شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

“وكالة أنباء هاوار” .. نموذج إعلام ثوري حر – شيندا أكرم

266

لاشك أن للإعلام دور مهم في الحياة اليومية بكافة مجالاته، خاصةً أنه أصبح في الوقت المعاصر مثل الماء والخبز اللذين لا يستطيع الفرد أن ينقطع منه ولو لثانية، لكثرة الأحداث الساخنة في كل جزء من العالم، وبالأخص منطقة الشرق الاوسط التي كانت قبلة الشرارة التي انطلقت منها ثورة ما سمي بالربيع العربي، والتي جاءت نتيجة ممارسات الطبقات الحاكمة المهيمنة في تضليل الحقائق المعاشة على أرض الواقع.
ولأن الإعلام يلعب دوراَ مهماً في الحياة الاجتماعية بما فيها الثقافة، وتزويد الشعب بالأخبار والمعلومات، ومصدراً للتوعية وبناء الفكر المجتمعي، الذي من خلاله يسير تكوين الرأي الجماهيري واهتماماته الفكرية والسياسة، فهذا يجعله أكثر تطويراً وتقدماً داخل الدول والمجتمعات أينما كانت وذلك بنقل ما يحدث من طرفٍ لآخر.
وما نعاصره حديثاً من وسائل إعلامية متطورة أصبحت الأكثر سهولة لنقل الأحداث خلال ثوانٍ، بما يحدث من مجريات على كافة الأصعدة إلى مختلف أنحاء العالم، وتكون ذات تأثير فعال داخل المجتمعات، ووسيلة لرفع أصوات من لا صوت لهم، بعرض قضايا الناس وتوعيتهم من الظواهر السلبية التي تواجههم من سرقة ومخدرات وتجارة البشر مقابل المال وغيرها.
والإعلام من الوسائل الهامة في بث المعلومات التي تخص صحة الإنسان والبحوث والاكتشافات وتبادل الآراء في الكثير من الأمور سواء سياسة أو ثقافية، مما يساهم في إثراء العقول ويزيد من حجم المعرفة لدى المجتمع.

الإعلام الثوري حالة فرضته الضرورة

انطلقت شرارة الثورة السورية، في الوقت الذي كانت فيها منطقة الشرق الاوسط ملتهبة بالتظاهرات لإسقاط الأنظمة في عناوين انتشرت صداها في كل الصحف والقنوات باسم ثورة الربيع العربي، والتي كانت بداياتها من تونس بإضرام المواطن “محمد البوعزيزي” النار بجسده، نتيجة البطالة وتفاقم الأوضاع المعيشية وسلطة الحكم الواحد، لتصل شرارة الثورة إلى مدينة درعا السورية، حيث قامت الجهات الأمنية لسلطات النظام السوري باعتقال العشرات من الأطفال، إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدران مدارسهم.
وعلى إثر ذلك ظهر دور “الإعلام الثوري البديل” في نقل ما تتعرض له الشعوب في الشرق الأوسط من قبل الأنظمة القمعية الحاكمة التي لم تتقن غير لغة واحدة وعلم واحد ولون واحد، لذا نستطيع القول إن الإعلام الثوري هنا لعب دوره الفعال من قبل النشطاء والشبيبة في الشرق الأوسط، وخاصة في سوريا، في نقل الحقائق ومجريات الأحداث بنقل الصورة الحية للواقع اليومي، نتيجة ظلم وتراكمات استبداد السلطات السورية سواء في المظاهرات أو الممارسات القمعية التي يرتكبها بشكل مباشر، وذلك من خلال الوسائل الالكترونية ومنها التواصل الاجتماعي، بغية إيصال صوتهم إلى مختلف أنحاء العالم.
وفي خضم هذه المرحلة التي كانت بمثابة ولادة جديدة للشعب الكردي، تمكن أبناء مناطق “روج آفا” بسرعة فائقة من البدء بثورة شعبية داخل الجغرافية السورية، في كل مكان يتواجدون فيها وإيصال صوتهم إلى العالم، متخذين من “الإعلام الثوري البديل” الهدف الأساسي والتركيز على الواقع الاجتماعي في مختلف المدن السورية، بعدما كان العمل الصحفي في هذه المناطق ممنوعاً كي لا يظهر حقيقة الوقائع الحياتية بجميع مجالاتها المعاشة في ظل سياسة النظام السوري قبل الثورة.

الواقع حتَم وجود وكالة أخبار لنقل الأحداث بدقة ومصداقية

وخلال هذه المرحلة والظروف التي كانت تمر بها المنطقة من ثورات ربيع الشعوب وسعي النظام الرأسمالي والدولة القومية لفرض أجنداتهم على مكونات الشعب السوري الثائر ضد النظام السلطوي الشوفيني، كان يتحتم وجود وكالة أنباء قادرة على نقل الوقائع والأحداث على حقيقتها، دون أن تدخل في خدمة الأطراف المعادية لتطلعات الشعب السوري بالحرية والمساواة والعدل، لذلك شكلت مجموعة من الصحفيين الكرد مع مطلع عام 2013 وكالة للأنباء سميت “هاوار” والتي تعني “الصرخة” باللغة الكردية، ولتطلق الوكالة عملها رسمياً في الأول من آذار من ذات العام.
بإمكانيات متواضعة استطاعت أن تصبح مصدراً موثوقاً للمعلومات
“وكالة أنباء هاوار” التي بدأت بإمكانيات متواضعة من حيث طاقم العمل والمعدات التقنية المتوفرة في أيديهم وبإمكانيات بسيطة وقلة تدريب الكادر المحلي في تلك المرحلة، استطاعت أن تصبح مصدراً موثوقاً للمعلومات خلال فترة قصيرة من الزمن، لأنها اعتمدت على إيصال الحدث بتفاصيله وبمصداقية إلى متابعيها.
وسعت “وكالة أنباء هاوار” التي يرمز لها اختصاراً بـ(ANHA) إلى ترسيخ وتعزيز هوية ولغة وثقافة وتاريخ الشعوب المضطهدة وفي مقدمتها الشعب الكردي، وجميع الشعوب التي تعرضت للإبادة العرقية والثقافية. وفي هذا المضمار وعبر شبكة مراسليها في سوريا وعدد من دول الشرق الأوسط، استطاعت أن تصبح صوت ولغة الشعب وعينه التي تكشف الحقيقة.

اتخذت نهج الإعلام الديمقراطي الحر هدفاً لها

والتزمت “وكالة أنباء هاوار” بنهج الإعلام الديمقراطي الحر وعملت من أجل القضاء على الذهنية الذكورية البعيدة عن ثقافة المجتمع الحر.
وفي سبيل تحقيق الأهداف التي تعمل من أجلها، وسّعت الوكالة شبكة مراسليها ومراسلاتها في عموم مناطق شمال وشرق سوريا والمدن السورية الرئيسية لتغطية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمرأة وغيرها، بعدما تمكنت قوات سوريا الديمقراطية من تحرير مناطق واسعة كانت تحت سيطرة مرتزقة داعش، هذا بالإضافة لتشكيل شبكة من المراسلين في عدد من بلدان الشرق الأوسط.

أقسامها واللغات التي تنشر بها

كانت “وكالة أنباء هاوار” منذ بداية تأسيسها تنشر الأخبار باللغتين الكردية والعربية، وفيما بعد تمكنت من خلال تشكيل شبكة من مراسليها في الشرق الأوسط أن تنشر الأخبار باللغات الستة الكردية، العربية الروسية، الإنكليزية، الإسبانية والتركية. وتتقدم في العمل بإنشاء أقسام داخل موقعها الرسمي، منها قسم الشرق الاوسط لمتابعة ما يجري في العالم والشرق الأوسط من تغيرات، وقسم خاص للملفات التي توثق حقيقة الوقائع بالفيديو والصور، وتغطية جميع المجالات الحياة المتعلقة بالمجتمع عبر شبكة موسعة من مراسليها.
وفي سبيل البحث عن الحقيقة ومتابعة معارك مكافحة الإرهاب المتمثل بداعش، وفي مقدمتها معركة كوباني، التي أبهرت العالم بمقاومة وحدات حماية الشعب والمرأة ضد مرتزقة داعش، وفيما بعد في مناطق شمال وشرق سوريا، تحولت وكالة هاوار بمقاومة مراسليها في جبهات القتال رغم تعرضهم للخطورة والتهديدات من قبل داعش والجماعات المتطرفة، إلى مصدر خبري لكثير من المؤسسات الصحفية المحلية والإقليمية والعالمية.
لم يمنع هذا الدولة التركية على وجه الخصوص من القيام بمحاولات فاشلة لقرصنة موقع “وكالة أنباء هاوار”، لإخفاء الحقيقة المعاشة عن أنظار المجتمع المحلي والعالمي، ولكن الطاقم الفني والتقني للوكالة كانت تفشل في كل مرة المحاولات التركية لإغلاقها.

دورها في فضح ممارسات داعش والاحتلال التركي

واستمرت مقاومة مراسلي “وكالة أنباء هاوار” في ظل مكافحة الارهاب “داعش” في شمال وشرق سوريا أثناء تعرض المدنيين لأبشع أنواع التعذيب والقتل والترهيب، وخاصة الممارسات التي تعرضت لها المرأة من بيع وقتل وغيرها.
ولتكون صوت الشعب وايصاله إلى العالم قدمت “وكالة أنباء هاوار” ثلاثة شهداء، هم كل من: “دليشان إيبش”، “رزكار دنيز” و”هوكر محمد”، الذين استشهدوا خلال عام 2017، أثناء تغطيتهم تحرير المدنيين على يد قوات سوريا الديمقراطية من المناطق التي كان داعش يحتلها في ريف دير الزور، كما جرح عدد من أعضاء الوكالة وهم يغطون معارك تحرير شمال وشرق سوريا من مرتزقة داعش والاحتلال التركي على الحدود بقناصة جنود الاحتلال التركي في كري سبي “تل أبيض” ومناطق أخرى.
ولعب مراسلو وكالة هاوار، دوراً كبيراً في فضح ممارسات الاحتلال التركي ومرتزقته خلال عدوانهم على منطقة عفرين وبعدها، وقاوموا في جبهات القتال رغم الخطورة وتحليق عشرات الطائرات الحربية والقصف المدفعي، ليكونوا ثواراً بكل معنى للكلمة، وهدفهم إيصال صوت الحقيقة التي لازال العالم يغض أنظاره عنها بصمت.

عاهدت السير على خطى شهدائها ومخاطبة الشعب بكل مكوناته

ولأن فريق عمل “وكالة أنباء هاوار” عاهدوا بالسير على خطى شهدائهم، ومخاطبة الشعب بكل مكوناته، ليصل صوت الحق في ظل الهجمات الشرسة التي يعيشها الأهالي في شمال وشرق سوريا من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته من داعش وجبهة النصرة، ما زالوا يسعون بكل جهد لنقل الحقيقة إلى الشعوب في ظل احتكار الأنظمة الدولتية لهذه الساحة التي حولتها إلى أداة لخدمة مصالحها وأطماعها.
وخلال المرحلة التي أعلنت فيها قوات سوريا الديمقراطية في حملة “عاصفة الجزيرة” القضاء التام على آخر معاقل مرتزقة داعش في دير الزور، بدأت الدولة التركية بتهديد مناطق شمال وشرق سوريا، وهذه التهديدات لم تكن الأولى من نوعها، بل كانت تتكرر منذ بداية الثورة، بحجة المنطقة الآمنة التي يدعيها الاحتلال التركي، بينما يقوم في الحقيقة بتوطين الآلاف من مرتزقته وعوائلهم في مناطق شمال وشرق سوريا، بعد أن هجر الآلاف من المواطنين الأصليين منها.

صورة “محمد” المحروق بفوسفور الاحتلال التركي أيقظ العالم من صمته

بدأ جيش الاحتلال التركي ومرتزقته بالهجوم على مناطق شمال وشرق سوريا في التاسع من شهر تشرين الأول الفائت، حيث ركز على مدينتي سري كانية (رأس العين) وتل أبيض، وخلال الهجوم شن الجيش الاحتلال التركي ومرتزقته من داعش وجبهة النصرة أشرس الهجمات على المدنيين من قتل ودمار وتهجير الآلاف من المدنيين، وحتى استخدم الفوسفور الأبيض المحرم دولياً، ومن خلال الصور ومقاطع الفيديو التي التقطها مراسلو وكالة هاوار وخاصة صور الطفل “محمد” الذي احترق بفوسفور الاحتلال التركي أيقظ العالم من صمته فيما يرتكبه الاحتلال التركي ومرتزقته بحق الآلاف من المدنيين العزل.
وفي هذه المرحلة الحساسة لم تتوقف قوات سوريا الديمقراطية عن الدفاع وحماية المدنيين من كل ذلك، واستطاع مراسلو “وكالة أنباء هاوار” أن يتواجدوا في جبهات القتال وخلفها لتغطية الأحداث الساخنة من جبهات القتال ومعاناة المهجرين قسراً من ارضهم إلى مناطق عديدة من شمال وشرق سوريا.
وبتاريخ 13 تشرين الأول المنصرم، وبهدف فتح ممر إنساني لإنقاذ المصابين في مشفى سري كانيه توجه أهالي إقليم الجزيرة بكافة مكوناتهم إلى سري كانية لإخراج المصابين من المشفى من جهة، والذين بقوا تحت الأنقاض منذ الأيام الأولى من الهجمات في حي “مشرافة” من جهة أخرى.
وخلال توجه الأهالي صوب سري كانية وسط المعركة الشرسة من قبل الاحتلال التركي ومرتزقته من داعش وجبهة النصرة، كان يتواجد عدد من الإعلاميين مع القافلة المتجهة إلى سري كانية لتغطية الحدث. ولدى وصول الأهالي إلى سري كانية، استهدف جيش الاحتلال التركي بطيرانه الحربي قافلة المدنيين، استشهد على أثرها مراسل وكالة هاوار “سعد الأحمد”، ومراسل قناة جرا تي في “محمد حسين رشو” وأكثر من عشرة مدنيين، وإصابة العشرات من الجرحىمن بينهم أحد مراسلي الوكالة أيضاً.
ومن المؤسف أن أقول أنه خلال المعارك التي جرت في شمال وشرق سوريا من قبل الجماعات المتطرفة مثل مرتزقة داعش وجبهة النصرة وفيما بعد الاحتلال التركي، كانت القوى العالمية تسير في صف الاحتلال في عملية الإبادة العرقية لشعوب المنطقة التي كان أبنائها هم سبب الأمان والسلام من أجل الإنسانية، ودون أن تخجل تلك القوى من أنفسهم، لازال سيرهم كمشية السلحفاة في الوقوف بوجه المحتل والمرتزقة الذين كانوا سبب الخراب والذهنية الراديكالية والإرهابية المنتشرة في المنطقة.

المصداقية.. لتحقيق غايات العمل الإعلامي

ولأجل تحقيق أهدافنا في الإعلام الثوري الذي يسير عليه جميع مراسلو “وكالة أنباء هاوار” منذ بداية الثورة، رغم الإمكانيات البسيطة التي بدأت بها، وتعرض حياتهم للخطر في كل مكان تواجدوا فيها، لمتابعة ورصد الحقيقة بآخر المستجدات وتوصيل المعلومة إلى المجتمع، وفق أسس الإعلام الصادق والوجداني والأخلاقي والموضوعي الى العالم، يجب على كل الإعلاميين الذين عملوا في التغطية الإعلامية في شمال وشرق سوريا من أي مؤسسة إعلامية كانت ان يكونوا أصحاب ضمائر حية لنقل الواقع المعاش بمصداقية، وإلا لن يصل العمل الإعلامي إلى أهدافه.
وأخيراً سنظل نستذكر شهداءنا، شهداء الإعلام الحر، ونعاهدهم ونعاهد شعبنا بأننا سنستمر في عملنا بإظهار الحقيقة ومشاركة المعلومة مع الرأي العام.