطور الذي لحق بالمجتمعات البشرية وصولاً إلى القرن التاسع عشر ظهرت العديد من النظريات, والتي تتحدث عن مدى ارتباط الإعلام بالمجتمع دون التمييز بين مكونات هذا المجتمع, فشمله بكل أطيافه وألوانه, فكان الإعلام هو واجب إنساني وعليه أن يراقب ويساهم في تنمية وحماية المجتمع من الأخطار المحدقة به إلى جانب المساعدة في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي, وكان يأتي ذلك بطريقة تلقائية مع الحياة الاجتماعية؛ فكان الإعلام في حقيقته له دوره الأساسي في ترسيخ ثقافات العشوب, والحفاظ على لغاتهم, وحماية الشعوب من الحروب التي قد تلحق بهم أضراراً جسيمة, والقيام بدوره التوعوي, فغدا وسيلةً للتواصل ما بين الأفراد؛ بهدف المساعدة أو التبادل والقيام بواجبهم ورفع الروح المعنوية والحفاظ على الاستقرار والأمن, وخدمة المجتمع, وتزويد المجتمع بكافة الحقائق والمعلومات بطريقة موضوعية مما يساهم في الانتماء للوطن من قبل الأفراد وكافة مكونات المجتمع وأطيافه ومذاهبه وأديانه.
وبتطور حياة الإنسان خلال القرن العشرين، وخاصة في مجال التكنولوجيا, تم فصل الإعلام عن المجتمع وعن الأهداف الطبيعية التي نشأ عليها, فأصبح مرتبطاً بالسلطة, وقد تعزز هذا الارتباط مع تشكيل الدولة وتعزيز الفكر القومي بجميع وسائله المرئية والمسموعة والمكتوبة, فأصبح الإعلام مرتبطا بجهة معينة, ومحتكراً على السلطة, وساهم في تعزيز النزاعات الطائفية والمذهبية وأجج الحروب, وساهم في خلق الفوضى في الأوطان.
واستُخدِم الإعلام لأغراض مرتبطة بالسلطة وتغير هدفه من تنوير المجتمعات وتبادل الثقافات فيما بينهم إلى تشويه الحقائق وتزيفها بحسب مصالح السلطات, فعمل على تشويه صورة مكان أو حدث ما وتبيض صورة حادثة ما, إلى جانب تحكم السلطة بالأحداث وخلقها وزيادة حدتها وتأجيجها وجعلها وسيلة لتحريض الشعوب وخلق الفوضى لصالح السلطة والرأسماليين، على الرغم من أن تطور التكنولوجيا جعلت من العالم قرية صغيرة يمكن تبادل الأخبار والثقافات فيما بينها وبكل سهولة، وأتاحت للفرد الاطلاع على الأحداث في جميع أنحاء العالم وقتَ حدوثها.
وبتطور التكنولوجيا اتسع الإعلام وشمل جميع جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية والثقافية, وهذا الاتساع والسرعة في تبادل وإيصال الأخبار والدخول الى كل منزل والتحكم بعقول الأطفال والشبيبة وكافة شرائح المجتمع زاد من أخطاره, وخلق الحاجة إلى نشر الوعي بين شرائح المجتمع للتميز بين ما يتلقونه من أخبار وآثارها السلبية عليهم, والتمييز بين الخبر الذي يخدم المجتمع أو يخدم السلطة.

وسيلة بيد الهيمنة الدولية لتأزيم المنطقة

تحول الإعلام من وسيلة للتواصل والتبادل إلى سلاح بوجه الشعوب وتشويه الحقائق، ومن وسيلة لتنوير الشعوب وإيصالهم للحقائق على أرض الواقع إلى أداة للتحريض وفق توجه القناة أو الجهة الممولة, وإلى جانب دور الإعلام وأهميته وتحوله من السلطة الرابعة الى السلطة الأولى, والوسيلة الأكثر تأثيراً إلا أنه ساهم الى حد كبير في تآكل الأرضية الاجتماعية وإضعاف الروح الوطنية, والاستسلام لدى المواطن, وجعله يعتقد بأن الحكم الأساسي يكون بيد السلطة والحكام, وجعله يتجرد من ثقته بنفسه والإيمان بقدرته بتغيير وتعزيز فكرة الطائفية, فضعف شعور الانتماء لديه, وساد الإحساس بالخوف والرعب, وكان ذلك واضحاً في عام 2003 في العراق, حيث كان الإعلام أحد الأسباب التي أدت إلى الوضع الذي يعيشه العراق منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا من حروب ونزاعات طائفية تسعى الدول المستفيدة منها إلى تأجيجها, بل وخلقها بيدها, وجعل الإعلام أحد الأسباب التي زادت من عمر هذه الحرب.
وعبر الإعلام جعلت من ثورة الشعوب وسيلة لتحقيق مصالحها وأطماعها, فما سمي بالربيع العربي, والذي بدأ في عام 2011 وما طالبته شعوب الشرق الاوسط من حقوق بسيطة تتجلى بمتطلبات حياتهم اليومية, وحقهم في تقرير مصيرهم وتعبيرهم عن آراءهم، تحولت من قبل الدول الرأسمالية والسلطات وعبر الإعلام وبحرب باردة ووسائل تكنولوجية إلى أزمات مستمرة في أوطانهم حتى يومنا هذا, ونقلتها إلى حرب طائفية فيما بينهم بعيدة عن متطلباتهم بتعبيرهم عن آرائهم وتقرير مصيرهم, فكان مصير هذه الشعوب أن تنتقل من حكم سلطة ودول مستبدة إلى وطن لا ينعمون فيه بالاستقرار والأمان, الأمر الذي لا يخدم سوى الدول الرأسمالية وكان كل ذلك عبر الإعلام.

إعلام شمال وشرق سوريا.. حفاظ على القيم المجتمعية

ذكرنا آنفاً حقيقة الإعلام قديماً بسلبياته وايجابياته, وكيفيه استخدامه من قبل الشعوب عبر التاريخ, كما تطرقنا إلى تسييسه؛ لكن هذا الأمر يختلف عن الإعلام في شمال وشرق سوريا, فمنذ بداية الأزمة السورية وحتى هذا اليوم, حافظت الوسائل الإعلامية العاملة في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية على جوهر الإعلام, من حيث؛ المهام والأهداف, فخلق من اللاوجود وجوداً حقيقياً وبإمكانيات بسيطة.
وفي ظل الثورة والفوضى العارمة في المناطق السورية عمل الإعلام في شمال وشرق سوريا وبالتحديد في روج آفا على التغلغل في المجتمع وعيش واقعه, فنقل صورة الثورة والمقاومة التي تبديها الشعوب ليس في وجه النظام الحاكم فقط, بل واقع محاربة شعوب المنطقة للذهنية التي سيطرت عليهم لسنوات عدة, فنقل ثورة الشعوب، وثورة الذهنية في هذه المنطقة، وواقع معاناة الشعوب، وقصص المقاومة التي روت بتضحياتها صحراء قاحلة, فكانت ورود تبعث روح الحرية في كافة أرجاء العالم.
وقد تواجد الإعلام في المنطقة التي تعرضت لهجمات أكثر التنظيمات إرهاباً وخطراً وتطرفاً، ألا وهو مرتزقة داعش, فكان نقل واقع الشعوب ومعاناتهم من هذا التنظيم، ومن الحرب الطائفية في البلاد، واجب إنساني يقع على عاتق الإعلاميين, الذين نقلوا حقيقة المقاومة التي أبدتها الشعوب، والقوات التي حمت الشعوب السورية بكل مكوناتها في هذه المنطقة.
وبظهور فكر الأمة الديمقراطية لعب الإعلام بكافة أقسامه المقروءة والمسموعة والمرئية دوره, وساهم في زرع ثقافة التعبير عن الرأي لدى عامة الناس في ظل تغييب هذا المجتمع عن الإعلام حقبة من الزمان في سوريا, فكانت هذه المهنة محتكرة على فئة معينة وحزب معين، حيث لم يكن يوجد فيها سوى تلفزيون واحد ووسائل إعلامية بسيطة تهدف إلى نشر الفكر وإظهار قوة وهيمنة البعث, دون أن يدخل في تفاصيل عامة الناس وحياتهم وثقافاتهم, فلم تختلف هذه الأدوات عن باقي الوسائل الإعلامية التي رضخت لحزب وسلطة معينة وانفصلت عن المجتمع والواقع.
ومع ثورة شمال وشرق سوريا، تعددت الوسائل الإعلامية، وأتيحت الفرصة لفتح أكثر من قناة تلفزيونية وإلى دخول اكثر من قناة إلى هذه المنطقة؛ لنقل الوقائع والأحداث, وتعددت الصحف والمجلات الخاصة بالمجتمع والطفل والشبيبة والمرأة, كما تنوعت الإذاعات بكافة اللغات, بحيث جسدت تاريخ الشعوب المتعايشة في هذه المنطقة بدلاً من اذاعة واحدة, وصوت واحد, فأصبح لكل مدينة إذاعة خاصة بها, ناطقة بلغتها ومجسدة لثقافتها وحاضنة لتاريخها, وأصبحت الحامية لها, فأصبحت هذه الإذاعات صوتا للمجتمعات الحرة ولفكر الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب. وأمام ميراث من الخطوات التي قامت بها وسائل الإعلام في روج آفا وشمال شرق سوريا عموماً، كان الإعلام منبثقاً من المجتمع السوري الذي لم يخلو بيت فيه من تقديم شهداء للدفاع عن هذه الأرض وهذا الوطن, وقدم الإعلام مع شعبه شهداء في سبيل نقل الحقيقة وواقع الشعوب ومعاناتهم, فحافظ على جوهره وقدم العشرات من الشهداء, وسطر أروع ملاحم الفداء في سبيل إيصال حقيقة الواقع والمقاومة في شمال وشرق سوريا, من أمثال مظلوم باكوك، هوكر، دليشان ايبش…

المرأة والإعلام في ظل ثورة لها الدور الريادي

في ظل الأزمة السورية وثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا، كان للمرأة الدور الريادي في محاربة الذهنية الذكورية والعادات والتقاليد المفروضة عليها منذ آلاف السنين, فتحولت من امرأة سلبت منها حقوقها واقتصر حل قضية حقوقها على أوراق في مكاتب تراكم الغبار عليها فترة من الزمن, ومن امرأة سجنت تحت “عباءة الحرام والعيب”, وقيدت في المنزل والمطبخ وببعض المهام البسيطة، ومن امرأة تم استخدامها في قنوات إعلامية كمرأة مبتذلة لا يظهر من قدراتها سوى مفاتن جسدها واستخدمت سلعة للترويج، إلى امرأة تمتلك الإرادة والقوة, وكان لا بد لها من أن تواكب غيرها من النساء ممن أتيح لهن الفرصة في هذه الثورة في التعبير عن قدراتهن, فاستفادت المرأة من ميراث النساء اللواتي ناضلن في سبيل نيل حريتهن وحقوقهن, من أمثال شيلان وبيريتان وزيلان وساكنة, وقد كان لها وجودها في كافة المجالات الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة, وأخذت مكانتها في إعداد الأخبار وتحريرها, واستطاعت أن تقدم برامج حوارية ومواد إعلامية قوية, وكانت ومازالت السباقة في نقل الأحداث والوقائع من أكثر الأماكن خطورة, وفي الجبهات الأمامية للقتال ضد داعش، وكذلك ضد هجمات جيش الاحتلال التركي, عاشت وتعايشت في أصعب الظروف وأكثرها خطراً, مدافعة عن ذاتها وعن قضيتها دون كلل أو ملل, فحاربت جدار الصمت الدولي المفروض على شعبها, ونقلت إرادة وقوة المرأة إلى العالم, لتظهر المرأة على حقيقتها وجوهرها الحقيقي, وتصعد بنساء روج آفا إلى سلم الخطوات الجدية نحو قضية المرأة.

الارتقاء بالإعلام.. ارتقاءٌ لحضارة المنطقة

في ظل الأزمات التي تكابدها المنطقة والحروب التي تعاني منها الشعوب من صغيرها إلى كبيرها, وفي ظل السياسيات التي تمارس بحق الشعوب؛ علينا وضع الخطط والبرامج القوية والاستراتيجيات البناءة والمنظمة, والتي تهدف للارتقاء بالإعلام, وتنطلق من مبدأ حماية وتعزيز الارتباط بالوطن, وإبراز ثقافة الشعوب الشرق الأوسطية, والحفاظ على تاريخها وحضارتها, وعلى الإعلام الحفاظ على ميراث وتجارب الشعوب السابقة؛ لمنع الاستغلال والوقوف أمام الأطماع الرأسمالية التي تسيطر على ثروات وأراضي شعوب هذه المنطقة, وعلى الإعلام المعاصر أن يساند شعوب المنطقة في وجه السلطة التي تأكل من تعب وثروات الشعوب, وتسليط الضوء عل جوانبها المظلمة؛ في ظل التطور التكنولوجي المتسارع, وفي ظل سياسات الإبادة, وصهر الثقافات, وتسخير المجتمعات لخدمة الرأسمالية.