شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الحرب كواعظٍ يلقّن الجماهيرَ كرازة الموت_ محمد حسني عليوة – مصر

513

أعرف قيمةَ العتمة،
فهي تسمح للصوصِ بسرقةِ لحمي
تساعد في حياكةِ مقبرةٍ على مقاسِ مجرّة.
***
أورثتِ البحرَ ضبابَه الأسود
كبّدتِ العصافيرَ أعشاشها المُهجّرة
هذا ملفك الأول أيتها الحرب..
فماذا تبقى إن نزعت مسامير النعوش عن جثث العاشقين،
وصنعتِ لأرواحهم الطيبة ثقوبًا للتهوية، وأفقًا سادراً للتحليق؟!
***
أربعةُ قرون كافية
لزرع مكان كلِّ جثة خلّفتها الحربُ وردةً حمراء
مليارَ وردةٍ وأكثر
تصنعُ ظلاً يراوغ ذكريات الموت.
***
لن أمسح للسلطانِ حذاءَه الميري
لن أخلق له من هيئةِ الطين حاشيةً يعبدونه
لو اقتطع عساكره أحلامي على عروسةِ الجَلْد
لو كانت الزنازين قفصي الصدريّ
فيا صاحبي ألديك رغبة في إيقاظي إذا ما أغلقوها عليّ؟
وكتموا كلّ فوهة من جلدي تمتص بصيص الحياة.
***
أنا أزليّ يا صديقي،
إذا ما فكروا في شطب التاريخ ذاته
أنا أزليّ، لا تهُمّني الحرب
كلّ الحرب التي أرغموها المضي قدماً نحوي
صليلُ حوافرها مجوّف كقعرِ طبل
كتيبةُ المشاة أطفالٌ زرعتهم ظروفُ اليتم
في منصّاتِ التتويج بالموت
نزعوا من صدورهم دُمى اللعب
وزرعوا مكانها أحجاراً..
كتبًا إرشادية لحمل البنادق،
ورسوماتِ إطلاق الرصاص الحيّ
لا تدفعهم غير أنات الأرامل
والأطواق المكهربة في كواحلهم.
***
أنا أزليّ، لا أرتعدُ لحرب
فأعلنوا الحرب إذن على الأفق
على الأرحام التي تأكل نُطفها
على الأمهاتُ اللاتي ولدن أطفالاً
في غفلةٍ من نوافذِ الموتِ المشرعة
ويقتسمن خلفَ الأبوابِ تعاستهن برفق.
***
بعد كل حفلةِ قتلٍ
تتوزع جثثُ الموتى على عرباتِ الكارو
تشيعها أجنحةُ الريحِ إلى مثواها الأول
الحظ يحالفُ الوردة وهي تنشعُ حزناً
في أصيصٍ كسرته الحربُ على كافة النواصي
أو دميةِ طفل فضتها غريزةُ جندي أحمق
أو فكرةِ أنثى ذبحوها بسكينٍ بارد..
***
لا تتصلّب مفاصلُ الحرب من الوقوفِ طويلاً
في باحاتِ كلّ مدينةٍ خربةْ
أسفلَ الشبابيكِ التي كانت همزةَ وصلٍ لعاشقِين
لن يكون هناك مكانٌ معتمٌ لتبادل القبلات
أو لفائفُ التبغ المحشوة بالوهج
هذه الحربُ خُلقتْ لتتحدثَ في شاشةِ التلفاز كواعظٍ
يُلقّن الجماهيرَ كرازة الموت.