شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الفنتازيا في الرواية العربية في مواجهة الواقع ـ د.سناء الشعلان

41

في الوقت الحاضر لا وجود لشكلٍ أدبيّ يتمتع بالقوّة التي تتمتع بها الرّواية وفق ما يقول ميشال بوتور، فهي تشكّل عالماً متميّزاً معنىً وشكلاً، نحن نرتاده كما يرتادنا بدوره، لكنّه على الرغم من ذلك عالم متّصلٌ ومعقّد، ولا يمكن أن نفهمه أو أن نربطه بواقعنا إلاّ من خلال الأشكال التي تؤلّفه، وتبني نسيجه الدّاخلي والخارجيّ.  وهذا  العالم اللّغويّ يتفيّأ في ظلال الواقع المعيش وإن خالفه في الطّرح والشّكل.  فنحن لا نستطيع كتابة رواية ما لم يكن لدينا الإحساس بالواقع،  وهذا الواقع كثيراً ما يتفلّت أو يتجاوز حدوده محقّقاً تجلّياته التي تحتكم إلى ما هو تخييلي. وهذا الخيال كثيراً ما يطرح أشكالاً روائيّةً جديدةً تتمتّع بقوّة استيعاب كبرى تلعب دوراً ثلاثيّاً بالنّسبة لمفهومنا للواقع بما فيه من إيضاح وارتياد وتطبيق في سبيل تشكيل خصوصيّة إبداعيّة ورؤيويّة للخطابات الأدبيّة في الثّقافة العربيّة الحديثة. والدّمج بين الواقعيّ والفنتازي في بنية الخطاب الرّوائيّ من أهمّ مظاهر الخصوصيّة الإبداعيّة والرّؤيويّة في النّتاجات العربيّة عامّة، وارتياداً لعالم فنتازيّ يتحدّى قيود النّوع وأعراف الواقعيّة، وينتج سرداً يتوفّر على إمكانات تصويريّة وتخيّليّة وتعبيريّة وإيحائيّة ، لا يمكن التّقليل من شأنها، إلى جانب التّمثّل السّرديّ للمرجعيّات التّاريخيّة والاجتماعيّة والأسطوريّة والحكائيّة التي تستحضر موروثاً فنتازياً متجذّراً في الموروث الشّعبيّ والوطنيّ والقوميّ والعربيّ .

وهذا التّوجّه الفنتازي في السّرد الرّوائيّ بزغ بشكلٍ ملحوظ منذ العقد السّابع من القرن العشرين، ومازال ركبه يتقدّم وشأنه يعلو، بعد أن غزا جزءاً لا يستهان به من الرّوايات العربية، وأصبح سمتاً خاصاً لبعض الرّوائيّين العرب، وهو توجّه يعبّر عن رغبة خاصة عند الرّوائيّين في انتهاج أساليب جديدة، يعبّرون بها عن الحقيقة الجديدة التي يتخيّلونها التي باتت في حاجة إلى شكل جديد يستوعبها، ويعبّر عنها ضمن توليفيّة سرديّة تنقل الشّعور بالواقع دون طبعه بكلّ جزئيّاته، بل تترك هامشاً للخيال والانعتاق من عبوديّة الأطر الاجتماعيّة والأدبيّة والسّياسيّة.  والسّرد الفنتازي لا يعاند أنظمة الطّبيعة والوجود بل يمسخ هذه الأنظمة، ويقدّم الشّاذ وغير المألوف منها، ويرفض أن يقدّم الأدب على أنّه متوالية موازية ومتناظرة، بل يجسّده انكساراً للواقع واستثناءً لحوادثه ضمن منظومته المعرفيّة المشتركة. فالسّرد الغرائبي هو إذعان الحوادث لقوانين الواقع الموضوعة، وتمردٌ على المألوف منها، وكسرٌ للمتوقّع والمتداول.

والرواية  شهدت توظيف السّرد الفنتازي في إبداعاته لدرجة لا نبالغ إذا قلنا إنّ هذا التوظيف أصبح من أوضح البنى السّرديّة تواجداً وحضوراً وإدهاشاً. فعلى الصعيد العالمي بات هذا السّرد يستقطب الأدباء كما يستهوي الجمهور، والعطاءات الغربية في هذا الصدد قد يعزّ على الدارس رصدها كلها لكثرتها. مثل أعمال غابريل غارسيا مركيز (مائة عام من العزلة)، كافكا (المسخ)، لويس كارول (أليس في بلاد العجائب)، ميشال بوتور (مرور الحدأة)، كلود سليمون (العشب)، راد كلايف (الصقلّي) (رواية الغابة)، لوفكرافت (نداء كتولهو)، وبرولت (حكايات الزمن الماضي).

وفي الرواية العربية أسهم الكثير من الأدباء العرب في توظيف هذه البنية السّحريّة في كتاباتهم مثل: يحيى حقي في (السلحفاة تطير)؛ عبد الخالق الركابي في (الراووق )؛ سليم بركات (فقهاء الظلام )؛ إدوار خرّاط (الزمن الآخر ) و(رامه و التنين ) و(حجارة بوبيللو ) و(يقين العطش )؛ محمد برّاده (لعبة النسيان )؛ محمود طرشونة (المعجزة )؛ محمد الهرادي (أحلام بقرة) والميلودي شغموم (الضلع والجزيرة)؛ محمد عز الدين التازي (أبراج المدينة) و(رحيل البحر)؛ أحمد المديني (الجنازة)، (زمن بين الولادة والحلّم) وإبراهيم الكوني (البئر) و(الواحة) و(واو الكبرى) و(واو الصغرى) و(نداء الوقواق ) و(المجوس ) و(السّحرة ) و(الفم )؛ جمال الغيطاني (وقائع حارة الزعفران)؛ صنع الله إبراهيم (اللجنة)؛ خيري عبد الجواد (السحلية)؛ يحيى الظاهر عبد الله (الكائن الليلي)؛ محمد زفزاف (بيضة الديك)؛ الطيب الصالح (بندر شاه)، وغيرهم الكثير أمثال حيدر حيدر، يوسف القعّيد، رشيد بوجدرة، سمية رمضان، مصطفى المسناوي، إبراهيم عبد الحميد، سعيد الكفراوي ومنقذ القرماوي.

وقد باتت هذه البنية السّرديّة تمتص معطيات ومتناقضات هذا العصر، وتعيد إنتاجها بطريقة جديدة مبتكرة، تحمل الكثير من الرموز والدلالات والإيحاءات وتجيد الاختباء وراء أقنعة الفنتازيا والأسطورة والخرافة وغيرها من معطيات هذه البنية. فخاض الكثير من الأدباء العرب لجة هذا البحر، والتقطوا الكثير من درره وعجائبه .

 

وهذه البنية السّرديّة شأنها شان أيّ تجلّ أدبي، أُفرزت ضمن مجموعة من العوامل الضاغطة، التي استولدتها الظروف، وصقلتها الموهبة وشحنتها الروافد الثقافية والتجارب الحياتية للمبدع.

وقد كانت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي اجتاحت أوروبا خاصة والعالم عامة بعد الحربين العالميتين من أهم العوامل التي أبرزت هذه البنى السّرديّة إلى الوجود؛ حيث باتت الفنتازيا الطريقة المثلى لتكسير القوالب الواقعية الضيقة والبحث عن طرائق للترميز بهدف تمرير الانتقادات السياسية والاجتماعية والدينية. فضلاً عن  أنّ هذا السّرد هو تعبير عما في الواقع من تناقضات وصراعات، يعجز الإنسان عن مواجهتها وحسمها لصالحه، عندئذٍ يزحزح في تعبيره الأدبي هذه الصراعات والمتناقضات إلى عالم الخيال، ليضعها موضع تأمّل وتدبّر من قبل المتلقّي في محاولة تصدر عن يأس عميق عن اكتناه جوهر الواقع، والإلمام بالتحولات السيكولوجية المحزنة التي يعيشها الإنسان.

وهذه البنية السّرديّة تتسع لتصبح جلباباً فضفاضاً قادراً على إخفاء ذواتنا وأهدافها ومغازيها المحاصرة بضغط القوانين والمحرمات وأنواع الرقابة كافّة؛ لذا تعدّ الأجواء الفنتازية وسيلة عملية وناجعة للكشف عن اهتمامات الشخصيات وعواطفها التي يمكن أنّ تتستّر، وتتبدّل في بنيات يحكم فيها العرف أو الضوابط الاجتماعية. كما أنّها بما تقدم من خيال مجنّح يمنح فرصة للهروب من الواقع، لكن الهدف والغاية من الهروب يتراوح بين تحقيق الأمنية والإثارة ومجرد الاستماع. فهي وسيلة للتخلص من التصورات والمفاهيم المعتادة، بيد أنّ الغرض من وراء هذا الهروب هو تبيان الضيق وكبت الأنفاس والرّعب الذي يتميز به عالمنا الإنساني.

ويملك السّرد الفنتازي ذكاءً سردياً خاصاً يجعله  يقوض البنى والخطابات والنظم السياسية الضاغطة والمستلِبة  التي تمثّل الآخر عن طريق اختراقها فنياً ورؤيوياً وعدم الاستسلام لسلطانها المهيمن على الوعي الاجتماعي، ومن ثم يتستّر وراء أقنعته اللاواقعية من أجل حماية نفسه وحماية مبدعه من فتك السلطة، التي تصعب مواجهتها مباشرة، ولكن قد يسهل خداعها إذا تمكّن الأديب من إتقان لعبة القفز بين عالمي الحقيقة والخيال، فالكاتب يلجأ إلى عالم الأحلام والقرين والجن والمخلوقات العجيبة كي يعبّر عن هذا العالم، وكأنّه يمرّ في هذه الحياة مروراً سريعاً، ولكن الأجمل هو العالم الآخر.

والأديب في سعيه إلى رسم واقعه بكلمات غير التي عهدناها، وبعوالم لم نعرفها إنّما يهدف أيضاً عن سبق إصرار إلى  تكسير الرتابة التي هيمنت على ذاتيّة القارئ طويلاً، بخلق غرابة مقلقة والنفاذ إلى الشعور والذاكرة وتفتيتها إلى ذرات مرتبكة. فالكلّ يركض وراء الجديد، ويتطلّع نحو المستقبل، ويكره أن يقلّد من سبقوه، مستخدماً عجينة العجائبيّ والغرائبيّ التي تنتج كلّ جديد ومبتكر لمن يملك مفتاح الخيال والترميز، فالقصّة والرّواية يجب أنّ تكون مميزة بدرجة تكفي لتسويغ سردها. فلا أحد له الحق بإيقاف المارة المسرعين في الحياة ما لم يكن لديه الغير عادي من التجربة ومن يملك العجيب أو الغريب لا بد أنّه يملك هذا الجديد المنشود.

إذن نستطيع القول إنّ السّرد الفنتازي يمثّل تلك اللّذة التي يجدها القارئ والمبدع عندما يفلت من إسار تكاليف واقعه الصارمة، وما هي عليه من جفوة، ويستسلم لفتنة غير المعقول.

Hits: 10