شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

زارني طيفه في الحلم- هيفا حسن

640

امرأةٌ أخذ العمر منها ما أخذ.. تغضّن وجهها بتجاعيد كثيرة، عجزت الأقدار عن تغيير ملامح الحسن والجمال فيه، عاصبة رأسها بوشاح مزيّن بألوان الحياة، كانت تحمل مجرفة بيديها، تجرف ذلك الطين المتراكم بعد ليلة ممطرة معتمة، اختلطت ذكرياتها الموجعة مع واقعها الموحل.

 كانت أصابعي متشابكة على الطاولة، كأغصان شجرة تعرّتْ من أوراقها، بعد أن عصفت بها الريح، يسرح فكري في خيالات الماضي البعيدة، يتأمل صراعها الأزلي مع الوجود، رأيتها تقارع بيديها الهرمتين جبروت الزمن، حتى ما عادت تشعر بسعادة اللقاء، فما خطفه منها القدر، يصعب استعادته، خاطبتها بتوسّل:

– أرجوك يا أمي، أن توافقي على العيش معنا في المدينة، ألم تشتاقي لرؤية أحفادك المتشوّقين جداً لحكاياتك التي يعشقونها؟

إلا أنها – لأكثر من مرة – تجاهلت طلبي هذا، متقصدةً شقّ سبيلها في ذلك الطين بعزم أشد؛ أرادت أن توهمني بأنها ما تزال تتمتع بقوة وعنفوان، وتظهر لي أنها ليست بحاجة أحد ليهتمّ بأمورها، في حين أن عينيها تبرقان بدموع كادت أن تسقط من حوافها، إلا أنها ظلت متعلقة كأنها تتشبث بشيء بقوة، ولكنها ما برحت حتى هوت منها دمعتان، لتتوها في تجاعيد وجهها المتغضن، كانت تتمتم مخاطبة دارنا العتيق بعمر الزمن بصوت مسموع:

– لقد رصفت حجارة جدرانك بيدي هاتين، حجراً حجراً، ومزجت هذا التراب بعرقي المتفصّد من جبيني؛ فصقلت به تلك الجدران؛ ليحوي أبنائي الذين هنا ولدوا، وترعرعوا، ومن هنا تبعثروا في دروب مختلفة في الحياة، كنت أخبئ كل أسراري كتمائم بين ثنايا هذه الشقوق المتناثرة هنا وهناك، وأطلسم حواف النوافذ والأبواب بأسمائها، وهذه المدحلة الحجرية خير شاهدة على ذلك.

رفعتْ أميّ رأسها؛ لأتلقى جواباً قاسياً من نظرات عينيها الثاقبتين؛ فأكتم غيظي بمرارة، حينها توجهت نحوي، تاركةً المجرفة مكانها، لتجلس على عتبة الدار، وتسرّح بنظرها نحو شجرة الزيتون التي غرستها مع والدي؛ حين عمّرا منزلنا هذا، وبدأت بسرد بعض من ذكرياتنا دون أن تحيد بنظرها عن الشجرة، قائلة:

– عندما كنتم صغاراً، وفي أيام الصيف الطويلة كنتم تعيثون في ساحة هذا الدار الشاسعة خراباً, مخلفين فوضى عارمة بألعابكم؛ فتنتشر قهقهاتكم في أرجائها، بينما كنا نلوذ إلى سطح الدار ليلاً؛ نستجدي نسمات الهواء العليلة؛ والتي كانت تجعلنا نتنعم بتناول وجبة العشاء في جوّ حميمي تحت ضوء القمر، لنذهب بعدها بغفوة مع أمانينا, أما الآن فلم يبق لي سوى قلب يحمل روح والدكم الذي عقدت العهد معه أن نبني منزلنا؛ ليسعكم، ويصير بكم عالماً كبيراً، ورسمنا ملامح غدٍ منجبلٍ بآثار يدينا على ترابه، حتى بدأتم تضيّقون مساحته برحيل واحدكم تلو الآخر، وتركتم لي صوراً تحتضنها جدران غرفتي؛ لأتحاور معكم كل يوم من خلالها، وأرسل مع الخيوط الأولى من الفجر دعواتي لكم بالتوفيق والسلامة.

ليلة البارحة وكالعادة، حدثني أخوك الشهيد، من خلال صورته، ليؤكد لي عودته ذات يوم، فأضمّ صورته بين دموع واحتضان، وأشدها إلى صدري.

حينها تهدّجتْ أنفاسها، كاد قلبي معها يخرج من مكانه، فانهلّتْ دموعي رغماً عني:

– أما أختك التي أجبرتها ظروف الحياة المريرة على الاغتراب منذ سنوات، فقد أوصتني بابتسامتها المشرقة التي كانت تعلو وجهها أن أعدّ لها وجبتها المفضلة؛ فزيارتها باتت قريبة.

إثر حديثها المقتضب ذاك، شعرتُ باختناق دموعي في محاجرها، لأنها لم تفسح لي المجال بأن أعيد طلبي لتعيش معنا، مستسلمة لقرارها المصيري، بينما كانت مسترسلة نجواها بشهقات موجعة:

– إضافة إلى كل هذا، إنْ رحلتُ معك سيموت العهد الذي قطعته لوالدك ذات يوم بأن يبقى هذا المنزل عشّا لنا ما حييت، وسينشطر قلبي نصفين، نصف هنا، والآخر يظل تائهاً في دروب الغربة؛ يبحث عن سبيل للعودة؛ ليلتئم شملهما معاً. 

 فجأة تذكرتُ ذلك الصندوق الخشبي الذي لطالما بقي شكله الغريب وحجمه المتوسط ولونه البني الضارب للسواد، وزخارفه المحفورة بدقة متناهية، يشدني نحوه بلا هوادة، لأبقى أياماً ولياليَ أطلب من أمي أن تسمح لي بفتحه، لكن دون جدوى، بقيت هذه الأمنية معي حتى كبرت، وكلما أسألها عنها، كانت إجابتها هي ذاتها:

– سيكون لك ذات يوم، فلا تستعجلي، ولا تفتحيه إلا عند المشورة والضرورة القصوى.

في تلك الليلة الماطرة، خطوتُ نحو الصندوق في ذلك الركن المظلم، دون أن تعلم أمي بذلك، دنوتُ منه مترددة، وبأناملٍ صامتة فتحتُ قفل الصندوق، ورفعته، همستُ له عما يعتصر في قلبي، مناجية إياه بحزن شديد، وأخذت أبكي بمرارة، ثم أغلقته، بعد أن أفرغتُ ما في داخلي من هواجس، كانت حبيسة لسنوات وسنوات، وما بين كل تنهيدة وأخرى، كنت أسترقُ النظر إلى صورة أخي الشهيد، وأبكي، أغلقتُ الصندوق مرة أخرى، وتراجعتُ إلى فراشي، الذي يحتضن حزني مع أولادي الصغار، أنتظر طلوع الفجر بفارغ الصبر.

كان الصباح ضبابياً، فتحتُ عيني على نداء أمي؛ وقد جلست بجانب رأسي، رفعت رأسي لأجدها؛ وقد حزمت أمتعتها القليلة؛ والابتسامة تغلف وجهها الجميل، قالت لي بصوتها المبحوح المختلط بالدموع:

– هيا لنستعجل الرحيل، فلقد زارني أخوك الشهيد البارحة في منامي، وقد نصحني بالعيش معك، في المدينة، حتى ينقضي الشتاء.

 

Hits: 16