شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

هي شمس لا تنطفئ – كوثر جعفر

484

المرأة آلهة الانتظار، سيدة الصبر الأولى، حكاية المرأة مع الانتظار، حكاية ولدت بلا بداية، وليس لنهايتها ملامح، تنتظر لتكبر، لتتجمل، تنتعل الكعب العالي وتفك الضفائر، ثم تنتظر الحبيب مع كثير من الأحلام، قد يأتي وقد لا يأتي، وإن اتى قد يهديها الكثير من الخذلان، وقد يفي بالوعود، وقد يغيب وسط صمت يتركها للانتظار ثانية، فتنتظر النصيب وتتزوج ضمن صفقة زواج، وتنتظر الأمومة، وإن حظيت بها تنتظر تسعة أشهر في انتظار مولودها، ثم تنتظر المولود الثاني والثالث والرابع وربما أكثر، تنتظر الليل لتنسى أعباء النهار، ذاك الليل حكاية انتظارها له هي الحكاية الأكبر، تنتظره بلهفة، ترتمي متعبة في الفراش، تبحث عن ذاتها، تحشو وسادتها أحلاماً مستحيلة، تنتظر تلك الفتاة التي كانت هي تلك المرأة سيدة الصبر في الحرب السورية زوجاً لن يعود، تنتظر ولداً مخطوفاً، تبني بيتاً مهدماً، تنتظر دورها البعيد أمام الفرن وطابور جرات الغاز وطابور ماء الشرب، تنتظر أن يمر كل يوم من يوميات الحرب وعائلتها بخير.
في الشتاء تنتظر الدفء، وفي الصيف تنتظر البرد، أخبرتني إحداهن أنها وقفت لساعات عدة تنتظر دورها أمام الفرن ونفذ الخبز ولم تحصل على رغيف، وحتى لا يجوع أطفالها، استغلت انشغال عناصر حاجز الجيش أثناء مرورها لتسرق ربطة خبز من بين عدة ربطات من الخبز كانت موضوعة بالحاجز، لتعدو مسرعة إلى بيتها وتطعم أطفالها الجياع، أخبرتني أنها كانت سرقتها الأولى، وأضحكتني عندما قالت إنها أول مرة يستطيع الشعب ان يسرق من مسؤول، بالعادة هم يسرقوننا.
وحدثتني أخرى عن رحلتها في صعود جبل الأحلام بحثاً عن الأمان هرباً من مارد الخوف، كم انتظرت في العراء إلى أن حظيت بخيمة،، خيمتها التي مع أول عاصفة ماطرة تمزق سقفها وأطرافها، بادت تخيط سقف الخيام جيداً، ولكن لا تعرف كيف تخيط الشتات، وتجمع شمل أبناء بلدها، قالت أنها تحاول أن تخيط أرض بلدها المسلوبة وتجمعها في نسيج واحد.
وأخرى أخبرتني عندما تسلل الإرهابيون إلى قريتهم، كيف كان عليها مجبرةً أن تهرب من السبي، وتترك ولدها جريحاً خلفها. وحدثتني تلك الحامل بمولودها الأول كيف تركت بيتها ومهد ابنها المزين وهربت، وكيف ولدته في رحلة الشتات في العراء. وأخرى أضاعت عائلتها في فوضى الحرب والهروب من الموت، لتبحث عنهم وتنتظر اللقاء. وتلك التي دفنت عائلتها كاملة وابتلعت الصدمة رشدها، راحت تنادي عليهم وترفض موتهم وتنتظر عودتهم. وتلك امرأة تنتظر أمام البحر جثة زوج أو ولد أو حبيب وتستقبلهم إن هربوا من براثن الموت.
وحدها حقائب السفر تحكي قصص دموع الأمهات.. الحبيبات، قصص وداع ولقاء وفقدان. هي المرأة، سيدة الصبر الأولى، الحديدية الهمة، الصرخة والقوة، الدافئة الشفافة، الحياة والولادة، الأرض والخصوبة، هي كشمس لا يستطيع أحد إطفائها أبداً..