شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الريحاني_ أيمن الداكر

235

قطعة من قماش الدمور*، الذي يتحمل الوجع والأحزان، لونها يشبه كوب الشاي عندما تسكب فيه أمي بعض من الحليب، الذي تحضره لنا جارتنا أم ربيع كل صباح، قام العم جرجس بخياطتها جيداً، على هيئة حقيبة قماشية مستطيلة الشكل، وثبت في أعلاها حزام قوي، يتمدد على الصدور كوشاح باهت، لا يكاد أن يبين فوق المريلة، والتي خاطها أيضاً العم جرجس من قطعة القماش ذاتها، تزينها جيوب أمامية، نخبئ فيها أصابعنا الصغيرة عن أعين الصقيع، نأخذها بعيداً عن رداءه الأبيض، الذي يدثر كل الأشياء على حافتي الطريق، ننساب عبر أزقة القرية وحواريها، حتي نتجمع أسفل شجرة الجميز، بجوار الحنفية العمومية، ثم ندش في الأرض شرقاً نحو الشمس، نحو طريقنا إلي البلدة البعيدة، حيث مدرستنا الابتدائية، نفرك أيدينا في بعضها البعض، لعلها تمنحنا قبساً من الوهج، فيسري الوهج في أرواحنا نوراً وحياة، وفي حقائبنا القماشية وهج آخر لحياة أخرى، حياة متجددة في قطعة الجبن القديمة، المحشورة بين شقي الرغيف الشمسي.
تقول أمي:
ـ كُل الدود قبل أن يأكلك.
نمد الخُطى، يحتضن رماد الطريق الزراعي أقدامنا الصغيرة، نسبقه بعدة خطوات، هو دائماً يحلق بعيداً وحيداً، وجهه القمري المستدير، وجبهته العريضة، كأوراق عيدان الذرة عندما تتناثر عليها حبات الندى، كلؤلؤ منثور علي وجنتيه التي استحالت وردية من الإرهاق، وكأنه خضبها بتلك الزهرة القرمزية، التي نقطفها من بين الحشائش في الغيطان، نفركها في إصبعنا الأكبر، ثم نرفعه عالياً فرحين، كعلامة النصر، تماماً مثل أصابع أمهاتنا، وهن عائدات من عند إبراهيم البقال، محملات بالزيت والسكر، رقبته القصيرة، تكاد أن تنوء بحملها أسفل رأسه الكبير، مغروزة في جسد مكتنز بأرطال اللحم والشحم، نتوقف قليلا كي نلتقط أنفاسنا، نحفزه أن يهم حتى لا نتأخر، فيرسل إلينا ابتسامته المعهودة، تلك الابتسامة التي يرد بها على المُعلًم، عندما يعجز عن إجابة السؤال، يظنه الأستاذ عبد المعطي – مدرس اللغة العربية- أنه يسخر منه، يعيد عليه السؤال، فيجيبه باِبتسامة أكبر وأعرض، يرفع الأستاذ عبد المعطي قطعة العصي، والتي انتزعها من النخلة اليتيمة في حديقة المدرسة، يضربه على كتفه، فيطلق صرخة الوجع، وقبل أن يرتد إليه صداها، يتبعها بضحكة مجلجلة، ينمو صخبها سريعاً مع شدة ضربات الأستاذ عبد المعطي على جسده الرجراج، لا تلبث أن تتسرب العدوى بيننا واحداً تلو الأخر، فيضج كل الفصل بالضحك، والطرق على المناضد، يجن جنون الأستاذ عبد المعطي، فيتركه وينهال علينا جميعاً بالضرب، يضرب في كل اتجاه، حتي يصيبه الإعياء، وتسقط قطعة الجريد المجهدة من بين يديه، يستند بيده على السبورة السوداء، يلقف أنفاسه المتقطعة، ينظر إليه وقد أصابته أيضاً عدوى الضحك قائلاً:
-أعمل فيك إيه؟
في الحفلات المدرسية، يصُيب الجميع بالدهشة، عند رؤيته علي خشبة المسرح.
كيف يحفظ كل هذه الكلمات ويرتجل، وهو العاجز عن حفظ جدول الضرب؟!
يضرب الأستاذ عبد المعطي كفا بكف مردداً:
ـ كيف يحكي بهذه البلاغة والفصاحة، ويتلعثم في إعراب جملة بسيطة؟
نلتف حوله، “ريحاني” يرسم على وجوهنا الضحكة، بعد أن يُسكب من العين ماؤها المالح، يتركنا ويحلق بعيداً إلى عوالم أخرى، مسكون هو بكل عفاريت بلدتنا، يضع يده اليمني على رأسه، متجسداً شخصية “يوسف بك وهبي”، يتمايل بين جنبات المسرح، يستند بيده اليسرى على الممثلين الصامتين من حوله، وكأنهم خشب مسندة، ثم يزيح إحدى يديه نحو قلبه، يضطرب وجهه صارخاً:
ـ آه آه، قلبي، قلبي.
يتداعى جسده علي خشبة المسرح، فيحدث جلبة عالية وضجيج، لا يوازيهما غير ضجيج الأكف التي التهبت له بالتصفيق الحاد.
ينتهي العام الدراسي، وتنتهي رحلتنا الصباحية إلي المدرسة، لتبدأ رحلة أخرى صيفية، رحلة تظل فيها حقائبنا القماشية معلقة في رقابنا، وتظل الحياة المشتعلة داخلها متوهجة، بعد أن نستبدل الكتب بتلك الآلة الحادة الموسومة بالمنجل، ويُضاف إلى نصف الرغيف الشمسي، فحل كبير من البصل، وحبتين من الطماطم والخيار، جرة ماء تحفظ توازنها ببراعة علي رأس أحدُنا، بين عيدان القمح الذهبية نجلس، نمسك حزمة العيدان باليد اليسرى، وبالمنجل المقبوض عليها باليد اليمنى، ننحرها من جيدها، نرصها خلفنا في أكوام متناسقة، تاركين الرأس مدفون في أرضه، وعندما يصيب مفاصلنا الصغيرة النصب، نقف قليلاً لنفردها قبل أن تتيبس في انحناءاتها، نمط جذعنا فيصدر أصوات فرقعات عالية، نهم بالضحك منها، فيعالجنا الحادي بضربة من عصاه، والتي تشبه عصي الأستاذ عبد المعطي، تعقبها صرخة قوية، تأمرنا بالعودة للانحناء:
ـ وطي
نطأطئ رؤوسنا وتعود سيقاننا لانحناءتها سريعاً، نجلس القرفصاء، وننحر عيدان القمح دون تخاذل أو رحمة، لا نملك رفاهية الرفض، فنحن بحاجة إلى هذه القروش القليلة، نمرر سواعدنا على الجباه، فتعود مصبوغةً بالأسود، مداد يرسم خطوطه على وجوهنا، يرسم عليها علامات الشيب والعجز، يجسد خرائطه على جلبابنا الباهت، خيوط بيضاء متشابكة كخريطة الأحزان، طعمها مالح، ملح فاضت به أجسادنا التي استحالت كقطعة الجبن القديم، يرتع فيها الدود كيفما شاء، جرة الماء تنفذ واحدة تلو الأخرى ولا ترتوي منها أرواحنا، الضحكة غائبة، وإن حضرت فهي سقيمة وباهتة.
يخرج ذلك الجرذ الصغير من جحره، تلمحه العيون المترصدة، نسرق لحظات من الزمن، ننسى فيها رجولتنا المصطنعة، نهرول خلفه في فرح طفولي بريء، كل منا يحاول أن يمسك به، أن يضغط على ذيله الرفيع بالحذاء البلاستيكي، ذلك الحذاء الذي نشتريه ليوم العيد، من باتا في شركة بيع المصنوعات، بجوار محطة القطار في المدينة، يحملنا إلى المدرسة، ثم إلي الغيط والعمل، يطير بنا إلى كل جنبات دنيانا الصغيرة، يمر القطار بعيداً، زاعِق يرسل إلينا التحية، يرحل سريعاً تاركاً في قلوبنا أمنية.
متى يحين الوقت لنتعلق بباب القطار ونذهب بعيداً؟
إلى أين؟
لا يهم.
فقد أخبرونا أن ذلك القطار يرحل إلى بلاد بعيدة جميلة.
بلاد يقال عنها، (أم الدنيا).
يغضب الحادي لضحكنا الصاخب، تماماً مثلما يغضب الأستاذ عبد المعطي، فينهال علينا ضرباً، لكنه لا يستطيع أن يهرول خلفنا، يخشى علي أقدامه من جذور القمح الحادة، يصرخ ويتوعد، وعَده دائماً كاذب، هو لا يستطيع أن يطردنا من حقله، هو يحتاج إلينا، نحن ندرك ذلك جيداً، نعمل له كالرجال ويمنحنا نصف أجرهم، نفر من بين يديه، فيناله هو لبطء حركته، يضربه على كتفه بعصاه، فيطلق صرخة الوجع، وقبل أن يرتد إليه الصدى – الذي ابتلعته عيدان القمح- يتبعها بضحكته التي لم تكن مجلجلة في ذلك اليوم، وفشلت عدواها أن تسري بيننا، ضربة ثانية وثالثة ورابعة، الريحاني ثابت في مكانه لا يتحرك، يجيبه بضحكة مكتومة، هي أشبه بأنين فرخ الحمام على شباك غرفتي، استحال وجهه أحمر قاني، يكاد أن ينفجر تحت الشمس الملتهبة، وقميصه كأنه مغموس في الترعة، أنفاسه تتسارع بقوة، يصرخ مرة أخرى، يرفع كفه إلي رأسه ويتمايل في جنبات الغيط، يستند بجسده المنتفخ على أجسامنا الصغيرة، مثلما كان يفعلها على خشبة مسرح المدرسة، يحرك يده نحو صدره صارخاً:
ـ آه آه قلبي، قلبي.
يزداد ثقله علينا، وقد تقمص شخصية الريحاني، ووهبي، وكل الأسماء المجهولة لنا، قد فهمها هو جيداً، لا يترك فرصة، حتى يخرج لنا عفاريته، تخطفنا وتحلق بنا إلى عوالم أخرى، عوالم نحن فيها من يمسك بالعصي، نجلد كل الجبارين في الأرض، عوالم نهرول فيها على أرض بعيدة، أرض تحب أقدامنا وتحنوا عليها، نقطف الورود ونشعر برائحتها تسري في أرواحنا، تبدء العدوى تسري بيننا بعد طول انتظار، فنضحك.
نضحك بكل ما أوتينا من قوة، وندفعه في مرح:
-هتفطسني تحتك
يدور حولنا، يلقي نظرة نحو الفأر الصغير الذي توقف عن الجري أسفل قدميه، يلقي بنفسه على الأرض في المشهد الختامي، غير عابئ بالجذور الحادة، هو دائماً يأتي بالحركات الغريبة المعجزة لفهمنا، لكنه اليوم تجاوزها بكثير، هو يتحدى الشمس، يرنوا إليها بوجهه القمري الباسم، زال عنه العرق والطين والوجع، يبتسم وعينيه تلاحقها في تحدي، لا يرمش عنها أو يخشى لهيبها، حتى الحادي ألقى من يمينه العصي، وشاركنا في التصفيق له:
ـ قم يا ريحاني
لم ينهض الريحاني، ولم يشتكي الوجع بعدها، وكذلك نحن، لم نضحك مرة أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الدمور: قماش منسوج من خيوط القطن، خشن الملمس وبلَونٍ أبيض محمر.