شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

مقتطفات من مسيرة الحركة الكردية في سوريا_ حسين أحمد

514

بدأت الحركة الكردية في سوريا بجمعية خويبون القومية التي تأسست على مرحلتين في القامشلي وصوفر بلبنان عام 1927، بمبادرة من شخصيات اجتماعية متشربة بفكر قومي كردي، يتسم بالشجاعة والإقدام في مواجهات وحروب خلال مقاومة السلطة التركية الكمالية، والتي لم يدون المؤرخون إلا جزءاً قليلاً منها, انتهى المطاف ببعض هؤلاء إلى سوريا، هرباً من ظلم الأتراك.
قامت شخصيات في جمعية خويبون بأدوار مشهودة لهم، إذ تصدت لموجة التعريب في كردستان سوريا، وقاموا ببث الروح والوعي القومي الكردي في الشعب ضمن مناطقهم الأصلية التي ظلت ضمن حدود الدولة التركية، للمطالبة بحقوقهم القومية منذ عام 1926 (عهد الانتداب، وما بعد الاستقلال) حيث برز من هذه الشخصيات الراحل “حاجو آغا” في منطقة الجزيرة السورية، كزعيم قبلي متنور جمع حوله عدداً من مستشارين وخبراء في شؤون السياسة، وكسب تأييد أبناء منطقة الجزيرة لخوض نضال قومي كردي، ولعب دوراً لافتاً في الحوار مع سلطات الانتداب الفرنسي في الجزيرة ودمشق، ولم تخل المحاولات من التصادم خلال مسيرة المطالبة بالاستقلال.
في الملف الكردي في سوريا عناصر قد يكون خافياً على غير الملمين به. فقد قامت سلطات الانتداب الفرنسي بنفي شخصيات كردية ذات تأثير سياسي واجتماعي إلى مدن الداخل السوري أو خارج سوريا، مثل أوصمان صبري (آبو)، حاجو آغا، والأخوين مصطفى وبوظان شاهين أغا، قدور بك، رسول آغا وأخاه عكيد .تم نفي عثمان صبري إلى مدينة الرقة السورية، ومرة أخرى إلى جزيرة مدغشقر، نزولاً عند رغبة تركيا في سياق صفقات متبادلة بين تركيا وسلطات الانتداب على طرفي الحدود المصطنعة بموجب “سايكس بيكو”.

الحياة السياسية الكردية بعد استقلال سوريا

وإثر استقلال سوريا عام 1946 سادت الديمقراطية في الحياة السياسية نسبياً، إذ لم يكن هناك تمييز قومي واسع تجاه الكرد، فانخرط الكرد في العملية السياسية وساهموا في صناعة الأحداث السياسية، وكان هناك تنافس بين الأحزاب لاستقطاب الكرد، كالحزب الشيوعي السوري والحزب العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي وجماعة الإخوان المسلمين. وكان للحزب الشيوعي الحصة الأكبر بين الجماهير الكردية، لتوافق الشعارات الطبقية ومواقفها الأممية مع رغبة الشعوب في نيل حقوقها القومية. وكان لهذه الأجواء دور ودافع سياسي لتشكيل تنظيمات سياسية خاصة بهم في البلاد، ففي شهر آب من عام /1952/ تم تشكيل تنظيم باسم (جمعية وحدة الشباب الديمقراطيين الكرد) أسسها ( محمد ملا أحمد وعبد العزيز علي العبدي) واستمر نشاطها حتى عام /1958/، حيث اندمجت في الحزب الجديد الوليد – الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا (البارتي).
بعد فشل انتفاضة البارزاني في /1943- 1945/ وانهيار جمهورية مهاباد الديمقراطية في إيران في كانون الأول عام /1946/ وإعدام قاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد، ولجوء الملا مصطفى البرزاني إلى الاتحاد السوفييتي في عام 1947 شعر الكرد بألم بالغ ودافع للنهوض من جديد، فاتجه المجتمع الكردي نحو نهج معاداة الرأسمالية وبرزت فيه مسألة الأرض والصراع الطبقي.
كان الحزب الشيوعي ينادي آنذاك بمبادئ الأممية والطبقية والحقوق القومية للشعوب المغلوبة على أمرها، ودعم الاتحاد السوفييتي لها. فبدا الحزب الشيوعي وكأنه يمثل أمل الكرد في مستقبل قومي, لذا انضمت إليه أعداد كبيرة، ومن لم ينضم إليه، كان مؤيداً ومؤازراً. لكنهم سرعان ما انفضوا عنه، فقد تبددت أحلام الجماهير الكردية التي ربطتها بنشاط هذا الحزب وشعاراته, ونشأ خلاف بين أعضاء كرد بارزون في فرع الجزيرة للحزب الشيوعي ومنهم الشاعر جكرخوين ومحمد فخري من جانب، وبين قيادة الحزب في الجزيرة من جانب آخر عام 1955، حين طبع الحزب جرائده باللغتين العربية والأرمنية، فطالب محمد فخري المسؤولين بأن تطبع الجريدة باللغة الكردية أيضاً أسوةً باللغتين العربية والارمنية إلا أنهم تحججوا بعدم معرفة الكتابة بالحروف اللاتينية، وعدم وجود آلات كاتبة بها. فتبرع لهم محمد فخري بالنقود لشراء الآلات إلا أن قيادة الحزب الشيوعي في الجزيرة لم تلب مطالبهم.
اشتد الخلاف، وقدم محمد فخري استقالته، وكذلك الشاعر جكرخوين، وتبعهم آخرون بالعشرات .لكنهم ظلوا في لقاء وتشاور خلال عام / 1957/ وفي عام /1958/ شكلوا حزبا باسم (آزادي) أي الحرية. ووضعوا له برنامجاً سياسياً ونظاماً داخلياً ثم دخلوا في حوار مع (البارتي) لينضموا اليه بشكل إفرادي، لا ككتلة. وهذا جعلهم يختلفون وينقسمون إلى قسمين: قسم مكون من جكرخوين ومحمد فخري قبلوا شرط البارتي للانضمام بشكل فردي، فعينت قيادة البارتي جكرخوين، في أواسط عام / 1958 / عضوا في اللجنة المركزية ومحمد فخري عضواً في اللجنة المنطقية. وقسم تخلوا عن العمل مع البارتي بسبب زيادة الضغوط عليه وتعرض أعضائه للاضطهاد. ولا زالت الأحزاب الكردية تعتبر 14 حزيران 1957هو تاريخ ميلاد أول تأسيس حزبي كردي منظم.

تأسيس أول حزب كردي

تأسس الحزب الأول باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا (البارتي)، وكان المؤسسون هم: أوصمان صبري، عبد الحميد حاج درويش، حمزة نويران، الشيخ محمد ملا عيسى ملا أحمد، رشيد حمو, محمد علي خوجة، خليل محمد وشوكت حنان، واعتبر الجميع أعضاء في اللجنة المركزية، وكان اجتماعهم الأول في 14/6/1957 (وهو التاريخ الحقيقي لتأسيس البارتي في سوريا)، وساهم جلال الطالباني بشكل كبير في تأسيسه، ولعب دور الوسيط بين البارتي وتنظيمات كردية موجودة حينها على الساحة السياسية السورية واتصل مع البكوات أعضاء قيادة خويبون أو البارتي القدامى، كما اتصل مع قيادة (جمعية الشباب الديمقراطي) وسعى لخلق أرضية لفتح حوار من أجل الوحدة بينها, وذلك بداية عام / 1958/ .
وفي هذه الفترة عرضت قيادة البارتي على الدكتور نور الدين زازا الانضمام إليها، ولكنه طلب مهلة واشترط الوحدة مع البكوات، ثم انضم بعد قرابة سنة من العرض- أي في صيف عام /1958/ وأصبح رئيسا للحزب، وأوصمان صبري سكرتيراً .
وكان برنامجهم يقوم على النضال من أجل تحرير وتوحيد كردستان، والتخلص من سيطرة الاستعمار والرجعية، والنضال من أجل الديمقراطية طريقاً إلى الحقوق القومية، والمطالبة بالدراسة باللغة الكردية في مدارس كردية، والسماح بفتح جمعيات ونواد ثقافية واجتماعية كردية، ودعم حقوق المرأة في المجتمع.
وقد تعرض الحزب لحملة اعتقالات واسعة بتاريخ 12 آب 1960. واستخدم أساليب التعذيب المختلفة بحقهم، ونذكر من القياديين المعتقلين (أوصمان صبري ورشيد حمو، نور الدين ظاظا، محمد ملا أحمد).
نشبت خلافات عديدة داخل السجن وأثناء المحاكمات، وخاصة بين أوصمان صبري ونور الدين زازا، وذلك جراء طلب نور الدين من رفاقه عدم الإفصاح عن هدف الحزب كما جاء في البرنامج السياسي، بينما رفض عثمان صبري هذا بشدة، مؤكداً الدفاع عن مبادئ الحزب وعلانيته.

الخلافات والصراعات ..عنوان لم تفارق الحركة السياسية الكردية

اشتدت الخلافات إضافة لعوامل أخرى أيديولوجية وكردستانية ( انقسام الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق)، أدت إلى أول انقسام في تاريخ الحركة الكردية عام 1965، حين انقسم الحزب إلى “يسار” بقيادة أوصمان صبري، و”يمين” بقيادة عبد الحميد حاج درويش. وجرت محاولات عديدة لإعادتهما الى حالة الوحدة، أبرزها محاولة رعاها ملا مصطفى برزاني عام 1970 (المؤتمر الوطني في ناوبردان بكردستان العراق) تمخض عن حزب جديد بعد استبعاد قيادات الحزببين، ولكن سرعان ما انهارت الوحدة بمجرد عودة القيادات المستبعدة من الطرفين إلى سوريا وإعادة تشكيل أحزابهم من جديد، فيما بقي الحزب الوليد من القيادات الجديدة كحزب ثالث وهو ما زاد الطين بلة, ومنذ ذلك الحين والانقسامات هي الصفة الأبرز لمسيرة الحركة الكردية حتى وصلت عشية انطلاق الثورة السورية 2011، إلى ما يربو عن سبعين حزباً، كلها تفرعت من الحزب الذي تأسس 1957. ومن هذا المنطلق تعتبر الأحزاب الكردية أن تاريخ 14 حزيران 1957 هو ميلاد الحركة الكردية، ويحتفل العديد من الأحزاب بذلك. وبالتأكيد ليست كل هذه الأحزاب كبيرة، ولا تخلو الساحة من انشقاقات لغايات شخصية، كما حفز الانسداد السياسي القائم في سوريا حالة الانشقاقات، ولا يخفى تدخل النظام السوري لتحفيز بعضها.
إن البحث في خفايا وسراديب الحركة الكردية في سورية تاريخياً يحتاج إلى دراسات موسعة وشاملة، كونها من أعقد القضايا لتعدد أوجهها, وتزايد أعدادها أفقياً وعامودياً بسبب الواقع الكردي الاستثنائي وهيمنة أنظمة ذات سياسات استخباراتية وما تمارسه هذه الأنظمة من سياسات التفكيك والتشتيت والسعي لعدم توحيد الخطاب الكردي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
ـ كتاب “صفحات من تاريخ حركة التحرر الوطني الكردية في سوريا “، جزأين، محمد ملا أحمد، الطبعة الأولى- سوريا/ 1991م.
ـ كتاب “الحركة الكردية في سوريا وظاهرة الانشقاقات”، علي شمدين، الطبعة الأولى- مركز “جميل روزبياني” للأبحاث التاريخية، السليمانية/ إقليم كردستان العراق/2016.