شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

هواجس_ جمال شحود رضوان

228

استيقظَ لا يدري في أيّ توقيتٍ، متوجساً الرّهبة، فالظّلام يسود المنزل باستثناء الضّوء الأصفر الشّاحب المتسلل من الممرّ .”يُفترض بهذه المصابيح أن تهدئ أعصابي على حد زعم بعض الأطبّاء النفسانيين، لكنها تدفعني إلى التقيّؤ والقرف”، هكذا تمتم.
الآن وليس في بُرهةٍ أخرى يتكئ على مرفقه ويصيخ السمع. اعتادت أمّه القول: “إنّ الهواجس هي همسات الله في غابةٍ مظلمةٍ”. في البدء تصوّر أنّ طيف أمّه زاره، ولكنّه سرعان ما أدرك أنّها ليست هنا في هذه الليلة، ما من أثرٍ لوهجٍ حنونٍ في أيِّ زاويةٍ من زوايا البيت، وليس ثمّة حفيفاً كالذي ينبعث من ستائر حريرٍ، ولا أيّ شذا للياسمين والورد، ولن ينسى متى حدث ذلك أول مرّة، إنّه يصعقه صعقة نار الجحيم حين يروده.
وشرع يسارع إلى كشط القشرة الرمادية عن الثمرة التي بين يديه، تلافيف وتموجات تركن خلف الماضي والمسافة الوعرة، وأكوام من سقط المتاع والأسى. هنا يقيم عمودٌ لا مرئيٍّ من الشغاف إلى العلياء. تمطره وتنبته أو تنقذه وتتلقفه.
قال: “سأذهب”. وحين هوى ردحاً، خمّن أنّه ناسكاً في غارٍ، وكان صوتها يداعب وجنتيه ويضئ عتمته الداخلية حين حنين، ولكنّه كفّ البحث عنها أو أن يتدفق فيها وأحبّ إعاقته لا بل تكيّف معها، وأضحت عنوانَ البلاهة والسّكينة.
لا بلْ أصبحا على ضفتي الخصام باسم الإنسانية وأقاما المتاريس خلف الهويّة، وشوق الفعل إلى ما لم يفعل. وبعد أن رأى كل الوجوه الجميلة حتى القبيحة، صارت بالنسبة له أنْ يرى أيّة امرأة تردم الفجوة، مع أنّها لم تأتِ مع أدوات الهيام والرغبة في الجنس.
وتذكّر كلماتها حين أجابتْ: “لم يكوْ لي قرنا استشعار لأراكَ فيهما كما ترى فراشة، حين تحطّ بشهوانيّتها السّاذجة، وتراك كما لو أنّك سئمتَ من الحياة أو سئمتْ منك، فكنتَ فقاعةَ ألوانٍ”. وأردفت: “أي جنازة قدرها المسافة بين مدى العلو وموطئ السقوط لكنْ عندما سقطتَ في هذا العالم فقدت النّواس الداخلي، أو التّيه بأن تمشي مثل البشر، وأضعت درب العبور وثمن الولوج، مع أنّه كان يلوح لك هناك.”
وتذكّر ما كتبه على عجلٍ عندما كان يغوص في وحدته: “أيّها السّاجيَّ في تلك القصاصات من أوراق العمر، تفترش الفرح بتلك الأوراق المخضّبة، وتلتحف مدادي في هزيعي الطويل، تزفر تنهيدةً بين دفتي الشّوق، وتتبعثر أوقاتك بين الأوراق على ضوءٍ خافتٍ لقنديلٍ شحَّ زيته، وفراشة الإصرار تراقص اللهب، تُغني للأصحاب وتحاكي زهرةَ الأماني بدمع المقل. وأنتَ … أنتَ، تتلظى وحيداً في ذاكرة القلب، حكاية الأقحوان تحت خميلة السحر، مخلصاً لعشقٍ سرمديٍّ وقصّةٍ أبديّةٍ خالدةٍ، تاهت فصولها بين همسات الاشتياق وحنين الانتظار. تناجي الضّياء في العلياء وتسطر فصول الرّواية بهمس الآخر المختلف”. وتابع بوحه: “أنثر حضوركَ، فالأبجدية تنكأ الذكرى، يتسلل طيفك خلف الصّمت، أرى البهاء في سمت المناجاة تدغدغ كلّ الغيم، تاه معجم اللغة، وجفّتْ ينابيع المداد عن البوح وحلقّت أوراقي مع أحلام اليقظة ومحطات الذّكر”.
لذا انغمس في مستنقع الأنين، الموزون على بحر الوجع، مع أمواج ملح الخوف، وحنظل الصّمت، يتهجى أبجدية الخنوع وهو يمضغ عوسج الحرمان، غاب ذهنه في تلك الهنيهة التي صَحى فيها على شهيقٍ هائلٍ، يَدقُّ ويسحقُ تحت أقدامه، فخُيِّل له أنَّ هناك من يهدم بنيانه الهش، ثم بدأ وعيه يُميز تلك الأصوات، غريزةٌ عميقةٌ دفعته للتلصص من شقوق الهوّة، ليُفاجئ برأس المرارة وهو مُغمض العينين غائباً تضربه الخيبة وتُطوِّحه، عندها انحفر أنفه في فُرجة التّيه حتى بانت له الأمور .
وفي قاع رفوفه الداخلية عثر على غضبٍ، مثل شظايا زجاجٍ محشورةٍ بين أرشيف كلماته، فعلاقته مع الحياة كان الصّمت، هو الشّرارة الوحيدة التي تقدح اهتمامه وتجعله يتقبل الحياة. وذات مرّة أخرى أفاق ليجد أنّ وجه الحياة الصغير كفَّ عن إغضابه، دفع جسده خارج براءتها، وسمح لوجهها أن ينضج بقفزةٍ واحدةٍ من قاع الأمل إلى قمّة الانتصار والتّحقق، كي تعي أن الحياة لعبة ممكنات تهدد كينونة تلك الانسانية وتستأنف التحقق.