شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

العدد- 6

105

 

لتحميل العدد السادس انقر الرابط ادناه

مجلة شرمولا- kovara şermola (6)

 

 

افتتاحية العدد السادس

 

حول فن السينما

 

إن المتتبع لفن السينما، يدرك الشأن الكبير الذي وصلته قطاع السينما في العالم من ناحية سعة الانتشار والتأثير الجماهيري. فهو وسيلة لنشر الأفكار والثقافات والأيديولوجيات المختلفة من خلال الأساليب والأشكال المتعددة للسينما، ويستهدف ميول وتوجهات الرأي العام نحو أفكار بعينها، سواء كان إيجابياً أو سلبياً.

السينما تعريفاً؛ هو فن التصوير المتحرك، وإنتاج أفلام ذو أنواع وأغراض وأنماط مختلفة، وعرضه للجمهور عبر شاشات كبيرة في دور العرض. والأفلام السينمائية إما أن تكون وثائقية أو أفلام روائية ذو حبكة قصصية، سواء كانت طويلة أو قصيرة.

ومع بداية ظهور السينما؛ وصفه بعض النقاد والفلاسفة الأوروبيين بـ “الفن السابع”، وبمرور السنوات أصبح هذا الوصف لقباً للسينما، ويعود سبب هذه التسمية إلى الترتيب الزمني لظهور السينما، وهو في المرتبة السابعة بعد العمارة، الموسيقى، الرسم، النحت، الأدب، والرقص. إضافة إلى أن صناعته تطلب منه دمج الفنون الستة التي سبقته وصهرها ضمن بوتقته.

ورغم الظهور المتأخر للسينما، إلا أنه كان الفن الأسرع في الانتشار واستحواذاً على اهتمام العامة في جميع أنحاء العالم، وخاصة مع استخدام التقنيات الحديثة في صناعته وانتشاره ومشاهدته.

ولهذا كله؛ حاول بعض نقاد الفن في العقود الأخيرة إطلاق تسمية أخرى له وهو “أبو الفنون”، لتحل محل “المسرح” الذي لطالما كان يلقب بهذا المصطلح. ورغم تلك المحاولات بقي وصف “الفن السابع” ملاصقاً للسينما، ويستخدم بوجه الخصوص في البرامج الإعلامية المتعلقة بهذا الفن وفي المطبوعات.

لقد مر السينما بمراحل عديدة حتى وصل إلى مستواه المتطور راهناً، وبدءً من عام 1880م كانت جهود العديد من المخترعين والمصورون تصب باتجاه صناعة وتطوير الصور المتحركة من الأخوين لوميير في باريس إلى مختبرات أديسون في الولايات المتحدة الأمريكية، وكللت جهودهم بإنتاج أولى المشاهد المتحركة وعرضها أمام الجمهور في عام 1895م. ومن ثم بدأ إنتاج أفلام وثائقية ودرامية، كانت قصيرة ودون أصوات في البداية، لتصبح ذات مضامين متعددة وناطقة فيما بعد، وأخذت المؤثرات الصوتية والنوعية في المونتاج واستخدام الألوان تدخل على المشهد السينمائي. كما بدأ إنشاء صالات السينما واستديوهات خاصة بالتمثيل وإنتاج الأفلام. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين دخل السينما عصره الذهبي، فتطورت وتوسعت أدواته الإنتاجية، وأصبحت التقنيات الحديثة كالكمبيوتر وغيرها تدخل في صناعته، وتساهم إلى حد كبير في إدخال المؤثرات الباهرة عليه.

في البداية؛ كان إنتاج الأفلام متروكاً بكامله على كاهل المصورين الذين كانوا يعدون على أصابع اليد في مرحلة تأسيس السينما، ومن بينهم ظهر رواد السينما في العالم،  ولعل من أبرزهم المصور الفرنسي جورج ميلييه (1861- 1938م)، الذي نقل السينما من التسجيل الخبري للوقائع إلى الدراما أو السرد القصصي، من خلال دمج المسرح بالسينما، أي الاستفادة من تقنية المسرح في الانتقال إلى الدراما أو الأفلام الروائية السينمائية. وقد كان ميلييه أول مخرج سينمائي، وأول من بنى استديو، وكتب أول سيناريو، ورسم أول ديكور، ومن المنتجين الأوائل لأفلام الخيال العلمي، وكذلك في تقديم أولى الخدع السينمائية. وقد أطلق عليه البعض لقب “المصور الساحر”.

ومن رواد السينما أيضاً المصور الأمريكي إدوين بورتر (1870-1941م)، الذي أكمل مسيرة ميلييه في تطوير هذا الفن، وأصبح مخرجاً بارعاً، لينتج أولى الأفلام السينمائية في أمريكا، ويعود له الفضل في بلورة الفن السينمائي الحقيقي. وقد ظهرت شخصيات أخرى ساهمت في تطوير السينما، ومن بينهم شارلي شابلن (18890-1977م)، الذي ارتبط اسمه كأحد أبرز رواد السينما الكوميدية.

وأول ما يبادر إلى الأذهان حينما نتحدث عن السينما العالمية، هو أفلام “هوليوود” التي أصبحت رمزاً لصناعة الأفلام السينمائية في أمريكا والعالم، مع العلم أن “هوليوود” ليست اسماً لشركة او مؤسسة ما، بل اسم منطقة في ولاية لوس انجلوس الأمريكية، التجأ إليها العاملون في قطاع السينما في عام 1910 ليكون مقراً لشركاتهم الفنية، أي أن المقصود بـ “هوليوود” السينمائية؛ هو المكان الذي تقيم فيها مجموعة شركات إنتاج سينمائية ضخمة مثل: “ديزني، فوكس، مترو غولدوين ماير، بارامونت، الأخوة وارنر، يونيفرسال، كولومبيا، وغيرها”. ويوجد فيها استديوهات ضخمة، وممر مخصص لتجمع مشاهير السينما، وصالة خاصة بحفلات توزيع جوائز الأوسكار في مجال الأفلام السينمائية. ولهذا يطلق عليها اسم “مدينة السينما”.

تنتج “هوليوود” الأفلام من زاوية الرؤى والأفكار الغربية، أو لنقل حسب توجهات وأيديولوجية النظام العالمي المهمين. ومعظم أفلامها يظهر جوانب القوة للدولة الكبرى في العالم، وقدرتها على ريادة وقيادة العالم، وإنقاذها من الأخطار والكوارث، وحتى الزعم بأنها هي من تحمي الأرض من الهجمات الآتية من خارج الكوكب على شكل كائنات فضائية وحشية، أو أفلام يزعم وجود كائنات خيالية او خرافية أو وحشية، تثير الفزع والخوف لدى الرأي العام، مثل الصحون الطائرة التي تحمل كائنات فضائية، الإنسان المستذئب، مصاصي الدماء.. وغيرها.

وبالمقابل ظهر تيار سينمائي في العالم مناهض لما يتضمنه ويحتويه أفلام “هوليوود”، وقد تبلور ذلك التحدي بتأسيس “مجموعة أفلام التحرير” الذي ضم مخرجون من أمريكا اللاتينية، وأعلنوا عن إطلاق “السينما الثالثة” بدءً من بيان للمخرجان الأرجنتينيان فيرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو نشراه عام 1969 تحت عنوان “نحو سينما ثالثة”. وحسب رؤيتهم، فإن “السينما الثالثة” هي التي تروج للأفكار الإنسانية الإيجابية، والنضال ضد الاستغلال والاحتلال والتبعية والعبودية والفساد. أي أن السينما بنظرهم؛ أداة لحرية الإنسان، ونقطة انطلاق لتفكيك وهدم ثقافة وقيم الاستعمار والاستغلال.. الخ. وامتد تأثير أفكار هذا التيار السينمائي إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقد استطاع العديد من السينمائيين في الشرق الأوسط من اختراق أبواب هوليوود والدخول إلى عالمها، مع الحفاظ على تجسيد الأفكار البديلة في أعمالهم الفنية، ولعل من أبرزهم المخرج السوري “مصطفى العقاد” “1935- 2005م” الذي درس الإخراج السينمائي في إحدى جامعات كاليفورنيا الأمريكية وتخرج عام 1958م، إلا ان أبواب هوليوود وجميع المحطات التلفزيونية كانت مغلقة أمامه، ورفضت توظيفه والعمل لديهم، حتى عام 1962م حين تمكن العقاد من الدخول إلى “هوليوود”، ويخرج خلال سنوات فيلمي “الرسالة”، وكذلك أحد أبرز الأفلام التي تجسد النضال ضد الاستعمار وهو فيلم ” أسد الصحراء عمر المختار”.

امتلك “العقاد” رؤية خاصة به لمفهوم السينما، تقاطعت مع مساعي سينمائيو أمريكا اللاتينية في الدفع بالسينما البديلة لـ “هوليوود”. وإضافة إلى الخبرة الكبيرة التي حصل عليها، وضع العقاد تصوراً مستقبلياً حول تطبيق رؤيته الخاصة، من خلال إنشاء مدينة سينمائية عالمية منافسة، ووضع السينما في خدمة قضايا الشعوب الشرق الأوسطية وبخاصة العربية، فكان همه إعادة الاعتبار للحضارة العربية الإسلامية. لكن ظروف الواقع كانت أكبر من التصور الذي وضعه، حتى أنه لم يستطع إنتاج فيلم عن “صلاح الدين الأيوبي” وأخرى عن “الأندلس” مماثل لفيلمي الرسالة وعمر المختار، لعدم توفر الدعم المطلوب. وفي عام 2005م قتل العقاد في تفجير وقع في أحد فنادق العاصمة الأردنية عمان.

وقد وصلت شخصية سينمائية أخرى من الشرق الأوسط إلى العالمية، وهو المخرج والروائي الكردي “يلماز كوني” “1937- 1984م” الذي دخل عالم السينما عام 1957م كممثل ومساعد مخرج وكاتب سيناريو في البداية، ومن ثم كمخرج لرواياته التي كتب معظمها في السجون التركية.

كان تأثير أفلام “كوني”  كبيراً على السينما التركية، حيث أدخل إليها الواقعية الاجتماعية، بعد أن كان معظم الأفلام التركية ذات طابع تجاري واستهلاكي حسب أهواء الأنظمة السياسية القائمة، وبسبب ذلك وإضافة إلى مضامين أفلامه التي تمس الواقع الكردي في تركيا، وبسبب كتاباته السياسية المناهضة للفاشية أيضاً، اعتقل وسجن أكثر من مرة، وسحبت منه الجنسية التركية، وفي فترات اعتقاله كتب أبرز روايات أفلامه السينمائية مستفيداً من اختلاطه بالسجناء السياسيين والمثقفين والفقراء.

كان فيلمه “الأمل” الذي أخرجه عام 1970 بمثابة نقلة نوعية في حياته المهنية السينمائية. يقول “يلماز كوني” في حوار أجراه معه د. جواد بشارة عام 1983 قبيل بضعة أشهر من وفاته: “أما فيما يخص فيلم “الأمل” فأعتقد أنني، بممارستي الإخراج واندفاعي والتزامي السياسي، قد قطعت الجسور نهائياً مع ما أصطلح على تسميته بالسينما التجارية ذات المواضيع التخديرية التي تدفع المشاهدين للهروب المؤقت من واقعهم البائس والتعاطي مع مواضيع ذات هموم برجوازية وشخصيات نمطية. فمع هذا الفيلم التجأت إلى محاولة خلق البطل الواقعي الإيجابي، وطرق المواضيع ذات الأجواء والأطروحات والمعالجات الواقعية الحية، وهجرت كذلك النهايات السعيدة التي عودتنا عليها السينما الأمريكية الاستهلاكية المسمومة والمواضيع الميلودرامية الساذجة… لقد حطم هذا الفيلم أسطورة البطل المثالي الذي لا يقهر والقادر على كل شيء والمنتصر دوماً. فقد طرح الفيلم مفهوماً جديداً يقول بأن لا حلول ممكنة حقاً إذا كانت المحاولات فردية وإنه لا بد من العمل الجماعي والتكاتف  والاهتداء بفكر نير واعي وتقدمي ملتزم ومنظم سياسياً. وهنا مكمن الخطورة لمثل هذه الأطروحات. وأعتقد أن الكثير من الجمهور قد فهم بشكل جيد مغزى هذا التحول وصلاحيته وهذا هو جوهر رسالتي عبر السينما”.

اتبع “كوني” أسلوباً توفيقياً بين الطروحات السياسية والجوانب الفنية في إنتاج أفلامه السينمائية، دون أن يعتريها الملل أو الخطابية أو ضعف في الشكل والتقنية. وبذلك كان رائداً في صنع الأفلام الجماهيرية وفي طرح قضايا المجتمع بأساليب متطورة شكلاً ومضموناً.

وبعد سحب الجنسية منه وتمكنه من الهروب من سجنه إلى أوروبا، أقام هناك ولاسيما في فرنسا، وأصبح بمثابة فنان ذو جنسية عالمية، وحصل على جوائز عالمية عديدة، ومنها الجائزة الأولى في مهرجان كان الدولي عام 1982عن فيلمه “الطريق” وجوائز عديدة في مهرجانات دولية اخرى. ورشح في أواسط السبعينيات إلى جائزة نوبل للآداب عن إحدى رواياته. وقد اعتبرت الأوساط الكردية أعمال “كوني”، كبداية للسينما الكردية، ودخول الكرد إل عالم صناعة هذا الفن، حتى لقب بـ “أبو السينما الكردية”.

وفي الوقت الذي كان يسعى فيه “يلماز كوني” إلى طرح القضايا الاجتماعية الكردية من خلال السينما في تركيا، ورد السلطات الحاكمة باعتقاله وسجنه لسنوات طويلة وسحب الجنسية منه، كان النظام الحاكم في سوريا أيضاً يمنع تداول أي من القضايا الكردية في السينما وفي النشر الإعلامي والفني عموماً، حيث كانت اللغة والثقافة الكردية ممنوعة من التداول العلني في كلتا البلدين إضافة إلى الدول الأخرى التي تقتسم كردستان. بل وجرى استخدام السينما كوسيلة لبث الأحقاد على الكرد، كما حدث في عام 1960 من حريق سينما عامودا والذي اودى بحياة 300 من تلاميذ المدارس.

وبعد قيام ثورة شعوب روج آفا وشمال شرق سوريا في عام 2012م، وتأسيس الإدارات الذاتية الديمقراطية في أقاليم المنطقة بدءً من عام 2014م. جرى إحياء ثقافة مشاهدة السينما، وظهرت لأول مرة مؤسسات مختصة بالعمل السينمائي سواء كانت عامة أو خاصة، ومن أبرزها “كومين فيلم روج آفا” التي تأسست في تموز 2015م وأنتجت العديد من الأفلام الوثائقية، والأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، وفتحت دورات سينمائية أكاديمية. واعتبر فيلم “من أجل الحرية- Ji Bo Azadiyê” المنتجة في عام 2019م باللغة الكردية والمترجمة إلى لغات عديدة، أفضل فيلم منتج في شمال وشرق سوريا، من الناحية المهنية شكلاً ونوعاً.

إن السينما في شمال وشرق سوريا، بدأ يجد طريقه ومسيرته وهويته رويداً رويداً، وهو بحاجة إلى التشجيع والدعم المطلوب لتطويره من الجوانب كافة، من افتتاح أكاديميات مختصة أو قسم لفن السينما في الجامعات الموجودة، بناء صالات خاصة السينما في معظم المناطق، وكذلك استديوهات خاصة بالعمل السينمائي، إصدار مطبوعات خاصة بالسينما، التشجيع على ثقافة التفاعل مع السينما في الإعلام المحلي، استلام مختصون لإدارات المؤسسات والفعاليات السينمائية، إقامة المهرجانات الدورية للفعاليات السينمائية، الدعم المالي للمؤسسات السينمائية العامة والخاصة، تشجيع المبادرات السينمائية الناشئة، إفساح المجال أمام كل التيارات الفكرية الوطنية للتعبير عن نفسها في العمل السينمائي.. وغير ذلك من متطلبات تطوير السينما في مناطقنا.