شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قلب لا يعرف اليأس- مرام عبد الغني

1٬324

في ركن من أركان هذه الدنيا، اتخذت “حياة” زاوية لتجلس وترتاح فيها، وعندما فكّرت أن تخطو أولى خطواتها، حاصرتها كم من المشاعر الغليظة البائدة، وكم من الخوف سيطّر عليها، وبدأت معركة الانتصار للأقوى تحوم في الآفاق.

ما بين انهيار صفحات الماضي، وبين قهر الحاضر، وبين صعقات المستقبل الهادرة، انصاعت للاختيار، وقررت بكل عزم القضاء على كل ما فات، وقررت المجازفة بالحاضر والمستقبل، وفي قلبها تعلم بأنها وردة وكل ما يحيط بها أشواك وأن حظها العاثر جعلها هكذا، وبالرغم من ذلك إلا أنها أدركت أن ما يحجب نور الشمس جبالها وإن سارت خلفها عرفت نورها، فسارت إلى حاضرها بكل عزم وثقة، إلا أن داست أقدامها على شوكتها التي كان لها الأثر الكبير في النزف الشديد، وما كاد يلتئم حتى عاودها هجوم الأفكار من جديد (خطوة للوراء تقتلني، وللأمام تأسرني، وما بين الطريقين جهل لا أكاد أبصره)، وبعد صراع طويل قررت المتابعة والانتصار وسارت حتى دخلت إلى عالم من الضياع أسّرها جمال الطبيعة فيه فاختارته عن عبور النهر، وصعود الجبال، وتابعت الدخول إلى ذلك العالم الذي صوّر لها أن الحياة جميلة لا غبار عليها، وأن روعة المبسم ستظل حاضرة للأبد،  فسارت والدم ينزف من قدميها واختارت المضي نحو الخطر بقلب قوي وبينها وبين قرارة نفسها تُدرك أن المصاعب لا بدّ وأن ترافقها فهي معتادة على ذلك، لكنها تمنت البعد كل البعد عن كل ما قد يؤذيها.

وبينما أخذت تمشي الهوينى من جرحها النازف وإذ بصوت مخيف يرتفع شيئاً فشيئاً يكاد يقترب منها، فنظرت لتعرف ماهية ذاك الصوت، فإذ بسيل جارف يتجه نحوها، فأخذت قدماها الجري نحو أعلى مكان قبل أن يُدرك عقلها ما الذي يحصل تجنباً لخطره فحمدت ربها كثيراً عندما رأت السيل أخذ مجرىً مختلفاً عنها، وبعدما انحسر السيل قررت النزول وهي تفكر “ماذا كنت لأفعل لو استغرقت بالتفكير لكنت الآن في عداد الموتى، لكن لا بأس قد شاء القدر ونفذت منها”.

وتابعت مسيرها وهي ترمق الأشجار بتتبع وهي خائفة مما هو قادم وبينما هي غارقة في التفكير رأت عجوزاً يقف عند صخرة وأخذت يداه تكتب كل ما جال في خاطره فاقتربت صوبه لترى ما كُتِبَ فوجدت هذه العبارة “الحياة رحلة قد تطول وقد تقصر، فعلينا عبور جسر الأمان بحسن الأعمال” وسمعت تنهيداته.

فاعتذرت مقاطعة خلوته مع نفسه.

لكنه أجاب: لا عليك يا ابنتي فلقد اعتدت على ذلك، فالحياة أشاحت وجهها عني والعالم نفر مني، فبتُّ في عزلتي أعدُّ أيام القهر وساعات الصبر وتنهيدات قلبي ورجائي لربِّ عظيم أغناني عن البشر وأيقظ قلبي وملأه بالأمل ودثره بالعطاء والكرم، فأعتذر يا ابنتي لكنني منذ زمن طويل لم أحادث أحداً وبات لساني يُثرثر بكل ما  يختلجه صدري من سنين فسامحيني.

حياة: لا عليك يا سيدي، لكن أخبرني ما الذي أوصلك إلى هذا؟ واعذرني على فضولي.

العجوز: كنت شاباً يافعاً تُرفعُ له القبعات، كان لي شأناً عظيماً عند الجميع، طيراً في كل يوم أحطُّ في بلد، أسعى جاهداً للاستمتاع في حياتي، لا أبخل على أحد وأسند الجميع، وشاءت الأقدار وتبدلت الأحوال فخسرت جُلّ ثروتي في تجارة خاسرة، وما تبقى منها  بقيت اتكئ عليه حتى أسند نفسي إلى أن أجد ما يُعوِّض خسارتي لكنني للأسف لم أجد البديل وعلى العكس خسرتها كلها، والحمد لله على خسارتي.

فقاطعته على عجل.

حياة: أرجوك أخبرني لماذا تحمد الله ولم تطلب العوض منه.

العجوز: يا ابنتي أمامك طريق طويل لتفهمي، فلربما خسرتُ تجارتي مع البشر لكنني ربحت تجارتي مع الله، فالله كشف لي سبب قرب الناس مني وحبهم لي والسعي الدؤوب لطلب ما يرضيني، كان كل ذلك في سبيل  أموالي، وحينما خسرتها طرقت أبواب الجميع فأُوصِدت في وجهي، إلا باب الله كان مفتوحاً؛ رغم انشغالي بترهات الدنيا، ونسيان العمل لآخرتي، فكنتُ أظن نفسي نسيماً عليلاً على قلوب البشر، فوجدتُ نفسي ملحاً مريراً علقماً في حياتهم، أعماني حبُّ الذات عن الحقيقة، لكني عرفتها متأخراً، فعقدت العزم على زيادة صلتي بخالقي وخسارة البشر.

حياة: أعذرني، لكن الكلام هرب مني ولا أجد سوى بضعة كلمات قد حُشرت في زوري ولا بدّ لي من البوح بها “أرجوك.. أرجوك أن تفكر، وتعلم بأن فراق البشر ليس بحياة، فلو أرادها الخالق، لجعلنا متباعدون، وجميعنا نخطئ، ولربما كنت في يوم أحدنا واستغفرت ووجدت من يغفر لك، فأنت في هذا العالم لا تفعل شيئاً سوى التعبُّد والكتابة، فأرى في كثرة الكتابة على الصخور كتاباً من الحجارة واعلم بأنك ستُسأل عن عمرك فيما أفنيته. أرجوك عُد إلى عالمك وإلى ناسك وستجد من يفهمك ومن يحبك ومن يكرهك فتلك هي الحياة”.

العجوز(متجهماً): ظننتك طفلة، لكن يبدو أني كنتُ أهوجاً كعادتي، ولربما أرسلك ربي لتُعيديني إلى صوابي ثانية، فالحمد لله وهذا دليل على حبه لي. بإذن الله سأعود. ولكن  أخبريني  إلى أين أنت ذاهبة؟

حياة: أنا ذاهبة إلى عالم قد وضعت تصميماً على رؤيته مع أني أخشى المخاطر، لكني سأغامر، فأنا تعلمت منك بأن باب الله لن يُغلق في وجهي، وهذا كافٍ ليُشعرني بالأمان.

العجوز: كم أنت رائعة، فإني والله لأرى النصر في عينيك، لكن قبل أن تغادري اعلمي بأن طريقك مليء بالمصاعب وشائك، وأن عليك الصبر والمحاولة، فالله وحده القادر على كل شيء، ولا تترددي في فعل الصواب، ولا تيأسي، وسأدعو الله بأن يُنير دربك ويُبعد الأذى عنك.

حياة: أشكرك من كل قلبي، فأنت لا تعلم حاجتي لهذه الدعوة.

وغادرت وهي تُعيد على مسامعها لحن كلامه، ففيها من الأثر ما يجعلها تسير بتصميم وعزم، فقطعت مسافات طويلة، إلى أن أدركها التعب والجوع وبات صوت بطنها يضجُّ بالمكان، فأخذت تبحث عن أي شيء تأكله، وعادت من جديد لتبحث ولم تكن لتجد شيئاً، فخطر في ذهنها تسلق شجرة عالية؛ لاستكشاف المكان، فصعدت ورأت على بُعد مسافة لا بأس بها غابة مليئة بالفواكه، فحددت المكان ورصدت المسافة تقريباً، وهبطت وأخذت تُسرع خُطاها لتُسكت جوعها، إلى أن وصلت المكان وما أن وصلته حتى دخلت لتقطف كل ما تشتهي عيناها، وبعد أن تناولت ما يسدُّ رمقها تناولت حقيبتها لتُخزن شيئاً تأكله فيما بعد، فهي لا تعرف كم ستستغرق رحلتها، وإن كانت ستجد شيئاً لتأكله ثانية أم لا، وبعدها قامت بربط ما جمعت، وهاجمها النوم على حين غفلة دون الإعلان عن نوبة النعاس وغرقت في نوم عميق، حتى استيقظت على صوت تغريد العصافير، واسستبشرت خيراً، وتابعت خُطاها إلى أن وصلت إلى طريق متشقق فيه الكثير من الصدوع وفيه شق كبير يفصل بينها وبين القسم الآخر من الغابة، ففكّرت في كيفية تجاوزه، حاولت مراراً إيجاد طريقة ما، فأخذت تجمع أخشاباً لكنها لم تكن لتصل الى الجانب الآخر، فكّرت في ربط الأخشاب ببعضها وبدأت بالمحاولة المريرة؛ نظراً لنحول جسدها وكبر الأخشاب؛ إلا أنها نجحت بعد عناء طويل وقطعت الطريق وهي تُفكر في قول العجوز “لا تترددي”،  وكأن ذاك العجوز يعلم ما ستمرُّ فيه، هذا ما اعتقدته في لحظة ما، لكنها تعود وتراها مجرد ترهات أفكار، وعندما أمعنت النظر كانت قد قطعت طريقها فوق الجسر الذي صنعته.

وحينما وصلت إلى الطرف الآخر سيطّر عليها الخوف حينما رأت عشباً طويلاً يُغطي المكان، وبدأت تسير على رؤوس أقدامها لتخطّيه، إذ لم يكن هناك طريق آخر، فسارت على العشب حتى صاحت من الألم، فتجدد نزفها القديم مرة أخرى؛ حينما داست قدماها على الأشواك، وبدأت بالبكاء، فالألم لا يُحتمل، ولكنها تذّكرت قول العجوز ثانية “الصبر الصبر” فحمدت الله، وأسندت نفسها بأعواد من العشب جعلت منها عكازاً حتى تجاوزته، توقفت بُرهة تبحث عن ورقة عشبية تُضمّد بها جراحها وتُوقف نزيفها حتى وجدتها، وربطتها على أقدامها، ولم تعُد تشعر سوى بالتحدي والاستمرار لرؤية النور، ولو كان في ذلك قتلها.

فاستمرت بالسير قبل حلول الظلام إلى أن أرهقها التعب، وفتحت لترى ما جمعته من فواكه وتتناوله وهذا ما فعلت، وقررت أن تغفو قليلاً لتستطيع  المتابعة، ولكن من شدة تعبها غرقت في نوم طويل، وما أن استيقظت حتى وجدت ظلاماً حالكاً يملأ المكان، وأخذ يُساورها الشك أن الشجر وحوش ستقتلها، وبدأت الأصوات المختلفة ترتفع في الأرجاء، فتنشر الرعب في قلبها، فصاحت من الخوف، وحاولت الوقوف، لكن قدماها لم تحملها، فبدأت بالصراخ والبكاء ولم يكن هناك مجيب لصدى صوتها، لكنها تذّكرت قول العجوز “الصبر الصبر”، واللجوء إلى رب العباد؛ فبابه لا يُقفل، ونهضت متحدية كل ما يُحيط بها، وجميع مخاطر الغابة فلم تهب شيئاً، حتى أنها شعرت بهالة تُحيط بها تحميها، تُنير دربها فسارت حتى نهايتها، ولم تشعر بمضي الوقت إلا وقد طلع الفجر، وزالت مخاوفها وتابعت الطريق إلى ما وراء الجبال بكل عزم، وفي طريق مسيرها رأت أفعى كبيرة تُغلق الطريق أمامها، وعن يمينها منحدر حاد، وعن يسارها كهف، فنزلت الأفكار كالصاعقة على رأسها (عودتها للوراء تعني خسارتها كل ما مضى وعودتها لخوف قد يوقف نبضها ويقتلها، ومتابعتها قد يعني موتها وعن يمينها منحدر حاد، فسيطّر عليها الخوف الشديد وجلست في أرضها لا تعرف ماذا تفعل)، فنظرت إلى الكهف قائلة “مع أني أهاب الظلام والخوف من المجهول، لكني سأغامر”.

فأسرعت إلى الكهف وقلبها يرتعش، وما أن دخلت حتى كادت لا ترى شيئاً، فدُجى الليالي أخف حدة من ظلام الكهف ومشت مسرعة خشية زحف الأفعى خلفها، وما أن ابتعدت عن الباب قليلاً، وإذ بسرب من الخفافيش يهاجمها، فأخذت بالهرب للداخل بعيداً عن الخفافيش؛ ولكنها شعرت بآلام في مختلف أنحاء جسدها بعد هربها من الخفافيش وذلك نتيجة دفاعها عن نفسها فآذت يديها وأقدامها وسقوطها مراراً وهي تُحاول الهرب، ومع ذلك صممت على المتابعة إلى أن سمعت صوت خرير ماء، فعرفت أن هناك مخرج قريب، وشعرت باقتراب النور، واستمرت حتى وصلت إلى الماء، ورأت جمال الأسماك الملونة وهي تقفز في البركة، وجلست برهة لترتاح ثم تابعت المسير إلى نقطة الضوء التي تزداد كلما اقتربت نحوها، وحينما وصلت فرحت لرؤية النور الذي لطالما سعت لرؤيته،  فاقتربت من الباب وصُدمت لهول المفاجأة عندما رأت باب الكهف في أعلى قمة من الجبل ولا مخرج له سوى منحدر مخيف، النظر إليه يقتل، فنظرت إلى حالها وأخذت بالبكاء والضحك في آن واحد، ورغم ذلك قررت المضي في مسيرتها دون الالتفات للصعوبات التي تمر بها، عازمة على الوصول إلى الهدف الذي حددتها لنفسها.