شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الفلسفة النظرية لمدرسة فرانكفورت النقدية ـ خالص مسور

234

 

 

 

 

 

بدأت هذه الحركة النقدية الاجتماعية – الفلسفية عام 1923م في معهد الأبحاث الاجتماعية في مدينة فرانكفورت بألمانيا، ومن فلاسفتها هربرت ماركيوز، وتيودور ادورنو، ويورغان هابرماس، واكسل هونيث…إلخ.  وقد انتقلت الحركة إلى جنيف عام 1933م بعد تسلم هتلر الحكم في ألمانيا، وكان معظم أعضائها من اليهود، فهربوا من محرقة النازية، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لتعود في نهاية المطاف إلى فرانكفورت مجدداً.

أهم ما يميز هذه المدرسة الفلسفية النقدية هو محاولة أقطابها نقد الحضارة الغربية وخاصة في فترة ما بعد عصر الأنوار، لإعادة النظر في بنيانها وما تمخضت عنها من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي صاحبت هذه الحضارة، كتشيؤ الإنسان (1) والاغتراب وغياب القيم والأخلاق الاجتماعية، وممارسة نقد أعمق للأسس التي قامت عليها فلسفة التنوير وامتداداتها، كالعقلانية والحرية، والتقدم العلمي والتقني، والوضعية، والعلموية، والتقنية العلموية، خاصة على يد كل من هورهايمر (1895-1973) وتيودور أدورنو (1903- 1969)، قصد الكشف عن الآليات الفكرية والسياسية التي تتحكم في هذه المجتمعات الحضارية، وتوجهها، وتخليص المجتمعات الغربية من آثارها المدمرة. وعلينا أن نشير بأن المدرسة الفرانكفورتية جاء تأسيسها كرد فعل على الأغلب على الأنظمة النازية والفاشية وحتى الاشتراكية بصيغتها المشيدة. وقد مرت على المدرسة الفرانكفورتية هذه في تاريخها ثلاثة أجيال من الفلاسفة، ويمثل الجيل الأول كل من ماكس هوركهايمر، وتيودور أدورنو، وفريدريك بولوك، وفرانز نيوما، وهربرت ماركيوز. بينما يمثل الجيل الثاني يورغان هابرماس، وكارل أوتو آبل، والبريشت فيلمر، وكلاوس أوفيه. أما الجيل الثالث، فيقتصر على فيلسوف واحد هو إكسل هونيث الذي أصبح مديراً لمعهد البحوث الاجتماعية في ألمانيا.

لقد كانت مدرسة فرانكفورت في الحقيقة وليدة سياق تاريخي بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، ويشير بوتومور إلى ذلك بقوله: لقد تواكبت وقائع مادية بعينها على التأثير في مشروع هذه المدرسة، منها اندلاع الحرب العالمية الأولى، وقيام الثورة البلشفية، وإخفاق الثورة في ألمانيا، وعدم نجاح الحركات الاشتراكية الراديكالية في أوروبا الغربية، وظهور الستالينية في الاتحاد السوفياتي، والنظم الفاشية والنازية في إيطاليا وألمانيا، وهيمنة النظم الرأسمالية وتعزيز سيطرتها الاقتصادية والأيديولوجية، خاصة بعد خروجها من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي مرت بها في الثلاثينيات من القرن العشرين. (2)

وإضافة إلى هذا فقد عمدت مدرسة فرانكفورت إلى المنهجية التي تقول بتعدد فروع العلم والمعرفة، والبحث عن معايير جديدة، والنقد الجذري من أجل تشكيل عقلاني للمجتمع؛ لهذا طرحت المدرسة قضايا عدة، أهمها النظر إلى الفلسفة الكلاسيكية مثل فلسفة كانط أو هيغل، على أنها أصبحت تقليدية ومثالية، ولم تعد قادرة على تحليل المجتمعات الرأسمالية الحديثة، ومواجهة التحديات المطروحة على المجتمعات الأوربية والغربية؛ لذلك لابد أن تحل العلوم الاجتماعية محل الفلسفة، ودعا هابرماس في نفس الوقت إلى جعل الفلسفة أكثر علمية ودقة، وأن تتخلص من طابعها التجريدي الذي يشبه الألغاز، وأن تقترب من العلوم الإنسانية والاجتماعية كعلم الأنثروبولوجيا وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس والتحليل النفسي، وهذا تحليل صائب يحظى بالحقيقة. وبهذا الشكل تسعى المدرسة الفرانكفورتية إلى إنزال الفلسفة من برجها العاجي إلى خضم الحياة الواقعية والهموم السياسية للبشر والمجتمع. (3)

لقد كان بداية مشروع النظرية النقدية مع نشأة معهد البحوث الاجتماعية الذي مارس نشاطه في ألمانيا وكان يديره كارل غرونبرغ وهو من أبرز المفكرين الماركسيين النمساويين، ثم خلفه هوركهايمر في إدارة المعهد، وكانت أفكار ماركس عن تغيير الواقع الاجتماعي الأساس في عمل مدرسة فرانكفورت النقدية لعصر التنوير الذي انحرف عن سير العقلانية التنويرية نحو ما يسميه ماركيوز بالعقلانية الأداتية (4) التي تخدم الرأسمالية والاستعمار، فجاءت المدرسة النقدية كرد فعل على انحرافات عصر التنوير هذا، وهي تهدف إلى تحرير الإنسان من الخرافة والخوف والسحر والتنجيم والمعتقدات الفاسدة والوصول به إلى ممارسة حريته، فكانت المدرسة فرانكفورتية ثورة على العقل التنويري الانحرافي، ولقطع الطريق أمام العقلانية الأداتية والتكنولوجية التي دخلت في خدمة السلطة والنخبة، فصنع الأدوات المبيدة للبشر كالقنابل الهيدروجينية، والقنابل الذرية، وأدوات وأجهزة الأعلام التي هدفت وساهمت في السيطرة على الطبيعة لصالح نخبة رأسمالية متحكمة، مما أدى إلى انهيار موقع ومكانة الفرد وظهور اللاتسامح والعلموية والتجريبية أو الوضعية الديكارتية الصارمة، واستبعاد واقصاء القيم الجمالية والأخلاقية والدينية والفلسفية.

وكان من أهداف التنوير الأخرى نقد الركائز الفكرية والأيديولوجية، والوجودية لواقع الحوادث الرأسمالية، ونبذ واستبعاد العقل الخيالي والأسطوري، وتدجين الفرد والسيطرة عليه، وخلق ما يسمى بأسطورة الاغتراب والاستهلاك، بعدما كان العقل الأداتي التكنولوجي قد نجح في السيطرة على الطبيعة وتشيؤ الإنسان وتقزيمه حسب تعبير لوكاش، فمع تشيؤ العقل تصبح العلاقات بين الناس وعلاقة الإنسان بذاته علاقات متوترة، وبهذا المعنى ارتد العقل وحطم نفسه وانتهى إلى التحول إلى الأسطورة أي اللاعقل، وهذا ما أشار إليه هوركهايمر وأدورنو بقولهما: كما أن الأساطير قد اكتملت التنوير، فإن هذا التنوير قد ارتبك أكثر فأكثر في الأساطير، حيث استقى التنوير جوهر مادته من الأساطير مع أنه كان يريد القضاء عليها، وحين مارس وظيفة الحكم ظل واقعا أسير سحرها. (5)

فالعقل الأداتي بدأ يخلق الخوف والرعب لدى الإنسان، أي تم استخدام هذا العقل من قبل المؤسسات السياسية والاقتصادية وأجهزة الرأسمالية الإيديولوجية والهيمنة بصورها المختلفة. ومن هنا يرى فلاسفة مدرسة فرانكفورت بأن التنوير انقلب إلى نقيضه تماماً، أي التحول من العقلانية والحرية إلى السيطرة على الطبيعة واستغلالها بشكل يضر بالطبيعة والناس والمجتمع. وقد رأى كل من أدورنو ويوركهايمر، أنه لا يمكن تجنب هذا الأمر الكارثي إلا بممارسة نقد عميق للمجتمعات الأوروبية، واستخدام العقل بطريقة أخرى هو نقد العقل نفسه الذي تحول إلى بنية اجتماعية للسيطرة والقمع، وإلى بناء ما هو كوني أسطوري، منسجم واستاتيكي (مستقر وثابت).

فالعقل عند هوركهايمر وأدورنو هو بالمعنى الواسع تعبير عن فكرة التقدم وهدفه تحرير الإنسان من الخوف وجعله سيداً، وهو ما يعني أن التقدم لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع إلا بالتخلي عن الخرافات والتوجه نحو التمسك المبدئي بالعقلنة. (6)

واعتماداً على هذا فقد كان المحور الأساسي للمناقشات الحادة بين أقطاب النظرية النقدية حول تفسير ماركس للعلاقة بين النظرية والممارسة، أي الوحدة بين النظرية والتطبيق. وقد تبلور هنا مفهوم جديد للنظرية باعتبارها مرشدة للعمل وتوجيه للفعل الاجتماعي. وهكذا ظهر معيار جديد للممارسة يربط الممارسة بالنظرية في وحدة ديالكتيكية، وبمعنى آخر يجب أن تطعم الممارسة بإدراك نظري دوماً ومن منطلق نقدي أيضاً، وأن تكون في الأخير هدفاً لكل فعالية ثورية. وفي هذا المجال ذهب ماركس إلى التركيز بين النظرية والتطبيق، عن طريق وعي الجماهير وتحريكهم للثورة وتحقيق دولة البروليتاريا، بمعنى أن النظرية ترشد العمل والعمل يجب أن يعي الواقع. وهكذا انطلق رواد مدرسة فرانكفورت النقدي في نقدهم الفلسفي والاجتماعي من رفضهم للنظام الاجتماعي القائم وأيديولوجيته، ولم يكتفوا بنقد الأفكار والنظريات، وانما انتقلوا من نقد الأفكار إلى نقد المجتمع ومؤسساته، وخاصة الصناعية الرأسمالية، ووسائل الاتصال التي تدعم ذلك والمجتمع الاستهلاكي الذي يقتلع الأفراد من جذورهم وجعلهم يلهثون وراء سراب المدنية الزائف.

وفي الحقيقة فقد تمثلت النظرية النقدية بعدد من المفكرين الاجتماعيين، الذين تنتمي غالبيتهم إلى اليسار الأوروبي بعامة والألماني بخاصة، الذين سبقوا غيرهم في إثارة كثير من التساؤلات المعرفية التي تدعو إلى الشك والقلق والجدل، عن طريق نقدهم الفلسفي والاجتماعي والسياسي ورفضهم للنظام الاجتماعي القائم وكذلك أيديولوجيته. ومن ناحية أخرى فقد تمثلت مدرسة فرانكفورت باتجاهات فلسفية وثقافية واجتماعية مختلفة تلتقي جميعاً في نقدها للمجتمع، تمثل بالمنهج النقدي الجدلي الذي يهدف إلى تقديم نظرية نقدية للمجتمع تستطيع الوقوف أمام فكرة التسلط والعنجهية، وتسعى إلى جعل الفكر النقدي ليبرالياً وغير ليبرالي في الوقت ذاته، ولا تنكسف من الصراع الاجتماعي الواقعي ولا تبخل عن أية مهادنة، مع أية سلطة، ما دامت تهدف إلى الاستقلالية وإلى تحقيق سلطة الانسان على حياته الذاتية، مثلما هي على الطبيعة.

وهكذا نرى كيف أن الحضارة الغربية تميزت منذ نشأتها الأولى أو لحظتها التأسيسية بفكرة السيطرة على الطبيعة والإنسان معاً. ولذا كان يرى كل من أدورنو ويوركهايمر، أن المشروع التنويري قد حاد عن تحقيق المبادئ والقيم الإنسانية  في الحرية والعقلانية، ولم يعد مؤهلاً في عصر النازية والفاشية لمجاراة الأفكار التي نادى بها فلاسفة عصر التنوير أمثال، جان جاك روسو، وون لوك، وديدرو…الخ. بينما ينصب أدورنو اهتمامه على البنية العامة للمجتمع كما يرسمها العقل التكنولوجي الأداتي، ويدعو الى نقد هذا العقل لاستخدامه كبنية اجتماعية للسيطرة والقمع. فالعقل أداة السيطرة على الطبيعة من خلال إدخالها ضمن المنظومة العقلانية.

كما ظهرت مع فلسفة التنوير ما سمي بثنائية الطبيعة والعقل، وكذلك ثنائية الذات والموضوع وظاهرة تقسيم العلوم. كما يرى أدورنو أن العقل التنويري أوصل العقل الغربي إلى حالة من اللاعقل، حينما بدأ عقلاء الحداثة الرأسمالية باستخدامه أداة في الاحتكار والقتل والتدمير في حروب متوالية في سبيل الربح الأعظمي، وهذا العقل التدميري ينحو على الدوام لإخضاع الآخر في مواجهته حتى يستقل بذاته، وهو يزداد انغلاقاً على نفسه كلما اكتسب الدقة في السيطرة على الطبيعة، لأنه يفرض نفسه على الآخر وبنفس معايير الدقة التي يفرضها على الموضوع الخارجي، وهو يحاول السيطرة على الطبيعة واستغلالها لصالح الاحتكارات البرجوازية، ومع هذا العقل أيضاً تسربت المعرفة العلمية إلى الفلسفة المعاصرة وأصبحت التقنية أو الآلية جوهر المعرفة الفلسفية.

هذا النقد الموجه للتنوير أساسه انحراف التنوير نحو تشيؤ العقل – كما قلنا – أو تحوله إلى العقلانية الأداتية الأستاتيكية (7) وعقلنة العنف الايديولوجي الرأسمالي حسب ماركيوز، ومع تشيؤ العقل تصبح العلاقات بين الناس علاقات متوترة، ويجري انفصال الذات عن الموضوع – كما قلنا – وظهور مفاهيم التسلط والسيد والمسيود، وتحول العقل إلى مجرد وسيلة وتسلية أوقات الفراغ أو أداة للتأثير الإيديولوجي على الجماهير. بينما يرى الباحث  الأمريكي (ترنت شروير)، أن النتيجة التي توصلت إليها هذه المدرسة تبدو متناقضة مع بداياتها وهو ما يعد قريبا مما اورده عالم الاجتماع الإنكليزي (توم بوتومور)، حين ذكر أنها تمثل ظاهرة مركبة جرى شرح وتفسير نمط الفكر الاجتماعي الذي ارتبط بها في المقام الأول. فيما يعتبرها (جان جراندا): آخر معقل للفن مع العالم الإنساني، يكتفي برسم اسود للتشيؤ الغربي.(8)

وعلى أية حال، فقد وجه أعضاء مدرسة فرانكفورت انتقاداتهم الحادة إلى المجتمعات المعاصرة قصد تغييره وتحريره من أسطورة العقل الأداتي الاستهلاكي الأستاتيكي الذي يستخدم المعرفة التكنولوجية لاستنزاف خيرات الطبيعة دونما مراعاة لقوانين البيئة، ولتغيير سلوكيات الناس وأمزجتهم وحياتهم الاجتماعية برمتها.. والواقع أن مفكري مدرسة فرانكفورت انتقدوا المذهب الوضعي واستخدموا في نقده بوصفه نظرية للمعرفة وفلسفة للمجتمع، مفهوماً متقلباً وتعوزه الدقة لصالح نقدهم. ولهذا نجد أن ماركيوز في كتابه (العقل والثورة)، قد ركز اهتمامه على وضعية كونت فلم يعجبه مضمونها باعتبارها مذهبا للثورة المضادة. (9)

في مقابل هذه العقلانية الأداتية الصارمة وضع مفكرو مدرسة فرانكفورت مفهوم العقلانية النقدية قصد إعطاء نفس جديد للفكر الفلسفي الغربي، وليتم إنقاذ المشروع الحضاري الغربي من الانهيار الكلي، وكانوا قد استندوا في ذلك على المفهوم الماركسي في التحديث والتغيير والتحرير، لكنهم وسعوا هذا المفهوم ليشمل ما هو أوسع من الأساس الاقتصادي وتحرير الإنسان. بينما عجز مفكرو هذه النظرية بدورهم عن الإتيان بالبديل ولم يهتدوا إلى طريق الحل  الأنسب، لهذا لجأ هوركهايمر إلى اللاهوت الديني ورأى فيه الخلاص، بينما فضل كل من ماركوز وأدورنو اللجوء إلى البعد الفني والجمالي باعتباره أفقاً يمكن أن يتحرر الإنسان من خلاله. وهنا يأتي دور أحد أقطاب الجيل الثاني في مدرسة فراكفورت وهو يورغان هابرماس الذي حاول بدوره إيجاد حل لهذه لإشكالية ليميز بين مستويين من العقلانية، الأولى هي العقلنة الأداتية التي تستند إلى معرفة تجريبية ورياضية، وتخضع إلى قوانين التقنية التي تهدف إلى التحكم والسيطرة كما ذكرها أقطاب الجيل الأول. والثانية هي ما يسميه هابرماس بالعقل التواصلي، وهو ما يعني ذلك التواصل والتفاعل الذي يحدد طبيعة العلاقات الاجتماعية والإنسانية في حقبة تاريخية بواسطة الرموز أو اللغة، والتي تخضع للمعايير التي تحدد تطلعات أفراد المجتمع، لأن العقل التواصلي هذا يهدف إلى تحقيق اتفاق مبني على قناعات متبادلة بين أفراد المجتمع، فيتحقق عندها إجماع عقلاني يمكن أن يغير مسار العقلية الأداتية.

ولا بد أن نشير من جانب آخر إلى أن رواد مدرسة فرانكفورت قد تبنوا الماركسية من حيث المبدأ وجوهر المنهج، ولكنهم لم يتقيدوا بصورتها الحرفية، ومقولاتها التقليدية، التي تركزت حول نقد الرأسمالية كنسق اقتصادي تعتمد عليه البنية الفوقية، والمنظومة الفكرية أو الأيديولوجية بمختلف جوانبها، في الوقت الذي تناول عبد الله اوجلان هذا الموضوع بكثير من الحرص والدقة والمسؤولية، مصححاً الكثير من المقولات الماركسية وجعلها قابلة للتطبيق. وفي الواقع فقد كان أصحاب النظرية النقدية ومنهم (تيودور أدورنو) الذي يستشهد به الفيلسوف الكردي عبد الله أوجلان كثيراً ويشير إلى نواقصه أيضا وفي أكثر من موضع، كانوا رواد فلسفة اجتماعية أو علم اجتماعي نقدي، توحد فيه التأمل الفلسفي النظري مع العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية التجريبية، ونظروا إلى المجتمع بوصفه كلاً  حافلا بالصراعات والتناقضات، وأسسوا فلسفة اجتماعية يركز موضوع بحثها على البشر المغتربين عن أشكال حياتهم التاريخية، في المجتمعات الرأسمالية والصناعية الشمولية التي أنتجوها كما كانوا نتاجاً لها، واغتربوا عنها كما كانت السبب في اغترابهم. (10)

ومن جهة اخرى يرى ماركيوز، أن العقلانية التقنية في المجتمعات الغربية المعاصرة تعد بمثابة مشروع كوني للسيطرة يهدد الوجود الإنساني برمته. كما كان ينتقد في الوقت نفسه بعض القيم الماركسية، إلا أنه في شبابه كان يعتقد بأن الطبقة العاملة هي المتهيئة سياسياً وعقائدياً لإحداث تغيير جذري وشامل وأنه أصر على هذا الموقف السياسي معتمداً على عناصر خارج صفوفها في المجتمع، ولهذا يقول عن لينين: إن رأيه القائل بأن الوعي الطبقي ينبغي حمله إلى العامل من الخارج، يستبقي التحويل الفعلي اللاحق للعمال من ذات إلى موضوع للعملية الثورية. (11)

بينما وفي أواخر أيامه كان ماركيوز يرى أن أي تغيير في المجتمع يتم عن طريق القوى الهامشية كالمنبوذين، والعاطلين عن العمل، والشباب والطلبة، وليس البروليتاريا الماركسية، لأنها اندمجت – على ما يبدو – بالمجتمع الرأسمالي، واكتسبت صفة التبرجز، وأصبحت عاجزة عن القيام بمهامها في التغيير والتنوير، وهو ما أيده فيه الفيلسوف الكردي عبد الله أوجلان ذاته.

وبالعودة إلى النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت نرى أنها اتخذت من نظرية النقد والنقد الذاتي هدفاً أساسياً لها في الجانب النظري والأمبريقي (التجريبي). ورغم أن مدرسة فرانكفورت لم تستطع إنجاز ثورة اجتماعية شاملة إلا أنها تعتبر أول نظرية اجتماعية- فلسفية وجهت سهامها للعقل الشمولي وتخليصه من براثن الهيمنة التي فرضتها الفلسفة وعلم الاجتماع الوضعي والأمبريقي وحولته إلى عقل أداتي في خدمة الدولة البرجوازية والأنظمة الشمولية. وقد تجاوز النقد عندها إلى جميع فروع المعرفة الإنسانية الاجتماعية والطبيعية وخاصة في الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، وحتى في الأدب والفن والموسيقى، في محاولة قدر الإمكان لتوضيح مبادئها الرئيسية والعلاقات المعقدة لأفكار رواد المدرسة النقدية الأوائل وتوضيح نتائجها على تطور التفكير الاجتماعي والحركات الاجتماعية والثقافية والسياسية في الغرب. (12)

وبمعنى آخر فقد كانت النظرية النقدية في سياقاتها الأساسية تتعامل مع الحقائق بصفتها منتجات تاريخية مبلورة للتحرك الاجتماعي، وأصبح تسليط الضوء على سياق التطبيق هو الاهتمام الأساسي لمنهج مدرسة فرانكفورت الجديدة المتعددة التخصصات، وقد دفع ذلك بدوره أعضاء المدرسة لرفض الفصل بين الحقائق والقيم، وبدأت في الوقت ذاته في تحليل الثقافة الجماهيرية والدولة والتقاليد الجنسية المتخلفة بل حتى الفلسفة فيما يتعلق بآثارها على الوعي، وسرعان ما ثبت أن القاء الضوء على الكيفية التي تؤثر بها النواتج اليومية على طابع المجتمع والاتجاهات الثقافية في فترة زمنية بعينها يمثل أهمية خاصة لأعضاء مدرسة فرانكفورت ورفاقهم. لكن يرى إكسل هونيث وهو يمثل الجيل الثالث من مدرسة فرانكفورت النقدية، أن هابرماس اختزل هنا الحياة الاجتماعية وأشكال التواصل المختلفة في البعد اللغوي فحسب أو ما يمكن أن نسميه بالتمركز حول اللغة، مما يؤدي إلى عدم إدراك أشكال الظلم والازدراء الاجتماعي. ولهذا يركز هونيث على الاعتراف كحل للمشاكل الاجتماعية الغربية، حيث يقول: (لا يمكن بأي حال من الأحوال تحقيق قيم التسامح وكرامة الإنسان وضمان حقوقه الأساسية المشروعة أخلاقياً وسياسياً وقانونياً إلا بواسطة مبدأ الاعتراف. حيث يلعب الاعتراف دوراً مركزياً في إعادة بناء شبكة العلاقات الاجتماعية والإنسانية قصد التخفيف من المعاناة والظلم الاجتماعي والسياسي واللامساواة وكل أشكال الاحتقار والأمراض الاجتماعية).

كما يؤكد هونيث، أن تحقيق الذات مرهون بتأسيس الاعتراف المتبادل بين الناس على أساس أن الآخر هو مرآة الذات، ويتم الاعتراف ضمن ثلاثة أشكال أساسية هي، الحب، والحق، والتضامن، أما الحب فهو يربط الذات بجماعة محددة وخاصة الأسرة والتي يستخدمها  للثقة بالنفس والمشاركة في الحياة العامة، أما الحق فهو وضع قانوني وسياسي بحيث يتم الاعتراف بالإنسان كذات حاملة للحقوق، وعندما يتم الاعتراف بالذات تكون محترمة من الطرف الآخر، أما التضامن فهو الصورة الأكثر اكتمالاً من العلاقة العملية مع الذات، ويأتي التضامن لتحقيق مقصد أساسي يتمثل في إقامة علاقة دائمة بين أفراد المجتمع، بحيث يعطي الانطباع للفرد بأنه يملك مزايا ومجموعة من الصفات التي تسمح له بالانسجام أو الاندماج الإيجابي مع وضعه الاجتماعي، والتضامن في المجتمعات الحديثة أصبح متوقفاً على علاقات التقدير المتماثل بين الذوات الفردية المستقلة، والتقدير يعني الاحترام المتبادل، في الوقت الذي يكون فيه الأفراد معرضين للازدراء الاجتماعي.

وفي النهاية، فقد كان المقصود من النظرية النقدية أن تكون نظرية عامة عن المجتمع، الدافع الذي يقف خلفها الرغبة في التحرر، وقد ادرك ممارسوها أن ظروفاً اجتماعية جديدة من شأنها أن تنتج أفكاراً جديدة، للتطبيق الراديكالي وتضع مشكلات جديدة في سبيله، وأن طبيعة المنهج النقدي من شأنها أن تتغير جنبا إلى جنب مع جوهر التحرر. (13)

وحتى فضاءات الشيوعية العربية السوفياتيّة يحللها هربرت ماركيوزه، ويقول أنها قمعت استيراد تيّارات يساريّة مغايرة للستالينيّة البكداشيّة. ولم تسمح تنظيمات اليسار العربي بانطلاق تيّارات ماركسيّة غير لينينيّة أو حتى لينينيّة غير ستالينيّة. أدّى هذا إلى نوع من الجمود في الفكر اليساري العربي . وفي الحقيقة يترتب على ما ذكرناه حقيقة بالغة الوضوح يتوجب أن نأخذها بعين الاعتبار وهي أن النظرية النقدية نفسها تاريخية وليست ثابتة ولا مطلقة، ومعنى هذا أنها تخضع للنقد شأنها شأن كل الظواهر التي تحركها أمواج التاريخ. (14)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمصادر:

  • التشيؤ يعني تَحوُّل العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء (علاقات آلية غير شخصية) ومعاملة الناس باعتبارها موضعاً للتبادل.
  • د. أحمد محمد علي، مدرسة فرانكفورت: أهم مدارس الفلسفة الغربية الناقدة للواقع الغربي، موقع مركز خُطوة للتوثيق والدراسات في مصر (khotwacenter.com)، 8 أيلول 2019م.
  • عبير الأطرش، فرانكفورت (مدرسة)، موقع الموسوعة العربية (arab-ency.com.sy) بتصرف.
  • العقل الأداتي في الفلسفة الاجتماعية يقصد به ذلك النمط من التفكير الذي يعرف مشكلة ما ويسعى لحلها مباشرة دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول والغايات ومِا إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان.
  • د. كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هوركهايمر الى اكسل هونيث، الدار العربية للعلوم ناشرون – دار الأمان- منشورات الاختلاف، 2010م،  ص15.
  • نفس المصدر السابق، ص17.
  • الأستاتيكية: سكون وجُمود أو عدم تطوّر، بخلاف الديناميكيَّة.
  • توم بوتومور، مدرسة فرانكفورت، الترجمة إلى العربية: سعد هجرس، دار أويا للطباعة والنشر- طرابس/ ليبيا، الطبعة الأولى 1998- الطبعة الثانية 2004م، ص14.
  • نفس المصدر السابق، ص63.
  • عبد الغفار مكاوي، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت.. تمهيد وتعقيب نقدي، حوليات كلية الآداب- مجلس النشر العلمي- جامعة الكويت، الحولية 13 لعام 1993م، ص11.
  • فيل سليتر، “مدرسة فراكفورت.. نشأتها ومغزاها – وجهة نظر ماركسية”، الترجمة إلى العربية: خليل كلفت، المجلس الأعلى للثقافة/ مصر، الطبعة الأولى/ 2000م- الطبعة الثانية/ 2004م ، ص149.
  • ابراهيم الحيدري، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، جريدة المدى، العدد 2930، تاريخ النشر: 3 تشرين الثاني 2013م، بتصرف.
  • ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية، ترجمة: سارة عادل، ترجمة سارة عادل، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، 2016م، ص32.
  • نفس المصدر السابق.

Hits: 22