شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

حوار جريدة الجزائرية نيوز مع الأديبة الجزائرية “خولة محمد فاضل”

96

 

أجرت الحوار: أحلام كراردة

1ــ بداية نرحب بك أ. خولة محمد فاضل في جريدة الجزائرية نيوز ونبدأ بالسؤال التقليدي الذي يكون قد وجّه اليك أكثر من مرة في لقاءات متعددة، أرجو ان تحدثينا عن الخطوط العامة لحياتك حتى يتعرف عليك السادة القرّاء؟ ومتى كانت بداياتك الأولى في الكتابة؟
تحية من صميم الفؤاد تعبقها أنفاس الورود أزفها لكل من استهواه العبور بين حروفي وخلجات بالي وروحي رغم أني لا أحسن المقدمات ولا تروقني النهايات لا أجيد الترحيب ولا التوديع تحياتي لك أستاذة أحلام على هذه الالتفاتة الطيبة ولكل القائمين على هذا الصرح المبارك.. تحياتي لك أيها القارئ تشق عباب كلماتي بأشرعة الأماني والأحلام فلوجهي المترع بالأسى غواية وحكاية تجف لها الأقلام وتنكسر المرايا روايتي عتيدة ممتدة الفصول بلا نهاية.. أنا هنا فيافي أرهقها الحنين لمزن الشتاء، أغنية حزينة من ناي النشيج وأشجان الليالي.. حكايتي أنجبتها سياط الجلاد والمنافي ووجيب الاغتراب القاسي وأكداس الصقيع يفترشه البائسون والمحرمون في وهاد الظلام.. على أوتار الروح عزفت الآلام وعزفت سكرات الحمام وما تبقى مني غير السراب والوهم.. ما تبقى مني غير حكاية من ألم بقايا امرأة منفية في العتم..
“خولة محمد فاضل” المعروفة ب “سحر القوافي” أديبة جزائرية على عتبة الخمسين، ولدت من رحم المعاناة بهوية منتهية الصلاحية أو ظل هوية.. مجرد رقم واسم مهمل في هذا الوطن.. تجرعت فيه الغم والمحن، فاعتنقت حروف الأبجدية لتنحت لها من أوجاع الروح وجودا خارج أسوار العدم، وقد آمنت أن الحرف الجميل يسافر لوحده ويصنع لنفسه حضورا بين الأقلام المبدعة..
في مدينة جيجل عروس البحر. وفي قرية الجناح جنة من جنان الرحمان ولدت خولة وترعرعت في شاطئ صخر البلح بين زرقة البحر وخضرة الجبل وسحر الطبيعة في عائلة شريفة مجاهدة قدمت من الشهداء والتضحيات الكثير.. عاشت طفولة سعيدة كطيور السلام والحرية والمحبة، وشهدت مسيرتها الدراسية النجاح ونالت من العلم ما يؤهلها لتتقلد دورا رياديا في المجتمع وقد نذرت حياتها لخدمة الوطن والمجتمع وزرع قيم الخير والمحبة والسلام..
كبرت خولة وبدأت ميولها تزداد نحو الإبداع والكتابة، وكانت أول مرة تقابل فيها الجمهور بمناسبة يوم العلم، حيث كتبت قصيدة على بحر البسيط تمدح فيها الإمام عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الجزائرية الحديثة وكان الحفل بهيجا وفي الجامعة تبلورت الموهبة وانتسبت لمعهد الآداب واللغة العربية بجامعة قسنطينة.. وهنا بدأت تنشر أعمالها في الجرائد الوطنية وتحضر الملتقيات.. اشتغلت في بداية مشوارها المهني في الصحافة المكتوبة ثم تحولت إلى التعليم والتدريس بعدما تلقت تهديدات بالقتل من الجماعات الإرهابية وتحذيرات من السلطات بسبب جرأتها.. عانت من التهميش بسبب مواقفها الجريئة الناقمة على الساسة وأذنابهم من الأتباع.. ولشدة المضايقة التي تعرضت لها اعتزلت النشر والملتقيات لما رأت وعاشت من مواقف مخزية، ولكنها عادت من سنتين لتعانق القلم ثانية..

2ــ من الذي يشجعك على خوض هذا المجال؟
يشجعني على الكتابة فتيل أمل يبقى دوما مشتعلا.. هؤلاء القراء الذين يقبلون على حروفي بشغف وتلك المحن التي عشتها ومواجع الاغتراب والضيم في الوطن.. الأهل والأصدقاء، إيماني بأن الأدب رسالة سامية وقيم فاضلة وأن صدى القلم وما يسطره أرسخ وأقوى في النفوس والخواطر..

3ــ حدثينا عن مجموعتك القصصية ” دهاليز بلا شموع “؟
” دهاليز بلا شموع ” مجموعة قصصية حداثوية صدرت لي مؤخرا عن دار خيال للنشر والترجمة واستقطبت العديد من النقاد هي كمد الوطن المقيد في الأصفاد وأسفاره التي أرهقتني وبعثرتني، الوجع الذي ألم بي وأنا أراهم يحفرون فيه جروفا ومعابرا وأخاديد.. تلك الندوب والوشوم حفرت في روحي وتعفنت حتى نضح منها الصديد ونزف الشريان والوريد.. هي مرآة تجارب قاسية عشتها في وطني.. هل تدركين أني كنت منفية في الوطن.. مهملة في شوارع العتمة والفراغ والوهن.. أعب الفواجع والمحن والغبن.. هل تدركين عمق المعاناة ومعضلة القضية حين يصبح المواطن بلا هوية مسلوب الحرية.. وطن استباحه الأغراب والخراب والخونة والحمقى يسرقون الأحلام ويذيعون الأوهام.. وطن أرادوا تغيبه في كفن.. هكذا حبلت بدهاليز لسنين كنت فيها مطاردة في شوارع الليل وأنجبتها لتضع الراح على الجراح.. لتومض فتيل أمل ينير سراديبنا المعتمة..

4ــ ماهي طقوسكم في الكتابة وكيف توفقون بين حياتكم الأسرية والتأليف؟
الكتابة هي التي تفرض وجودها علي، الخواطر العاصفة التي لا تتركني أهدأ، تظل تضج في رأسي ولا تبرحني حتى أرسمها بالحبر الأسود على أوراق دفاتري البيضاء المبعثرة، تغريني الكتابة في هدوء الليل ويجرفني الحنين إليها أنى تتجلى الأفكار والهواجس التي تسكننا بوضوح ويكون الذهن سابحا في رحاب الصفاء الروحي حيث تتوحد الفضاءات والأشياء في ظلال العتمة وتنزاح كل الفواصل والفروقات، لحظات من الصوفية الرائعة، وهذه الطقوس كالإيمان تتأرجح بين الضعف والقوة.. قد تمر أيام كثيرة لا أنجب فيها حرفا واحدا وفي ليلة ما أنجب مقالا أو قصيدة أو خاطرة أو قصة.. أنا عفوية في الكتابة تقودني السليقة والموهبة في براري الإبداع ولا أتصنع الأحاسيس أو المشاعر وهذا ما يجعل القارئ يتقبل حروفي ويقبل عليها.. فلست ممن يبتغون الشهرة والظهور بقدر ما أؤمن برسالة الأدب وأمارسها كهواية وهوية معا فالحرف غالبا ما يعري كاتبه ويكتبه..
أما حياتي فهي لعائلتي وأهلي وطلبتي وأصدقائي والسعي في الإحسان الاجتماعي والإنساني، فالنظام يسهل علينا الصعاب ويمكننا من الانجاز.. ويمكن اعتبار لحظة انجابي الحروف بعد المخاض والاختمار الذي يراودني نزهة في عالم الأحاسيس والخواطر حيث أعانق الأطياف والأرواح والأفئدة بعيدا عن وجع الماديات وزيفها وصخب الحياة وزخمها..

5ــ أسلوبكم في الكتابة يشد القارئ من بداية العمل إلى آخره، علاوة على استخدامكم أسلوب ممتع ووسائل إقناع متنوعة ،ألا تفكرون في استثمار أسلوبكم في كتابة أعمال روائية وسينمائية؟
يجمع جل النقاد والقراء الذين عبروا حروفي أن لها جاذبية لا تقاوم وأن من يستهل رحلته فيها لن يتركها حتى ينهيها لأن نصي يشده من أول حرف حتى آخره.. وربما أعاد القراءة مرات عدة لأن أسلوبي ـ حسبهم ـ متميز متفرد في الكتابة وهذه سمة الأديب المبدع فالسرد عندي دفقات شعورية تزامن المواقف والمشاهد والخواطر فيتجلى فيها الصدق الفني واللغة الشعرية وانسيابية الحرف مع الإحساس والمعنى في تناغم عجيب يجعل القارئ يستمتع حتى لو كان الموضوع موجعا قاسيا.. أما بالنسبة لاستثمار الأسلوب في الرواية فلدي مخطوطات سردية ستكشف عنها الأيام المقبلة.. والقيمة ليست في غزارة الانتاج بقدر ماهي في جودته وتميزه ورقيه وفي قيمة الرسالة التي يحملها.. أما الغزارة فالساحة الأدبية تعج بالفوضى .. بأقلام مراهقة وأخرى تبتغي الشهرة غير أنها ضحلة المحتوى وكما قال النقاد عن مجموعتي القصصية ” دهاليز بلا شموع ” كل قصة فيها تعادل في قيمتها رواية” وهنا أقلب المقولة في توصيف الساحة الأدبية الحافلة بالنتاج السردي لأقول أنها تعج بروايات في حجم قصص وما تبقى فيها غير كلام فارغ يظل كاتبه يجتره في خواطر عادية لا تتجاوز مشاهد الأحداث اليومية التافهة.. لقد كثر المتطفلون على الأدب حتى حجبوا بهرجهم ومرجهم ونقع حبرهم الأدباء الأقحاح..

6ــ غزارة نصوصك وأعمالك بالمنصات الإلكترونية والمجلات والجرائد يوحي باستحسانها من قبل القرّاء، لمن تكتب الأستاذة خولة؟
ربما المقام لا يتسع هنا لألخص تجربتي القاسية مع الإبداع غير أنه يمكنني الإقرار بما عانيته من تهميش وإرهاب فكري بلغ حد التهديد والوعيد بقتلي فلذت في صمت رهيب لسنين عدة حفاظا على حياتي وحتى لا تهرق روحي سذاجة وسدى.. آمنت دوما بتحسن الأحوال وتغيرها رغم ذاك التعتيم والتضييق وتشديد الخناق على يراعي فوجدت في المجلات والصحف العربية غالبا متنفسا وبدا حتى صرت معروفة في بعض بلاد العرب أكثر من بلدي الجزائر وكانت لي تجربة الاشراف على القسم الأدبي في صحيفة عربية ودعيت لمهمة رئيس تحرير مجلة ورقية.. لقد استحسن القراء العرب حروفي لأنهم وجدوا فيها ضالتهم وكانت لسان حالهم وصوتهم وحملت في طياتها انشغالاتهم وقضاياهم فأعادتني هذه المنابر والمنصات الاجتماعية إلى الواجهة الثقافية لأني أكتب لهذا الوطن وهذه الوجوه الغبشة باليتم والحرمان والشجن لهؤلاء المساكين والمظلومين والمرهقين والمغيبين.. أكتب عنك وعني وعن هذا القارئ وهذه الأرض السليبة والشهيد والاستبداد والإنسان.. عن هوية أرادوا انتزاعها منا ومجد أرادوا اقتلاع جذورنا منه.. عن وطننا الذي نفينا فيه..

7ــ هل مازال للكاتب قيمة في عصرنا؟ وماهو مستقبل الأدب والثقافة في عصر التكنولوجيا والاستهلاك؟
قال الرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ :” إن من البيان لسحرا “.من هنا يحتل الكاتب والأدب منزلة خطيرة راقية بعد القرآن الكريم والحديث الشريف لما للأدب والبلاغة من رسالة إنسانية وقيم سامية ولهذا نثمن الأدب الجاد والهادف والملتزم ونحذر من شيوع أدب الاستهلاك الذي غذا سمة العصر.
لقد تناولت الحديث عن هذه الظاهرة الأخيرة في مقالات نشرتها إذ لا يمكن إغفالها والسكوت عنها ففي هذه الأيام العجاف أقام القحط والجفاف وعميت البصائر وزاغت الأبصار والضمائر وكثر المتسلقون والانتهازيون والمفتشون عن الشهرة والباحثون عن المتعة، وحلت المجاملات الفارغة الجوفاء محل الرأي الصريح والنقد البناء، انهار سلم القيم وانقلبت الموازين وطفت الفقاقيع الفارغة شامخة الرؤوس مشرئبة الأعناق لعناق المجد .تنهق كالحمير أو تصيح كالديوك المنفوشة الريش. المهم في كل هذا أن يسمع صوتها النشاز وتسيل حبر أشباه النقاد و الكتاب، بل وتكرم من أشخاص يدعون أنهم أعلاما في الأدب والنقد والحقيقة التي يجهلها كثير منا أنهم فعلا متميزون في النعيق والنباح والتملق، أشباه النقاد وأنصاف المثقفين تسلقوا سلم الذوق المائع الفاسد بامتياز حتى بلغوا منتهاه. أقيمت على شرفهم الولائم ووزعت عليهم الهدايا والغنائم وحظوا بالتكريم والدعم من الساسة والحكام، وفتح لهم الإعلام ماداموا يصفقون وينحنون لسيديهم السلطان، فراحوا يتبخترون في سوق الأدب وينتقون ما وضع منه وكسد، فرفعوا على أكتافهم أدب الغرائز والمواخير، أدب الجنس والإغراء يرسمون بحروفهم مشاهد مخلة بالآداب. أقلام تائهة في عقدها النفسية ونرجسيتها وتعجرفها وتماديها في الغي والضلالة بدعوى التجديد وادهاش المتلقي. فتعري نزواتها وهواجسها وعربدتها ومجونها..فخلق دوقا لا ينجذب الا لأدب الغريزة و الإغراء.
فيالها من طامة كبرى وكارثة عظمى ضربت كيان الإبداع فزلزلته وانشقت جدرانه وبتنا نخشى أن ينهار وتتداعى حصونه. وفي زمن الرداءة هذا أصبحت المعرفة الشخصية والمرافقة الوجدانية والجسدية إن صح التعبير جواز سفر النص الأدبي نحو الشهرة فتبوأوا منزلة غير منزلتهم وسطوا على حقوق غيرهم .فيالها من حقارة وخسة ويا له من انحطاط فكري وأخلاقي لم يسبق له مثيل ولم يشهد له تاريخ الأدب سابقة!!
إنها لطامة كبرى ضربت ديوان العرب وعتمت أفق الأدب. فإلى متى سيستمر عصف هذه الريح السموم التي انتشرت رائحة عفنها في أوساط الأدب والثقافة؟ لقد شاع أدب المواخير والنزوات والشهوات وتتبع اللذائذ والفجور والموبقات يكتبونه بأسلوب ركيك وكلام صريح دون تعريض أو تلميح. واحسرتاه على الأقلام المبدعة الراقية الراسية في الأعماق. الدرر التي لم تبلغها الأيدي الملوثة والعقول المخدرة والعيون الكفيفة لأنها تلمع في وقار وهدوء وحشمة بعيدا عن العربدة والمجون ..
لقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي في تجلية المشهد الثقافي والأدبي وحركيته من خلال إتاحة حرية التعبير وسهولة النشر وكان لها الفضل في بروز أسماء حجبت وهمشت وضيق عليها الخناق كما أنها من جهة أخرى فسحت المجال لخلق اللغط والفوضى والعبث وشيوع أدب الاستهلاك..

8ــ ماهي مشاريعك المستقبلية؟
من الصعب استشراف ما سنحبل به ومتى ننجبه ولكن الأيام القادمة ستحمل مفاجأة مني مرتقبة للقارئ أفضل عدم الإفصاح عن عنوانها. فانتظروا مني رواية تحبس الأنفاس..

9ــ هل لديك كلمة أخيرة تودين الإفصاح عنها نختم بها هذا الحوار ؟
ختاما لهذا الحوار أقول للقارئ الفاضل: إليك أكتب حرفي ويلتهب إحساسي. أنت الملك الذي كل الأقلام تسعى إليه وكل الأحلام والرسائل تبدأ منه وتنتهي إليه. أنت المبجل المكلل الذي يمنحني شهادة تواجدي ويقلدني عقد الاستمرار والبقاء ويمنحني الدعم بالمتابعة والوفاء.. فالمبدع بلا قارئ كمن يخطط بالماء على الماء.. إني بانتظار مواسم الفرح التي سنحياها معا.. فأنا امرأة تتوسد أوجاعها لتنام.. كل أحزان الإنسان أحزاني.. كل الوجوه المعتمة الغبشة بالضباب والهم وجهي الآخر.. كل دخان تصاعد من جوف المحرومين هو أنفاس احتراقي.. أنا الغريبة المنسية خلف أسوار الحرمان.. أنا ظل امرأة تجر خطاها الواهنة وأقدامها الحافية فوق الأشواك والصبار والقتاد والصخور المسننة.. انا القابضة على الجمر في صمت عجيب.. أنا التي في صدرها تنغرز آلاف الخناجر.. ويقيم فيها الزمان المآتم والمجازر.. أنا بقايا إنسان.. أحلامه مشوشة مشوهة تغتال قبل أن تبصر.. أنا اسم بلا عنوان.. وروح منسية مكبلة في مقامع النسيان.. أنا يا أنت.. وجه الليل.. أنين الحلم.. نشيج الأشجان.. انا وجهك الآخر.. تحية إجلال وتقدير لكل من تابع كتاباتي أو حواري. وتحية احترام وامتنان للإعلامية المتألقة وأديبتنا الألمعية “أحلام كراردة” على هذا الحوار الذي تمنيت أن لا ينتهي ليستمر شرف تواجدي بينكم..

 

 

Hits: 10