شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

نكهة الروح ـ خاتون إبراهيم

116

 

روحٌ ممزقة، كأشلاء مبعثرة، وتتطاير في زوبعة الحياة، كعاصفة تجتاح جسداً رقيقاً، هزيلاً كسنبلة…

تائهة تلك الروح كطفلٍ أضاع والدته وسط زحام مدينة كبيرة، فشرع بالبكاء، دون جدوى، فتلك المدينة لن تشعر بحرقة يشعر بها ذلك الطفل في صدره، ودموعه الساخنة التي تسيل على خدوده الطريّة…

عن نفسي أتحدث، فأنا هي تلك الروح، وذلك الجسد وذلك الطفل …

لطالما كنت أسأل نفسي على الدوام، من أكون؟ من أنا؟ ما هي نكهة روحي التي دبّت في جسدي المهزول من الأرزاء؟!!

هذا السؤال استقبلت به أول يومٍ لي من عامي الدراسي الثاني عندما كنت طفلة ذو ثماني أعوام هلامية، سألت نفسي ذلك السؤال الأكبر من عمري والأثقل من جسدي، عندما خرجت للعالم بعد معركة شرسة لي مع الموت، كان ذلك قاتلاً لكني لم أمت وخرجت مجدداً للحياة، وإن بلون آخر …

ربما الحياة كانت قاسية كثيراً على طفلتها الملساء، لفحت طفلتها الدافئة بخدوش مزقت يداها الطريتان، فجفت شفتاها من الدهشة، لتبدأ معها مسيرة لا تشبه أي مسيرة لا قبلها ولا بعدها، مسيرة طفلة عشقت الحياة، لتتحول إلى أنثى تعشق مخاض ذاتها في هذه الحياة، لأنها تولد من ذاتها، وتزداد قوة مرة بعد مرة …

حكاية بدأت بشهقتي الأولى عندما تنفست الحياة لأول مرة، ونهايتها ربما تكون تنهيدتي الأخيرة عندما أودعها وأرحل عنها ….

عشرة أعوام لم أستطع إيجاد جواب لسؤالي ذاك، لم أكن قادرة على مواجهة نفسي، ولم أكن قادرة على استيعاب ما حلَّ بي، لم أتجرأ أن أنظر إلى عيناي من خلال المرآة ذوات الزوايا الأربعة الكبيرة، ذلك مخافةً من أشياء كثيرة …

والآن أصبحت عشرينية، انفصلت عن وطنها قبل سنتين، لتبدأ معها قصة جديدة وتغيير أكبر، لتصبح لا تشبه تلك الطفلة أبداً …

لقد وجدت الإجابة عن كل سؤال، وهذا لأن الانطواء والوحدة وعزلتي عن كل ما يحاط بي في كل مساءٍ للغربة بنسماتها الباردة كان له قسطاً أكبر من لياليي، أصبحت أستنشق، أتنهّد، وأكتب، كي أسأل، أفكر، أقرر، أجاوب، أعرف أكثر وأعيش بعيداً في عالمٍ لا يعلم أحد عنه شيئاً …

ابتعدت ونظرت بشمول، فاكتشفت تلك الخدعة الكبيرة التي وقعت فيها منذ أن انقطع الحبل السري بيني وبين الجنة، جنتي التي كنت أخبأ عيناي من العالم وراء ثوبها وأغفو على ركبتها حتى الصباح على أغنيتها nenî nenî (نيني..نيني) طفلتي، وهي تمرر أصابعها بين خصلات شعري لتلمس جبهتي، فتكون لي الوطن…

والآن خرجت إلى العالم يا جنتي وأصبحت أحدق وأطيل النظر في أعينهم وتنتهي تلك النظرة عندما أكسر نظراتهم، أصبحت أستقبل أشعة الشمس كل صباح بالرغم من حدتها وما تلحقه من أذية لعيناي، وأيضاً غروب الشمس الذي يشبهني وأشبهه، يا لروعة تلك الصفة المشتركة، لم أكن أعلم بأن الشمس جميلة إلى هذا الحد. وكيف أصبح ما منعوني عن النظر إليه “هاجسي”؟!!!! أصبحت الشمس حقيقتي!!!.

والآن انتقلت من النوم على ركبتها إلى وسادة مخملية بلون بنفسجي، بجانبها كومة كتب، روايات، اقتباسات لشعراء وفلاسفة وعلماء، درويشيات، أفلاطونيات، وحتى شهرزاديات، قصص كثيرة ومجلات مبعثرة على أطراف فراشي، كثيرٌ من الأقلام والأوراق، ومناديل ورقية تحت وسادتي بها رائحة عطري المفضل، عندما تتبلل تزداد الرائحة وينتشر الحبر الأزرق بكافة أرجاء المنديل، منديلٌ لزميل، لأم ألتقيت بها صدفة، لطفل استشهد أباه، لأب زف ابنته، لعاشق دفن حبيبته بيديه، وحتى لذلك الذي أسميته صديقي “صديق الروح”.

لقد كبرت…. لدرجة أن أقدامي لم تعد تتسع تحت “غطاء طفولتي” وتبقى خارجاً طوال الليل دون أن أشعر بها، ورأسي تحت الغطاء أمتشق كتاباً وضوءً خافتاً وأتنفس رائحة روحي حتى الفجر، لقد كبرت… كما كنتي تقولين لي يا جنتي ستكبرين وتنسين، نعم، لقد كبرت لكنني نسيت أن أنسى، فتلك الروح التي خلقت برحمك الدافئ ما زالت بجسدي الذي لا يعرف كيف يكبر، كبرت، لكن بذاكرة قوية وقلب مثقوب ….  الأهم إني علمت ما هي نكهة تلك الروح، علمت بأنني أثنى نهضت من رمادٍ، وكذلك تلك الروح التي سكنته الطمأنينة بعد ضجر دام أعوام طويلة.

رأيتني قوية إلى هذا الحد يا الله لتجعلني أتكئ على روحي، وأفضل وحدتي؟!! بالطبع أستطيع وقادرة لأكون لنفسي كل شيء فقد بنيت نفسي بنفسي، دائماً الجواب الأخير هو: أنا ونفسي وأنا!.

علمت بأنني لستُ بعادية لأعيش وأموت بشكل عادي، تلك الكلمة التي لم ولن أتقبلها، وكيف يمكنهم نعتي بالعادية، وهل يا ترى يعلمون شيئاً عن الأنثى التي نهضت من عمق الرماد…

لا لا يعلمون ولذلك لست عادية، تلك المقولة التي ترفع من قدري، وكلما فقدت ثقتي بهذا العالم ازدادت ثقتي بنفسي، سأقدس نفسي لأنني قوية رغم كل شيء، فأنا زهرة نبتت فوق الخراب، ولأنني على يقينٍ تام بأنه ما من أحدٍ مثلي، فأنا أشبه الجنة فقط “أمي”، سأثمن كل لحظة من حياتي، فأنا لا أعرف أي لحظة ستكون اللحظة الأخيرة، يكفي أن يملئني الإيمان والرضا، الهدوء والــسلام… لأنام بعمق وتغمض أجفاني عن هذه الحياة.