شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

عاصفة وأحلام_ جمعة الحيدر

459

عاصفة رمليّة تتبعه كجدار متحرك، جرجرة أقدامه تكثّف الغبار خلفه وتصنع قوالب في التربة، يغذ السير في سابقة لا عهد له بمثلها، تساعده في ذلك ساقاه الطويلتان، ويده على صدره، فاغراً فاه من العطش، يلهث، أنهكه الجري، فتضعضعت حواسه.
نوبة الربو المزمن أسقطته على وجهه، بدا معفّر الرأس، وفشلت نزهة صيده البريّة، وجرت الريح على ظهره مخلّفة بعض حبات الرمل المدببة الذهبيّة عليه، وبدأت تشد شعر رأسه في اتجاهها كأوراق الشجر.
مرضعته العجوز الصماء “رابحة” تطهي طعامها للغداء، حيث يرقد أرنبٌ سمين مملح من صيد الأمس في القدر على مركبين من اللُبنِ المحروق، وأعواد القطن اليابسة في طور الاشتعال، بعد محاولات يائسة استهلكت فيها “رابحة” كثيراً من أعواد الثقاب المعطاة من الجارة الحميمة “عمشة”.
ذابح الضحايا وإمام صلاة العيد مبارك، يرفع المسحاة وبصره إلى الأرض المجدبة المقفِرة ويتمتم: (اللهم اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً)، والفلاحون في استراحة الضحى يجففون عرقهم، وينتظرون من العم “بشير” صاحب الأرض وجبة ضحاهم.
ألسنة نار القدر تتطاول، تغذّيها الرياح بمداد الأوكسجين، و”رابحة” غافية بجانب القدر وخزانة أحلامها مفتوحة لسعد المغمى عليه في الغبراء.
سأخطب له “خلود” ابنة “عمشة”، فأمّها قد حدثتني بأنها اغتسلت الأربعاء الماضي، تعانق النار طرف ثوبها البالي، وجسدها النحيل لازال بمنأى عن لسان النار النهم، وخزانة أحلامها لم تغلق بعد، (ألا تستجيب لمشورتي يا سعد؟ وتعمل لدى العم “بشير” بأجر يومك كباقي الشباب وتهجر صيد البر الزهيد، وتعد نفسك لليلة الكبرى قبل أن يشيّعك الناس في مأتمي … في عرسك سأعزم الحسودة “أم علي”، وأُثبتُ لها بأنك أحسن منــزلة من ابنها (علي) … وسأجعل دار الطين تتضوع برائحة البخور، وتأكدت من وجود صرة البخور المعقودة بثلاث عقد في ملفعها بلمسها وتحسسها جيداً.
شهوة النار تتنامى وتندلع فجأة في ثوبها، بحثت عن عصاها، ولكن نور بصرها خانها … صرخت بكل ما أوتيت من قوة، ولكن صوتها الضعيف المتهدج لا يكاد يُسمع، فصوت الريح غطّى على كل صوت، وكشيش الجلد المحترق يتصاعد بشكل جنوني مرعب وأزفت ساعة الاحتضار، ولم يبق من الجسد القعيد شيء لم تسلّط عليه النار حتى الأسنان المثمرة أحرقتها وأسقطتها، وسارت الريح بخزانة الأحلام ورائحة البخور.
هدأت الريح، فَهمّت الجارة “عمشة” بزيارة رابحة لقضاء ما تبقى من ساعة الضحى وإفراغ ما بداخلها من كمد وحرقة على حظيرة الدجاج التي هدمها الريح، والديك الأحمر والدجاجات الثلاث السود، فطرقت الباب بمؤخرة عصاها لتشنف آذان “رابحة” للصوت كالعادة، ولكن لا باب يُفتحْ ولا مجيب، ولم تيأس، فعاودت الطرق، واستخدمت في المرّة الثانية عصاها ويدها المزينة بخاتمها الفضي الكبير، ولمّا لم يرد أحد استسلمت وانتحت جانباً عند الباب في انتظار عودة “سعد” ليفتح لهما الباب … ومضت ساعتان ولم يعد “سعد”، فكررت الطرق بقرع أشد في محاولة أخيرة، وحين لم يجب لها أحد استرابت في الأمر، واستنجدت ببعض المارة ليستجلي لها الأمر، فَخُلع الباب الخشبي المهترئ، ودلفت إلى برحة المنـزل، وما أن استقر بصرها على الجسد المحروق المتورم، حتى صرخت، فارتاع من خلع الباب وعاد من حيث أتى، وعُلم بالفجيعة وبُث الخبر في القرية، وأُرسل في طلب “سعد” من البر، واختير “الشيخ مبارك”، فهو الأنسب لهذه المهمة الصعبة والأقدر عليها.
غسل “الشيخ مبارك” يديه المتربتين، ولفّ العمامة البيضاء على رأسه وسلك الطريق نحو البر الجنوبي حيث الأرانب، وحين حطت قدماه فيه بدأ في الاحتراس من أن تقع إحداهما في أحد الفخاخ أو الشراك المنصوبة ، فاعتلى ربوة وأخذ ينادي وكرر النداء : سعد… سعد، بدأ اليأس يتسرب إلى نفسه، فمدّ بصره في الأفق وقلّب عينيه في الفضاء الرحب، فتهادى بصره إلى جسد في البعيد منكفئ على وجهه، تغطي بعضه طبقة كثيفة من الرمل الذهبي، فهرول ميمماُ نحوه، فقلّبه فألفى عينيه مفتوحتين وفمه مزبد، فأزاح الرمل عن فيه ونفخ نفساً عميقاً في جوفه وضغط على صدره بكلتا يديه ولم يبد حراكاً، ووضع أذنه على موطن قلبه يتسقط بسمعه النبض من بين الضلوع، ولم يسمع شيئاً، ورفع يديه بحثاً عن بارقة أمل أخيرة، فسقطتا بتراخٍ مألوف بالنسبة له، فأغمض عينيه وحمله إلى المقبرة الوحيدة بالقرية، فحفر الفلاحون قبرين متجاورين واحداً لـ “سعد” اليتيم، والآخر لـ “رابحة” العجوز.