شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

1915 – قصة:بير رستم -الترجمة: زبير زينال

543

1915، مرتان متتاليان، كل مرة باسم الرحمن الرحيم. وثلاث مرات متتالية، الأولى بأسماء الكتب المقدسة الثلاثة، والثانية بأسماء الأنبياء الثلاث، والأخيرة باسم الملل. بالنتيجة كانوا خمسة. المنجل بيد الإله، وهو واقف أمام الحقل الأصفر. بكل رمية يقطع خمسين رأساً دفعة واحدة، وتتلطخ الأرض بالدماء.
1915 تاريخ أسود مثل وجه الإله، عام العار في جبين القرن العشرين. الأخت الكبرى من عام 1988، حيث تم حرقنا مرتين ما بين السابعة والتاسعة تحت ظلال الثلاثة وواحد آخر. وفي اليوم الذي وقع في القرية، كان الوقت في عز الظهيرة، والكلاب لم تكن تنبح، «هذه من علامات يوم الحشر بالتأكيد».. هكذا كان كبار السن يقولون.
ستة أيام وسبع ليالي، لم يستيقظ من نومه العميق. وفي الأيام الثلاثة الأولى، لم يبق أحد من قريتنا إلا ووضع أصبعه في هذا الموضوع، ولكن بدون فائدة، فضيفنا لم يقم من نوم الخوف والقتل. وأخيراً أدلت امرأة عجوز بدلوها في هذا الأمر، وقالت: «إذا لم تجف سبع نقاط من الدم العالقة في بياض عينيه، فلن يستيقظ من النوم».
سبع: سبعة كتب، سبع طبقات من السماء، سبعة كتب من القرآن، بالإضافة الى الستة المحترقة، السلطات العثمانية كانت قد أصدرت فرمان بإبادتهم. سبعة أيام في الأسبوع، وأسبوع الموت، «وأقسم بالسبعة والسبعين إلهاً، والقطة ذو سبعة أرواح، إذا لم تجف هذه النقاط السبع، فأنه لن يستيقظ». هذا ما قالته المرأة، والكل يعلم أن كلامها من كلام الله، ومقدس.
بعد “ستة أيام وسبع ليال” يستيقظ, ليرى نفسه بين عدة رجال ونساء, ينظر حواليه, فتتساقط سبع قطرات من الدم من عينيه في وسط الغرفة, وسبعة جثث لأطفال مقطوعي الرؤوس تنبت.
في تلك الليلة يجتمع أناس كثيرون في المضافة, حتى آذان الملا وصياح الديكة, لم يستطيعوا فض الاجتماع, الطرق والممرات كانت ممتلئة, تاريخ المنطقة انهار وأصبح مثار جدل, ولكن ضيفنا لا يزال صامتاً. بعض الجالسين أرادوا التحدث معه مراراً, لكن دون جدوى. وبعد أن تأكدوا أن تجمعهم أصبحت دون فائدة, تفرقوا جماعاتٍ. كنتُ جالساً في زاوية من الغرفة, وأفكر بعين ضيفنا, كيف يبدّل لون عينه من أخضر الى أزرق إلى أسود, وبين كل عدة مرات يطيّر حماماً. في وقت الظهيرة استيقظت من النوم, لم أشاهد الضيف النائم, سألت أكثر من مرة والدتي، فكانت تجيبني أنه كان ضيفاً لدينا وذهب الى قريته.
لم يقنعني هذا الجواب, ضيف ينام ستة أيام, وفي اليوم السابع يختفي!
واحد وعشرون عاماً وضيوفنا يأتون ويذهبون وينامون لدينا, وهذا أمر اعتيادي وينسى مع الأيام, ولكن أحياناً مثل قصة الضيف الذي نزل في القرية ذات مرة واسمه “آكوب”، أخذ أهل القرية يتداولون قصة ضيفنا ونومه, وخاصةً في الوقت الذي كان أحدهم ينزل الى النبع جنوبي القرية، ويشاهد الأشجار السبعة التي زرعها بيده ذلك الضيف, “ألف رحمة على آكوب, فطوال أجيال عديدة في هذه القرية، لم يزرع أحد منا ولو شجرةً واحدة، كم نحن قومٍ جافٍ”, وكان أهل القرية يتلاومون, خاصةً عندما كانوا يجلسون تحت تلك الأشجار الظليلة التي لا يعلم أحد من أين أتى بها آكوب.
بعد كل هذه السنوات الطويلة سأنسى الكثير من ذكريات طفولتي, أحدها قصة آكوب, ولكن في يومٍ بارد عندما تلتقي سبعة أفرع يمكن حينها أن نلتقي, في ذلك الوقت أنهيت قراءة الصحيفة وحضرت الاجتماع.
في أحد أيام الشتاء وقبل أن أخرج من المنزل, رنّ جرس الهاتف, وعندما هممت بوضع سماعة الهاتف على أذني من جهة, سمعت على الفور صوت زميلتي من الطرف الآخر. لتخبرني بإيجاز وبصوت مليء بالحسرة: “أحد زملائنا الصحفيين قُتل بيد (الميت) التركي”.
تركت الهاتف بيدٍ باردة وقلبٍ حزين، ولم أستطع شرب قهوتي, أشعلت سيكارةً وتوجهت الى المزار (المقبرة) الذي سيتم فيه دفن زميلنا المقتول. وفي الطريق تلاحقت الصور والذكريات أمام عيني, وخاصة الأعمال التي كان يقوم بها لصالح الكرد, وكيف كان يعرّي أفعال وممارسات الجنرالات الترك, وعندما وصلت الى باب المزار نسيت حضور تحضيرات الدفن، وكان لابد من الاتصال مرة أخرى للسؤال عن الكنيسة التي سيخرج منها, ولهذا ارتأيت الانتظار حتى مجيئهم.
وعندما أردت الجلوس في السيارة، لمحت عجوزاً ذو سبعين عاماً، وهو يقف بجانب كل قبر، ويسقي أزهاراً فوق القبور. “إن هيئة الإنسان الشرقي بادٍ للعيان”، فعندما نظر إلي شاهدت كانت الدموع تنهمر من عينيه وكأنها “نهرين من الدم يجريان”، فجاء نحوي وفتح لي باب المزار.
– “الموت مُرٍّ, ولكن على المرء أن يتعرف عليها، كي يعلم أن هذه الحياة أشبه بالجحيم”, وبتمعّن كانت تصدر كلماته, وسألني بعد أن رآني خالي اليدين مشيراً بأصبعه على باقة من القرنفل كانت بالقرب منهما: “هل تستطيع قطف قرنفلة واحدة من هناك”.
* “أشكرك، إن خروجي السريع من المنزل والخبر الذي وصلني، جعلني أنسى قليلاً”. قلت له كي أخفف من وطأة قدومي إلى المزار دون باقة ورد.
– تكون آخر الأحزان.
* لا أعتقد.
– تعال لنذهب الى الداخل. فقتل شخص في بلد أوروبي يدعو للعجب.
* “أنت تعيش لوحدك”. هذا طبيعي جداً, ولكني أردت أن أبدأ معه بالحديث, سؤالي جعله وكأن رفاً من اللقالق طارت من عينيه, وخاصةً بعد أن علم سبب مجيئي.
ـ ها قد مضى واحد وعشرون عاماً وسبعة أشهر إلا ثلاثة أيام, وأنا أعيش لوحدي, وهذا التاريخ القصير جعلني أستنتج أن وراءه أمر عظيم.
* يبدو أنك لست سويسرياً.
ـ أنت أيضاً مثلي, وهذا لا يخفى, مهما لففنا جسمنا بفروة, بنظرة خفيفة نعرف أن ضوء الشمس يجعل نبضه يتحرك أم لا. قبل أن يقعد اتجه الى زاوية من الغرفة, وجلب كأسا ماء, وهو يقول لي “في مثل هذه الأيام ما يلزمنا حقاً أمران هما المرأة والنبيذ”، ووضع الكأس أمامي.
* “عدّ الأيام حياة مُرّةَ”, قلتها وشربة النبيذ جفّ حلقي.
ـ “عندما يكون المرء من أمةٍ تفقد بين ليلةٍ وضحاها مليون ونصف إنسان، حينها لن يكون في انتظار يوم سوى عَد مسبحة التاريخ, ولكن يبدو أن عمراً واحداً لا يكفيه لينال مراده”. كأس النبيذ يعود من شفتيه خالياً، “الإنسان الأرمني يعيش لسببٍ واحد, وهو حتى لا تجفّ ذاكرته”.
بعد فترة صمت وعدد من كؤوس النبيذ, أخرج من صندوقه فردة حذاء طفلٍ ووضعها أمامي, وقال لي “أعوامها بعدد أعوام تهجير شعب, هل تعلم أنها شاهدة على عذاب أمة، هذه الفردة حذاء لأصغر طفلٍ من أولادي, وهذه التركة من ميراثي فقط, التي بقيت من آثار عائلتي. قبل آذان ملاليهم دخلوا قريتنا وكانوا يريدون منا تركها قبل طلوع الفجر. لا أحد منا كان يعلم وجهتنا الى أين بعد إجبارنا على ترك القرية؟!, كان لديّ سبعة أولاد، والآن فردة حذاء. كنا نقول لهم: السلطان أبونا ورقبتنا جسر له, ولكن كلمتنا كانت بلا فائدة, في الطريق التقينا بعدة فرسان طلبوا مني زوجتي, وأخذوها عنوة بعد أن تركونا أيتام أنا وأولادي, وبعد عدة خطوات وبكاء زوجتي عادوا وأخذوا أولادي أيضاً الذين تركوا هذه الأحذية, يبدو كان هكذا أفضل.. لقد خففوا عني حمل القتل والدم، وأصبح صليبي خفيفاً. في الطريق شقوا بطون ستة من أولادي, ولكنهم لم يعثروا على الذهب فيها, وعندما كنت أصارحهم بوجود الذهب في بطني كانوا يضحكون ويقولون: (أنتم الأرمن أذكياء, ولا تفعل ذلك، وإذا كان هناك ذهب فسيكون في بطن هؤلاء الأولاد), وكانوا يقطعون أمعاءهم بخناجرهم وسكاكينهم, ولم أدري لماذا لم يقتلوني, ولكن عندما أخذوني معهم إلى (وان) ووضعوا القيد في معصمي, وفي الآخر علمت أننا لم نكن سوى وقود جهنمهم, وبعد واحد وعشرون عاماً وسبعة أأشهر إلا ثلاثة أيام، مَن مِنَ الشعب يعلم ما هذا؟ نعم…إنها تاريخ حذاء”.
مع البكاء والرجفة، يصل بكلامه إلى النهاية, كنت سأطلب منه أن يحطّم أبواب الينابيع والكهوف التي أغلقها بالإسمنت, ويطرد العقارب والثعابين من صدره, ولكن رؤية قطرات دم وهي تخرج واحداً تلو الآخر من الحذاء من بين أصابعه فوق صدره, جعلني أدنو منه، وأقطع المسافة بيني وبينه، لأصل إليه.
خرجت من الغرفة, حيث كان الصباح بارداً. ففي بلدٍ فيه الغم وأحذية جريحة, ماذا سيفعل إنسان ميتٍ, عارٍ، ضائعٍ, غير انتظار يومه.
واحد وعشرون عاماً قبل هذا التاريخ، كنت طفلاً، في ليلةٍ باردة، مثل يومنا هذا، كنت جالساً في زاوية، أنظر الى عين ضيفنا, قد يكون هو نفسه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نشرت القصة في مجلة “بيرس” الأدبية الفصلية الصادرة باللغة الكردية في سوريا، العدد 15- خريف 1998م.