شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

السينما السياسية وخفايا الجوهر الأيديولوجي ـ نرجس اسماعيل

199

 

 

 

 

 

السينما، هذا العمل الفني والذي يتم استخدامه بكل وعي ومعرفة ليس نادراً وسهلاً وليس بسيطاً. هذا الفن الذي بدأ من شاشة ستارة في القرن التاسع عشر وصل إلى عصرنا الحالي ليكون له تأثير حقيقي على ذهنية المجتمع. في العديد من جوانب الحياة المجتمعية، تتمتع هذه الأفلام بوعي حي للأطفال والنساء والرجال والمراهقين وحتى المهنيين. عندما يكون للفيلم تأثيره على المجتمع، يمكن للمرء أن يرى بوضوح أنه يقوم أيضاً بتغييرات في أسلوبه واتجاهه كتلك الموجودة في الفيلم. إذا كان بطلاً، عالماً، عاملاً، محارباً. فالسينما هي أفلام الشاشة الكبيرة، وتأثيرها أعمق.

هناك مئات الحقائق وراء كل فيلم وثائقي أو سينمائي. يتعلق الأمر حقاً بسياسة خفاياه الأيديولوجية السرية. إذ لا يوجد فيلم سينمائي مستقل. كل فيلم هو جزء من واقع اجتماعي وينجح بالتأكيد. هناك غرض وهدف في محتوى كل مشهد من مشاهده، حتى الديكورات المستخدمة في مشاهد الفيلم، والمكان الذي سيتم اختياره ولغة الممثلين مهمة للغاية. لن يكون الفيلم نفسه فيلماً إذا لم يمتلك خلفية أيديولوجية. ولا تفاوت بين الأفلام التي لم تمتلك استراتيجية وسياسة واضحة. كل فيلم يقدم رسالة للمجتمع. حتى الأشخاص الذين يلعبون أدوارهم في الفيلم  يلعبون دوراً جديداً في المجتمع، بالمعنى الحقيقي يمثلون الكركتر الجديد داخل المجتمع. سواء كان الفيلم مصنوعاً بطريقة مادية أو تجارياً، لا تزال هناك أيديولوجيا وراءه.

يجب أن يتم الإدراك أن لكل فيلم سينمائي محتواه المخفي. لأن هذه الحقيقة لهذه الشاشة الكبيرة تعمل فقط لهذا الغرض، فإنها تدرك أيضًا رؤى ومشاعر المجتمع، وتبني ذلك المجتمع وفقًا لوعي المرء. يمكن القول أن السينما لها تأثير عميق على المجتمع. فأحياناً يتصرف المجتمع حسب سياسة الفيلم السينمائي، حتى وان كان الفيلم بعيدة عن واقعه.

السينما، التي تشبه لوحة من سياسات المشاهير، تعرف كيف تعبر عن نفسها بطرق متنوعة. لذا فإن المخرجين الذين يكتبون نصوصً الأفلام يتوقف وبشكل جدي على مسالة الحوارات والكلمات والأزياء والمشاهد والمنطقة بالذات. يتعامل مدير الأفلام أيضاً مع استراتيجية الفيلم في السر. لكل فيلم سينمائي هدف رئيسي للتأثير على المجتمع، بالطبع هذا هو السؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه. أي تأثير ؟! لا يمكننا أن نقول الأثر الإيجابي أو السلبي.  لكل فيلم  تأثيره، ولكن أي تأثير؟ هل ذاك التأثير حقيقي وبناء وخاضع لخدمة ذهنية المجتمع؟ نلاحظ كيف يعمل النظام الرأسمالي في هذه المنطقة بشكل متعمد أيديولوجياً وتاريخياً.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الحداثة الرأسمالية تنفذ جميع مجالات الحياة، والغرض الرئيسي للمجتمع وفقاً لها هو بناء نفسها وخلق شخصيات بدون معنى. فيتم تخصيص ميزانيات ضخمة لصناعة وترويج أفلام الحرب والعنف والقتل والضرب. نعم، الناس على وجه الخصوص يراقبون ويحبون ذلك، وخاصة الفئة الشابة وهذا يعني  في النهاية شخصية لا تشبع ولا يمكن أن تخدم المجتمع. بدلاً من أن يكون الشخص السياسي الشاب قادراً على بناء مجتمع قوي وحيوي وأن يكون له دور فعال، على العكس الشبيبة الموجودة تصبح بلاءً على كاهل المجتمع. حتى إنه فقير داخل الأسرة، ويفتقر إلى الشخصية والهوية، ولا يمكنه تحديد المجتمع وتسميته.

ما مدى تأثير هذه الشاشة على عقول الناس بشكل يومي؟ هذا سؤال مهم جداً. يرى بعض الناس المشهد السينمائي الصغير، ولكن يمكن لأفلام السينما أن تلعب دوراً خطيراً في حد ذاتها، كما يمكن أن يكون لها دور بناء. الأفلام التي تمثل الحزن والألم والمشقة وقصص المجتمع تؤثر عليهم منذ سنوات. لدرجة أن الكثير من البلدان مثل كندا والصين واليابان تحقق ربحاً تجارياً من هذه الأفلام. كما نرى الهند كيف تنتج كل عام الكثير من الأفلام السينمائية بوتيرة سريعة، ولها تأثير على المجتمع، ولكن لا تعطي أي فكرة جديدة.

في الواقع، يمكن للسينما السياسية التي وصلت إلى هذا المستوى أن تجعل المجتمع يتبلور، ويحبط معنوياته، وينتقص من طبيعته الاجتماعية، ويمكن أن يترك المجتمع في نهاية المطاف بدون حماية وغير قادر على الحفاظ على وجوده الحقيقي.

كل فيلم له استراتيجيته الأيديولوجية، وكذلك دوافع سياسية. وكمثال على ذلك، فيلم (القلب الشجاع) “BRAVEHEART” في عام 1995. بطله هو وليام والاس William WALS، الشخص الذي قاد المقاومة ضد الغزو البريطاني لإسكتلندا. موضحةً قسوة المجرمين، وتشرح كيف أن حكم الأقلية، أو السلطة، يمكن أن تطغى على ثقافة المجتمع، وكيف شكل بطله جيشاً من الناس البسطاء وحارب مع هذا الجيش  للوصول إلى حريتهم دون أن يتنازلوا عن إرادتهم والهدف الذي حاربوا من أجله، والسياسة التي تظهر في مشاهد كل فيلم هي عدد قليل جداً من الرسائل التي تجعل المجتمع يؤمن بأيديولوجيته ويرقى إليها.

مثال آخر، أفلام زومبي ZOMBIE[1]؟ المحتوى الأساسي لهذه الأفلام إصابة بعض الناس بمرض معدي وهم يتوحشون ويصبحون شرسين، فعندما يعدون أي إنسان آخر هو ايضاً يصبح مثلهم، لأجل التخلص من هؤلاء المصابين يجب إطلاق طلقات الرصاص على رؤوسهم أي نقطة الضعف لديهم هي الرأس. لماذا طرحنا مثال هذه الافلام؟! لأن نظام الحداثة الرأسمالية يسعى إلى تعريف جميع المجتمعات الطبيعية والحقيقية على أنها إرهابية، خاصة بمعنى أن هذه المجتمعات مصابة بهذا المرض. الحل هو تدمير تصور المجتمع، وانهاء العقل الأصلي المجتمع. تم إنتاج هذه الافلام عن عمد من قبل الشركات الأمريكية. لهذا السبب، بدلاً من بناء مجتمع ديمقراطي وعادل وحر وآمن، يتم جر ميول جميع أفراد المجتمع إلى العنف وقتل بعضهم البعض.

ونتيجة لذلك، يمكننا أن نلاحظ بسهولة، أن اطفالنا اليافعين وهم بعمر الطفولة يمسكون بأياديهم أسلحة وبنادق وسيوف وسهام وسكاكين وخشب وحديد وما إلى ذلك. حتى مربي الأسرة لا يمكنه أن يكون شخصاً قادراً على حل قضايا والمشاكل العائلية بشكل صائب، من خلال الفوضى الموجودة لا يستطيع إيصال الأجيال الى المستوى المطلوب. ولكنه في الوقت نفسه يصبح عضواً فعالاً لتلك الذهنية الحاكمة حتى إن كان بدون معرفة. يمكننا أن نشير إلى أن أفلام الزومبي تهدف الى الإبادة الجماعية والإبادة المجتمعية منبعها الحداثة الرأسمالية، ولهذا نرى أن جميع الأسلحة المحظورة تستخدم على شعوب المنطقة بدون استثناءات. وتحت شعار نحو تحقيق السلام في المنطقة يطبقون كافة الأساليب الغير الحقوقية.

حتى حين عرض الفيلم السينمائي “سيد الخواتم” (The Lord of the Ringsماذا تستهدف الحداثة الرأسمالية المركزية من خلاله! ماهي الذهنية الأساسية من سياسة هذا الفيلم؟ في الحقيقة أنها تريد طرح شخصية سارغون في الشرق الأوسط، إذ تصور شخصية سارغون الثقافة الهمجية التي تدمر الحياة وتقدم نفسها كظالم. ونتيجة لذلك، أدى تعاون أمريكا مع الكرد القتلى إلى إنهاء ثقافة سارغون. ماذا يريدون أن ينقلوا للمجتمع في هذا الفيلم؟! الكرد الميتين! ولسان حالهم: يمكننا أن نستخدمهم ويجب أن نستخدمهم، يجب أن يستخدم الكرد لورقة رابحة جديدة لكي تنجح الحداثة الرأسمالية.

نحن ندرك الآن حقيقة وجود مئات الرسائل في سياسة كل فيلم. وتأثير ذلك على المجتمعات. ولهذا فأن هناك حاجة ضرورية  لدى الجميع لتقييم السينما السياسية بشكل جيد ودقيق.

من هذا المنطلق نحتاج الى وجود السينما الواقعية التي تملك سياسة وأيديولوجية تخدم المجتمع وتطور من طبيعته وإبقاء عقل المجتمع الحر كما هو. والتجربة العريقة للسينما الكردية أيضاً لها أثرها التاريخي، ولكن أغلبية المضامين هي مأساوية وتراجيدية، وتتحدث عن شعب يملك قضية، ولكنه يفشل في الوصول الى حرية قضيته ورقي تاريخه. وملامسة الواقعية، والدمج بين أيديولوجيا حرية الشعوب سيكون أفضل بكثير من البقاء في قوقعة اسمها البحث عن الخارج للوصول إلى تاريخ أصيل. الموضوع الأساسي هو متى ما اعتمدت السينما السياسية على الحقيقة الاجتماعية، حينها سيتمكن من إحراز نجاحات تاريخية وقيمة لأجل المجتمع الإنساني. فالأفلام التي أخرجها يلماز غوناي حتى الآن لها التأثيرات القيمة. والأهم هي السينما الجبلية التي خاضت أصعب التجارب والمراحل ضمن الظروف الصعبة والتي أثبتت إن السينما السياسية المعتمدة على أيديولوجية تاريخية لها القدرة على خلق الإبداع الفني الراقي أينما تكون. ففيلم بيريتان BÊRÎTAN لاقى ترحيباً دولياً شأنها شأن الكثير من الأفلام. بيريتان تلك الملحمة الحية في ذاكرة الشعب الكردي وشعوب المنطقة، تلك البطلة الباسلة التي قاومت الخيانة بكل ما تملك حتى الرمق الاخير. الأجيال التي تتابع هذا الفيلم يتربون على تلك الروح الجريئة. من هنا نتوصل الى نتيجة، بأن السينما السياسية هي ساحة الفن الأساسية التي بمستطاعها خلق الفن المبدع والحر ودفع المجتمع نحو المبادئ الأخلاقية والسياسة والتقدم والتطور دوماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – زومبي: أو الكسول هو شخص منوم مجرد من الوعي الذاتي. وحديثاً أطلق هذا المصطلح على الموتى الأحياء والمتحولين ومصاصي الدماء في أفلام الظلام والرعب. وأول فيلم من هذا النوع هو “ليلة الموتى الأحياء” عام 1968م من إخراج “جورج روميرو” منشأ فكرة الزومبي في صناعة السينما.

 

Hits: 14