شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

أركيولوجيا الأنا في السّينما العربيّة. خضر حمّادي

137

 

 

 

 

 

تحتَ سقفِ وصايا مكبوتةٍ يكون الفنُّ للمجتمعِ، وليس الفنُّ للفنِّ؛ فلا قيمةَ للفنِّ إلا إذا كان خادماً للمجتمع، فالتّاريخُ يُحمِّلُ الأجيالَ اللاحقةَ عبئاً كبيراً ويضعُهم في مسؤولياتٍ تاريخيَّةٍ جمَّةٍ؛ فإمَّا أنْ تقومَ الأجيالُ بواجبها أو تنكفئَ ضمن أُطرٍ مشبوهةٍ.

على الباحثِ أنْ يناقشَ القضايا المسكوتَ عنها، ولا تغريه أشكالُ التَّبعيّةِ العمياءِ، فالسّينما العربيّةُ بمنظورها القوميِّ والوحدويِّ لم تبرأْ من الصّدأِ الفكريِّ الذي ينخرُ في سُلالَتِها المَبتُورةِ.  والسينما – بمفهومها العام- كائنٌ هجينٌ متطوّرٌ من المسرحِ الذي استعملته الحضاراتُ السّابقةُ كمنصّةٍ إعلاميّةٍ تُعلي من شأن المَلك، أو من شأن القبيلة، أو أنها تكرس الانتماء للإمبراطورية الحاكمة من خلالِ طرحِ قضايا اجتماعيّةٍ ووطنيّةٍ؛ فالتّأصيلُ والتّحديثُ في المسرح يحملُ فوضى في المصطلحات التي تدلُّنا على طرقٍ مسدودةٍ؛ والخلطُ بينَ الحداثةِ والتّجديدِ يستدعي التَّمعنَ والإمعانَ في طرح كلٍ منهما؛ فبالحداثةِ نستوردُ البضائعَ الفكريَّةَ الجاهزةَ، وبالتّجديدِ نصل إلى جذورٍ أصيلةٍ أخفاها غبارُ الزّمنِ . يقول “مايكل أنجلو”: (يتوقف الفنُّ على إزالةِ الفائضِ)(1) لأنَّ الفنّانَ يختارُ خاماتِ عملِهِ من الحياةِ ويهذّبُها لإبرازِ جوهرِها؛ فالسّينما اجتماعُ كافةِ الفنونِ في آنٍ واحدٍ؛ ولكلِّ فنٍّ تآلفٌ مع فنٍّ آخرٍ، وعلاقةُ فنِّ السّينما على ارتباطٍ وثيقٍ مع فنِّ القصّةِ، ولا يمكنُ أنْ تنفصلَ عنه؛ لكنَّ اللّغةَ السّينمائيّةَ تختلف عن لغة القصّة في كثيرٍ من النواحي؛ فللسينما آلياتٌ تتغلّب على فنونِ الاستعارةِ والمجازِ؛ فالمونتاج يحلّقُ باختزالاتٍ شاسعةٍ… تفوق المرئيَّ والمُتَخَيَّلَ، والتَّكثيفُ الدّلاليُّ يجابهُ الاستطرادَ؛ فمن الممكنِ للمخرج أنْ يرمزَ لأمواجِ البحرِ بأنَّها سيرُ عواطفِ عشَّاقٍ؛ فعنصرُ الزّمنِ الذي يجب أنْ يظهرَ لتحقيقَ الهدفَ السّينمائيِّ بالإيهامِ الهادفِ؛ ولتراسلِ الحواسِ أهمّيَّةٌ لا تقلُّ عن المونتاج، فعندما نسمعُ صوتَ المطرِ الجارفِ ونشعرُ بالبردِ من خلال رؤيتنا لصورةٍ في فيلم.

فإذا قامت السّينما وفق جدليّةٍ تاريخية متشعّبةٍ؛ فهل هي أزمةُ ثقافةٍ وجمهورٍ أم أزمةُ لغةِ تواصلٍ طارئةٍ؟

فالصُّورةُ السّينمائيّةِ ابتكارٌ حديثٌ للعقل الغربيّ وهي أمرٌ طارئٌ على الثّقافةِ العربيَّةِ؛ فإذا كان ابتكار السّينما متزامناً مع تكنولوجيا الحياةِ الأوربيَّةِ المتطورة؛ فمن المنطق أنْ تكونَ السّينما العربيّةُ قفزةً عملاقةً لا تحملُ أرضيّةً مناسبةً؛ وهذا ما يستدعي توحّداً فكريّاً عامّاً، وتكاملاً تكنولوجيَّاً، وثقافيّاً وحضاريّاً، على أن تكون السينما ملتزمةً بقضايا الجماهير لذلك يجب أنْ تحتويَ على مضمونِ التّحولات القادمة.

إنَّ السينمائيَّ – سواءً كانَ كاتباً للسيناريو أو مخرجاً – يبقى مُطالباً بالإنصاتِ لعلاماتِ الواقعِ وبرصدِ تحولاتِهِ وعلائقِهِ. فأيُّ عملٍ سينمائيٍّ يجب أنْ يحكمَهُ ثالوث (الإنتاج – التّوزيع – الاستغلال) وهذا الثّالوثُ تسيطر عليه الشّركاتُ الأمريكية والفرنسية في الوطن العربي، حيثما البعض سلكَ سلوكَ التّأميم والتّحكم في حركةِ الإنتاجِ السينمائيِّ، فكلُّ القطاعاتِ العامّةِ والخاصّةِ مرتبطةٌ بسلوكِ الدّولةِ بكلِّ آفاقِها.

فالسّينما من بينِ الوسائطِ التي يستعملُها الغربُ لاختراق العقل، والمخيّلة العربيّة؛ لأنّها تملكُ القدرةَ على التّأثير، والجذب، والتّسرب إلى منطقِ اللاوعي، وتوجيه الإنسان؛ وخصوصاً الذي لا يستطيع خلق المسافة النّقديّة الضّروريّة  بينه وبين الفيلم؛ لذلك تحولَ هذا الانتماءُ حوله إلى إنسان لا مكترث بما حوله.

فأصبحَ التّلفزيون الجهاز الأيديولوجي الذي أخذ حضور السّينما من حياة المجتمع فأصبحَ يمارسُ سياسته كمنصّةٍ مُسّلَّطةٍ على عقول الجمهور؛ كما وجدنا الشِّعرَ العربيَّ وسيلةَ إعلامٍ سياسيّةٍ اجتماعيّةٍ ثقافيّةٍ تقودُها العصبيّةُ القبليّةُ غالباً.

من الممكن اعتبارُ السّينما العربيّة لم تتجاوز النّفق الأوّل في حضورها كمؤسّسةٍ مهمّةٍ؛ فالإنسانُ العربيُّ ما يزالُ يصطدمُ بالحدود العميقةِ بينَ كلِّ فكرةٍ وأخرى تحتَ وَقْعِ صراعٍ ساخنٍ بينَ مُدرَكاتِ النَّفسِ الحسِّيَّةِ ضمنَ منطقِ صراعٍ غيرِ متكافئٍ.

فالسِّينما رهانٌ حضاريٌّ وثقافيٌّ؛ ونستطيعُ أنْ نقولَ بأنَّ السِّينما العربيَّةَ لمَّا يتمَّ تأسيسُها بعدُ على الرَّغمِ من حضور إرهاصاتٍ سينمائيّةٍ عربيّةٍ منذُ تسعينَ سنةٍ على الأقل؛ فهناك حضورٌ سينمائيٌّ ولم يُكتبْ تاريخٌ شاملٌ على وعيٍ اجتماعيٍّ، وثقافيٍّ، وسياسيٍّ يأذَنُ بدخولِ هذهِ التّقنيّةِ لصناعةِ فكرٍ بشريٍّ مأمولٍ.

كانت السّينما حاضرة كمشاهدة عروض منذ 124سنة تقريباً وكإنتاج روائي عربي منذ 90 سنة؛(2) وهذا التاريخ متقدم على الكثير من الدول والأمم الأخرى؛ وهذا الفنُّ عُرفَ بـ “الفنّ السّابع”؛ وشهدت مصر ثاني عرض سينمائي في العالم  بعد أوّل عرض سينمائي كان في باريس 28كانون الأول 1895م ، ثم انتقلت العروض إلى تونس، فسوريا، والعراق؛ ودخلَت السّينما المجتمعات النّامية في ظلّ هيمنةٍ استعماريَّةٍ بأفكارٍ مشبوهةٍ؛ فدخلت كسلعةٍ استهلاكيَّةٍ.

فأصبحَت العلاقةُ بين السّينما والمجتمع علاقةً انعكاسيّةً ارتداديَّةً؛ ولا يجبُ أنْ تستخدم السّينما لأغراضٍ سياسيّةٍ، أو لنشرِ ثقافةٍ معيّنةٍ إلا بصورة عفوية؛ وبهذا لا يمكن أنْ نقولَ إنَّ السّينما المصريّةَ تمثّلُ الشّارعَ المصريّ؛ والسّينما العربيّة تمثّل الشارع العربيّ وإنْ جاءَت باللّغة العربيّة وبممثّلين عرب إذا لم تحملْ على كاهلِها تطلعاتِ المجتمع، وتصوّر واقعَه فإنَّها لا تُعتبر سينما عربيّة، بل سينما بلغةٍ عربيّةٍ وبممثلين عرب؛ فمِن الممكن أنْ تكونَ السينما مواجهة حضاريّة، وليست للإمتاع والتسلية.

ليس من الصُّدفةِ (3) أنْ تلتقيَ مصطلحاتُ القاموسِ الفكريِّ أو الفلسفيّ بشكلٍ جوهريّ مع قاموسِ التَّخيل، وقاموس السّينما فكلماتٌ مثل (رؤية، تصور، نظرية، منظور، زاوية النظر…) يَصعُبُ إقصاؤُها عن اللّغةِ السّينمائيّةِ حيثُ أصبحَ التّفكيرُ مُصاحِباً للنظرِ بل للرؤيا أيضاً. وهذا لا يعني أنَّ السينمائيّ يجبُ عليه أنْ يكونَ فيلسوفاً، بل إنَّه يحتاجُ إلى تكشُّفِ اللّحظةِ التَّاريخيّةِ والاجتماعيَّةِ كنظامٍ رمزيٍّ ودلاليِّ؛ فمن الممكن أنْ يثيرَ تساؤلاتٍ تشغلُ المتلقّي. فعلينا رصدُ الأنظمةِ الرّمزيّةِ المتحكّمةِ بعوامل الإبداع؛ فمن الإجحاف أنْ تنظرَ إلى السّينما على أنّها ظاهرةٌ ترفيهيّةٌ غايتُها الإمتاع والمؤانسة، بل هي الرّسالةُ التي تحملُ قضايا فكريّةً، واجتماعيّةً، وسياسيّةً، وتاريخيّةً جديرة بتأمّلٍ جديدٍ في الحياة، ووطن ما.

إذا تأمّلنا الفنونَ جميعَها نجد أنّها تصل إلى مدركاتِ العقل عبرَ وسائلٍ صوتيّةٍ، أو بصريّةٍ؛ السّينما تعتمد على الصّورةِ، والكلامِ؛ وغالباً ما تختزلُ الصورةُ كلَّ الكلامِ؛ فيكونُ الصمتُ أبلغَ من أيّ كلامٍ يقولُهُ الممثلُ. يَعتبرُ “عبد الرزاق زاهر” بأنَّ السّينما لها شكلٌ سرديٌّ مختلفٌ عن الفنون الأخرى؛ وعالم اللسانيات (فرديناند دوسوسير) يجد أنَّ اللسانَ يتألّفُ من تبايناتٍ وتوافقاتٍ؛ فمن وجهةِ نظرِهِ تقوم آليةُ التبايناتِ، والتوافقاتِ بتحديد البُنيةِ الدّاخليّةِ للغةِ السّينمائيّةِ التي يحدّدُ شكلَها الكاتبُ، والمخرجُ بما يتوافقُ مع الجمهور من خلال تكرارِ العناصرِ، وتغييرِ أشكالها لبناء نظامٍ لغويٍّ مناسبٍ؛ حيثُ يتمُّ نسج علاقاتِ صوتيّةٍ صوريّةٍ موسيقيّةٍ ما (4)؛ لكنّها تعبّرُ عن المشاعر بأسلوبٍ مادّيٍّ حركيٍّ نحو أُفقٍ هابطٍ من المُثل الكامنةِ؛ يقول هيغل: ( فنُّ العَمارةِ هو في الأصل موسيقا… لكنّها تجسّدَتْ على شكلِ بناءٍ) وهكذا تحويل اللامرئي إلى جانبٍ مرئيٍّ متاحٌ في السّينما وإنْ كانَ مِن ضمنِ نطاقِ الخدعِ السّينمائيّةِ.

فمحاورُ السّينما تتراوحُ بينَها القضايا الاقتصاديّةِ، والاجتماعيَّةِ، والسّياسيّةِ، والثّقافيّةِ؛ والإيديولوجيّةِ أيضاً. فتَحْتَ واقعٍ لا متكافئٍ تنبعثُ أطرٌ سينمائيّةٌ خجولةٌ؛ وإنْ كانَت تتّشحُ بالتّخييلِ، والرّمزِ، والخيالِ محاولةً الوصول إلى العمقِ التّاريخيِّ لكلِّ مضمونٍ مطروحٍ؛ فإنْ كانَت السّينما قد خضعَت لقوانين السّوق التجاريّ فإنّها تتّصل بأصولٍ ثقافيّةٍ، وفكريّةٍ، وحضاريّةٍ، وإنسانيّةٍ عامة.

والصّورةُ في السّينما كلامٌ لا يخضعُ للمنهج اللّسانيِّ، بل هي حالةٌ من نكوصِ التّعبيرِ في الذّات؛ فعندما تتجاوزُ الصّورةُ اللُّغةَ يكون المعنى مفتوحاً لآفاقٍ شتّى؛ فالصّورةُ خزّانٌ من المعاني المكثّفة ضمنَ سياقِها التّواصليّ البعيدِ عن الصّرامةِ في التّعبيرِ المعقّد؛ والصّورةُ السينمائيّةُ بتكوينِها المتحرِّكِ تتجاوزُ الصّورةَ الثّابتةَ التي تدلُّ على الماضي؛ فإنَّ الصّورةَ الثّابتةَ تثيرُ التّخييلَ، والتّأملَ؛ أمّا الصّورةُ السّينمائيّةُ لا تسمحُ بالتّأملِ لأنّ الفيلم صورٌ مسترسلةٌ منزاحةٌ، ومتسلسلةٌ فبمجرد ما أغمض عينيّ يتغيرُ العالَمُ البصريُّ التّخيليّ أمامي؛ فالسّينما عندَما تكشفُ 24 صورة في الثّانية فإنها تصوغُ أكثر من 24 حقيقة في نفس الفترة الزّمنية ؛ فأسلوب الخِطاب مهما كان نوعُه يرتكزُ على شيئين هما الجانب الدّلاليّ، والجانب الجماليّ؛ فالصّورةُ أداةُ تعبيرٍ أساسيّةٍ تَمخُرُ في عبابِ الفيلم ببساطتِها وبعمقِها؛ وبهذا نقول: إنَّ السّينما تعتمدُ على نظام صورٍ مكثّفٍ يتجاوز آلياتِ المسرح البدائيِ؛ وهذه الآليّةُ يتجاوز الفيلم بها أبعاداً لنْ تصلَ إليها المسرحيّةُ.

تحتَ سقفٍ واطئٍ من الموضوعيّةِ الخجولةِ يستحيلُ على أيِّ عملٍ فنّيٍّ محايدٍ أنْ يكونَ معزولاً عن مفاهيمَ مسبقةِ الصّنعِ؛ فحروفُ الكتابة يصيبُها التّنافرَ، والتّجاذبَ؛ وكذلك الصّور؛ فالسّينما العربيّةُ كانت ذات نزعةٍ نستطيعُ أنْ نسمِّيَها نزعةً عروبيَّةً أو جغرافيّةً؛ لم تهملْ القضيّةَ الفلسطينيّةَ؛ فالسّينما الفلسطينيّةُ بانتمائِها النّضاليِّ؛ حيثُ أغفلَت عن الجغرافيِّ؛ وهي تمعنُ في التّاريخِ أيّما إمعانٍ؛ وما يقابلُها من السّينما المضادةِ عبرَ تيّاراتٍ سياسيّةٍ شتّى؛ فلا غرابةَ بأنْ نقولَ: إنَّ واقعَنا اليومَ هو عبارةٌ عن فيلم، يقوم الأبطالُ الممثّلون بأدوارٍ جميلةٍ؛ لكنَّ البطولةَ موزّعةٌ بينَ الجبابرةِ الذين يعملونَ في الخفاءِ؛ ويطغى على المشهد “فيروس كورونا” ويترقّبُ المُشاهدُ النّتيجةَ …  وهذا “صلاح الدهني” المخرج السوري الذي احتوى فيلم (الأبطال يولدون مرتين) في الإخراج، والسّيناريو، ومشاركته في التّمثيلِ؛ حيثُ يرصدُ هذا الفيلم عمليةَ الانتقال من الفِطرةِ إلى القرارِ من خلال طفلٍ اسمه “فؤاد” لم يبلغِ الحاديةَ عشرةَ سنة يكون قد فقدَ أمّهُ وأباه حيثُ كان يرتدي شماغ أبيه، ويتخيّل أنّهُ رجلٌ يستطيعُ أنْ يقومَ بما يقوم به الرّجالُ فمنحتْه ثيابُ أبيه طاقةً أسطوريّةً؛ فهو ابن مخيّمٍ فلسطينيٍّ  قربَ غزّة يُصدَمُ الطّفلُ بمشهدِ القوات الإسرائيليّةِ على المخيمِ لمداهمِته عام1967 وعبرَ المداهماتِ يفوزُ الطّفلُ بالهروبِ، ويضربُ سيّارةً بالمولوتوف بعد تخفّيه عن الأنظار؛ وتجري أحداثُ الفيلم عبر مفاهيمٍ تبني قيمَ الصّمود الفلسطينيِّ الذي جُبلَ بالفطرةِ. ومن زوايا مختلفة يظهرُ الفيلمُ الأمريكيُّ “القبعات الخُضر” عام 1968  وهو أوّلُ فيلمٍ صوّرَ الحربَ في فيتنام (5)، فيُظْهِرُ الفيلمُ الجانبَ الإنسانيَّ، حيثُ يكون العدوّ سلبيّاً جداً؛ والقوّاتُ الأمريكيَّة يصوّرُها الفيلمُ على أنّها البطل؛ فكان الفيلم خاضعاً للسياسة الأمريكيّة. ففي كثيرٍ من الأحيان لا يخلو الفيلم من الأحلام المطلقةِ، والرّغباتِ الغريزيّةِ العاتيةِ.

فإذا أردنا بأنْ نقومَ بتحليلٍ نقديٍّ حضاريٍّ للسينما العربيّةِ يخصّ المستشرقين وفقَ إقحامٍ تكنولوجيٍّ في الرّغبةِ للوصول إلى الحداثةِ (6)؛ فكيفَ يمكنُ تنسيقُ العناصرِ الجماليّةِ التي أحيَتْ كلَّ الفنونِ العربيّةِ خلال تلك القرون الماضية… فمتى يمكن أنْ تُقامَ سينما عربيّةٌ أصيلةٌ بمعزلِ عن التأثيراتِ الغربية التي جعلَتْ مئات الأفلام تقليداً أعمىً للسينما الأمريكيّة؛ بحيث تواجه المثقّفَ العربي اليومَ مشكلةٌ كبيرةٌ، تضعُه بازدواجيّةٍ ثقافيّةٍ كبيرةٍ؛ فلا يمكن له أنْ يصلَ إلى الحداثةِ إلا عن طريقِ الانصهارِ، والاندماج؛ فنجد عدداً ضئيلاً من السّينمائيين العرب الذين نجحوا في إنجاز رؤيةٍ عربيّةٍ أصيلةٍ أمثال “مؤمن السميمي” و”شادي عبد السّلام”؛ لكنّ هذه المحاولات لم تجعلْ السّينما العربيَّةَ تجسّدُ الجانبَ الاجتماعيّ بعد أنْ تأثّرَت بالغرب. فالرّأسماليّةُ منحَتْ الفنَّ السّينمائيّ أُسُسَاً صناعيّةً، وماليّةً قويّةً لكنَّ هذه الأسس لم تتوفر في معظم البلدان العربيّة؛ فمن الممكن القول بأنّ السّينما ظهرَت بظهور الأنظمةِ الرّأسماليّةِ، أمّا باقي الفنونِ كانَت موجودةً قبلَه. فأيُّ قضيّةٍ نقديّةٍ في السّينما العربيّةِ تضعُنا في إشكاليّةٍ كبيرةٍ بسببِ تنوّع المشاربِ، والأغراضِ السّينمائيّةِ. فتسميةُ “السّينما العربيّة” من الممكن أنْ تنتفخَ إلى حدودٍ بعيدةٍ على كلّ ما أنتجَته الآلةُ السّينمائيّةُ العربيّةُ من المحيط إلى الخليج؛ وقد ينكمشان انكماشاً إذا غربلْنا الإنتاجَ العربيَّ كلَّهُ، وأخرجْنا منه ما هو قابلٌ للتحليل السّينمائيِّ. وبهذا نجدُ السّينما العربيّةَ، والنّقدَ السّينمائيَّ الذي يوازيها تتحكّم فيهما صيرورةُ الواقع السّينمائيِّ بكلِّ ما يحملُه من تحوّلاتٍ هيكليَّةٍ، وتقنيّةٍ وهو يرتبطُ بكلِّ ما جرى على السّاحة العربيّةِ منذ مئة عام إلى اليوم. فيتوجّبُ على أي عملٍ سينمائيٍّ أنْ يحملَ خطاباً متعدّدَ الأُفقِ ليناسبَ الجميعَ وينتهي بنسقٍ عموديٍ يصهرُ الذّوقَ العامَّ نحو هدفٍ سامٍ؛ فهو بداخل هذه التّعدديّةِ لا يسعُه ُإلا أنْ يبحثَ عن هويةِ مشروعِهِ النّقديِّ، وعن شروطِ وجودِهِ، وعن مناخِ تفكيرِهِ في شكلِ التّعبيرِ السّينمائيِّ للوصول إلى أقصى درجاتِ التَّأثيرِ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • مانيا بيطار، القصة في السينما السورية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق2004، ص22.
  • جان الكسان، العرب…العالم…السينما، مجلة الوحدة العربية عدد37/38، تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، ص39.
  • جان الكسان، العرب…العالم…السينما، مجلة الوحدة العربية عدد37/38، تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، ص24.
  • نفس المصدر، ص48.
  • نظرة على السينما العالمية، ظافر هنري عازار، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، ص36.
  • سينما عربية، مجلة الوحدة العربية، عدد37/38، تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، ص74.