شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قراءة في رواية (رهائن الخطيئة)  للناقد والروائي هيثم حسين ـ إدريس مامد

42

 

 

“يُخطئ من يظنّ أنّ هذه الرواية شيءٌ من الخيال”

بهذه الكلمات، ينطلقُ بنا الكاتب الكردي السوري هيثم حسين في رحلة أدبية عبر الزمن إلى ستينيات القرن المنصرم، إلى مدينة عامودا الواقعة في السهل الجنوبي لجبال طوروس، حيث بطلة الرواية الجدة “خاتونة”، تلك المرأة المكافحة القادمة من “جيايي أومريان” التابعة لولاية ماردين.

بذلت هذه المرأة الصبورة جهوداً جمّة في سبيل تأمين قُوت طفليّها “علو وأحمي” عبر تكسير الخبز اليابس وخياطة اللّحف وتوليد النسوة، وهي تقطُنُ في كوخٍ متصدّع على أطراف البلدة كي تكون بعيدة عن أعين وألسنة الفضولييّن الذين بات شغلهم الشاغل معرفة ما تضمره هذه المرأة من لغز بين طياتها؟!

 كافحت الجدة خاتونة قسوة الحياة وتجرّعت علقمها، حتى جعلت من طفليّها “علو وأحمي” شابين يافعين مفتولي العضلات، فأضاف الأهالي لقب صوفي عليهما ليصبحا الصوفي علو والصوفي أحمي. كانا الأخوان الصوفي يعملان في العتالة، ثم كباعة متجولين، حتى أمسى بهما الحال إلى الإتجار بالبصل اليابس الذي أدى بهما إلى خسارة فادحة جعلت شرخاً بينهما، ليتخذ فيما بعد أحدهما وهو الصوفي “أحمي” قراراً بالرحيل صوب الشمال، بعدما وجد نفسه محاصراً من سخرية الناس الذين صاروا ينعتوهما بلقبهما الجديد  “الصوفي بيفازو” ، فحمل الصوفي أحمي خيباته في ليلة دامجة، وعبر الحدود مع المهربين صوب الشمال، المعروفة بلسان حال الأهالي بـ “سرختي” أي المنطقة الواقعة في الطرف الشمالي للحدود السورية التركية التي رُسمت بيد مارك سايكس الإنكليزي وجورج بيكو الفرنسي في مطلع القرن المنصرم.

 يصلُ الصوفي أحمي إحدى القرى النائية على أطراف ماردين ليحل ضيفاً على شيخ الجامع، ومن ثم ليأخذ مكانه في رفع الآذان بعدما زوّجه الشيخ ابنته الوحيدة ويرحل عن دنياه الفانية، ليترك للصوفي أحمي الجمل بما حمل. بعد أن مرت الأيام وتلتها الشهور والسنين، تُفجع الجدة خاتون بفقدان ابنها الصوفي علو في عامودا بحادث وقوع أكياس الحنطة عليه، بعدما أصبح أباً لطفلٍ سمّاهُ هوار، فتقرر الجدة خاتون الرحيل صوب الشمال للبحث عن ولدها الراحل الصوفي أحمي، بعدما عرفت أنه أصبح شيخاً لجامعٍ في إحدى القرى المنسية على أطراف ماردين، لتبدأ رحلة معاناةٍ جديدة للبحث عن الحياة مع حفيدها هوار الذي تجاوز ربيعه العاشر، فتجوب الجبال والقرى لتصل مرادها حيث القرية التي يقطنها الصوفي أحمي، لتعود أدراجها من جديد بعدما أبى الصوفي أحمي العودة معها إلى بلدة عامودا.

 بعد محاولات عِدة في إقناع ولدها الصوفي أحمي بالعودة لعامودا، شدت الجدة خاتونة رحالها لتعود أدراجها خالية الوفاض، حتى ينتهي بها المطاف لتُلفظ أنفاسها الأخيرة برصاص حرس الحدود الأتراك، وهي تقص على حفيدها هوار قصة جده الذي أصبح ضحية الحسد والغيرة المجتمعية حين فقد حياته وهو يدافع عن ماله وعِرضه عندما اقتحم اللصوص منزلهم بغية سرقة أمواله المبالغة فيها من قِبل القرويين.

رهائن الخطيئة، رواية مبسطة لا يستعرض فيها الكاتب عضلاته اللغوية ليُدخل القارئ في متاهة يعجز الخروج منها، ولا يتكئ على الجُمل المنمقة التي تأتي غالباً على حساب إيصال الفكرة المرادة منها، لربما كانت الرواية أحادية الجانب حيث غاب عنها عنصر الشر، وعنصر التشويق كان هزيلاً فيها، والحبكة القصصية ضعيفة أحياناً، لكنها بالمجمل رواية سردية اجتماعية تشرح معاناة وكفاح المرأة في مواجهة عجلة القدر، وترفع الغطاء عن التخلف العشائري الذي كان ومازال يقزّم المرأة، ويجعلها لقمة سهلة الهضم للمجتمع الذكوري.

رهائن الخطيئة، رواية تأخذك إلى بلاد ما بين النهرين، إلى حيث رائحة خبز التنور الطازج، إلى حقول القمح وعبق التراب ما بعد المطر، إلى الألم المرير الذي فُرض على أبناء وبنات ذات المنطقة والجغرافية الواحدة، حين قسّمها سايكس بيكو ليفصل بين الأخوة وابناء العمومة، ويترك جُرحاً بليغاً يمتد لعشرات العقود.

يذكر أن رواية “رهائن الخطيئة” صدرت عام 2009عن دار التكوين في دمشق.            

 

Hits: 4