شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قراءة في رواية “حبّ من عمر الآلهة” لـ أنجيل الشاعرـ زيدان عبد الملك

30

 

 

 

بدءاً، من (الغلاف)، أبدع الفنان حميد نوفل في الغوص بعمق الرواية وتحويلها لوحة فنية، اللوحة أنثى عركتها الحياة، منهكة، ثوب أحمر متماوج.. نهدان بارزان ينمّان عن أنوثة عاشت شغفاً، تتكئ على صندوق مقفل يحفظ في داخله سراً دفيناً لم تكشف عنه، تركته للأيام، وهيكل عصفور رأسه يد تمسك قلماً يدغدغ مرفقها، وبجانبها كتاب مفتوح لنهل المعرفة، وأشياءُ مبعثرة. الشعر  ينسدل شلالاً من ظلمة ليل.. العينان جفناهما مسبلان، كأنّها شاردة تتناوم.. تستغرق في أحلام، أو تستذكر سيرة حياتها. هموم وانكسارات، وتحقيق ذات. من خلفها رجل راحل يعترضه حاجز في جوّ عاصف، ألوانه متداخلة تتدرّج من الأصفر المشوب بالحمرة في يسار اللوحة إلى البنيّ والأخضر فالموف الغامق المختلط بالسواد في اليمين. اللوحة يقطعها شبه منحرف قاعدته الصغرى في الأسفل، هو مسرح أحلامها، بياض تخترقه خطوط متعرّجة على خلفية مشوبة بالبنيّ، درجاته متفاوتة، وعلى يسار اللوحة مجموعة صور باللون الرمادي تختزل مراحل حياة البطلة، أحلامها وهمومها، انطلاقاتها وإخفاقاتها، عنادها ورفضها ورضوخها. اللوحة تقبع على خلفية كحلية غامقة حتى السواد  إشارة لمجتمع تسوده ظلامة الفكر والمعتقدات، وعلى حافتها اليسرى، وفي الأعلى تتكرر الصور عينها بالرمادي الغامق. الرمادي لون محايد، لكنه في عمق اللوحة يسير مع عمر البطلة من الثورة إلى الغموض وعمق المعاناة، وتشظي الأحلام. فوق اللوحةِ كُتبتْ الكلمات باللون الأصفر  وتدرجاته، اسم المؤلف، والعنوان بلون أصفر أبهته الزمن، وتحته على اليسار دائرة صفراء بداخلها (رواية) بالأسود، وفي الأسفل مستطيل عاجي يحمل اسم الناشر (دار ظمأ). تداخُلُ العنوان ودار النشر مع اللوحة على صفحة الغلاف من (حبّ… ظمأ) يبدو للمتأمل فيما بينهما أنّه يقرأ الرواية كلَّها ملخّصة في لوحة.

(حبّ من عمر الآلهة) عنونة تدفع للتساؤل، هل للحبّ عمر؟ متى يبدأ، ومتى ينتهي؟ وهل للآلهة عمر، ميلاد وحياة وانتهاء؟ أيكون الحبّ، مثلها، يولد ويموت أم هو خالد خلود الكون؟

في الأسطورة، أسطورة الخلق، الإنسان الأول جُبِلَ من طين، تراب وماء، ولمّا استوى خَلْقاً أُخِذَتْ ضلعُه الصغرى فتكوّنت أنثى بشراً سوياً، هي نصف الوجود.. لطافته.. وجماله.. ومسحته السحرية. من رحمها تُبعَثُ الحياة، ومن قلبها يُمتَحُ الحنان، فيفيض الحبّ، ويزهر الربيع، وتُجنى الغلال؛ لكن عليها ألّا تنسى الموروث اللاصق في اللاوعي “أنا الله يا سهى لست أنثى، فأنتِ بدايتي ونهايتي، وأنا بدايتك ونهايتك” ص62.

الأستاذ جاد الكريم الجباعي يرفع العنوان شعاراً “الحبّ أقوى من العدم، وأسمى من الطين؛ كلّ لحظة من لحظاته ميلاد جديد، وموت جديد، وتشكيل جديد، ابتداؤه هو الابتداء، وانتهاؤه هو الانتهاء” ص7، وهذا السحر، لا حدود لبدئه ولا لانتهائه، والأنثى، الأرقّ والأجمل والأكثر حساسيّة للحبّ في العلاقة الإنسانية، تقول سهى “أنا مريضة بالذاكرة، مريضة بالنساء، كلِّ النساء، متورطة بالحبّ، بل مريضة به، أحبّ مرضى وأدافع عنه…” ص9. وقد عاشته، وسكرت به حتى الثمالة.

سهى ولدت في قرية من ريف سوريا، نمت وترعرعت، أحبت جورج شاباً لبنانياً، يختلف عنها ديناً ومعتقَداً، أحبّته بصدق، ومنحته قلبها وروحها والجسد. تكسرها الظروف.. تتزوّج سعيداً ابن عمها المغترب، يتحكم بها، تكتشف في مكتب الهجرة ما يجعلها تقف على قدميها، تتقوّى ويتراجع، تثبت ذاتها فنانة، وبعد سبع سنوات ينفصلان. تعود إلى الوطن ولحضن الحبيب، تعيش أيام السعادة سنتين تنهل الحب مترعاً. يكشف الموروث العقدي عن ناجذيه، ومثلما أفشل حبَّ أخيها بشير وتيريزا، يُفشل حبهما، ينكسر حبيبها، ويكسرها، يتخاذل.. يرحل عنها تاركاً في رحمها بذرة حبهما، وأمل حياتهما؛ لكنّها لا تنكسر، تبقى سنديانة تواجه الحياة، وتلد الأمل. رأت النور صغرى العائلة بعد ذكرين وبنتين، أحست بألم الأم وصبرها، تنفّستْ حنانها، وقسوة الأب وتسلطه في مجتمع أبوي محمّل بعادات الذكورة وتقاليدها. بين الحنان والقسوة، والحبّ والكراهية عاشت ثنائية على مدى مسرود الرواية، ثنائية ضديّة تتقابل فيها الذات مع الذات، وتتقابل الذات مع الآخر، تتقاطع وتتواصل، تختلف وتتوافق، تتباعد وتتقارب، تحب وتكره، تتواجه وتتحاور، تثور وتهدأ.

وهي في خط السرد الروائي كمن يمشي في الشارع، يرى المارة، بعضهم يمرون دونما اهتمام، بعضهم يلقي التحية، وآخر يسير معه شوطاً، وبعضهم يرافقه ويقاسمه البيت، وآخر يشاطره غرفة نومه. هكذا مرّ بها عديدون في حياتها، بعضهم لا يحتاج إلّا لذكر الاسم، وبعضهم ترك أثراً “لولوة وكارلوس” وآخرون عاشوا معها قليلاً أو كثيراً الأب، وسلمى، وليندا، وبشيرة، والأم، وسعيد وجورج…”

مسيرة حياة عاشتها شخصيات الرواية، سهى الشخصية المحورية تبدو ثائرة على الأنوثة منذ الصغر، مندفعة لتعيش الحياة بكل ما فيها من فرح وأسى، تواجه مصيرها، تنكسر وتنهض، تُخذَلُ وتتجلّد، ذاكرة قوية تلتقط المواقف، والعبارات، تختزنها، وتبثها ساعة يلزم البثّ، تتلقى الضربات وتصمد، تقاوم وتنتصر، عانت من الألم الذكوري منذ نعومة أظفارها وحتى آخر أيامها، حياة بين المحبة التي نمّاها حنان الأم وانكساراتها مع تسلط الأب، والأخ، والزوج، والحبيب. صادقة في حبها، تُصدَمُ فتغفر وتعفو، سمحة في كراهيتها لمن ظلموها، وظلموا أنفسهم كما ظلمت نفسها أيضاً؛ لكنّها صحت على حقيقة لا يمكن نكرانها: أنّ الحرية تنبع من الداخل تقول “رفضتُ أن أحرر نفسي بيد غير يدي وعقل غير عقلي” ص 128.

عاشت في مجتمع أبوي معزز بموروث الذكورة، له أفكاره، وعاداته، وتقاليده، ومثله. المرأة فيه مهيضة الجناح، مجتمع ذكوري يرى المرأة مفرّخة أطفال مقموعة، وجارية تخدم، والرجل إله يأمر فيُطاع. تقول الأم جليلة “كلّ ما حولنا له سلطة الكلام، والرجال لهم امتلاك زمام أمورنا، ونحن لا نملك سوى الدخول إلى الحمام بدون استئذان” ص23، وتبقى قاصراً مهما كبرت، حتى وإن صارت أمّاً…”، “تعالي يا ابنتي فأنا وأنتِ قاصرتان لم نبلغ سن الرشد بعدُ” ص78. عندما منعوها من اجتياز الحدود لأنها لم تجلب موافقة الأب على سفر سهى برفقتها. مجتمع متناقض تبحث فيه عن “حبّ الكون، حبّ الجمال، وحبّ الحق الذي ضيّعه البشر في الحروب، ضيّعه في الانتقام، في الهجرة في الكره؟” ص19. ومقسوم على نفسه معتقَداً “الضيعة مقسومة نصفين كما شاطئ الرملة البيضاء تماماً، مع اختلاف بسيط، الضيعة مقسومة بين المسيحيين والإسلام، أمّا الشاطئ فمقسوم بين الإسلام والإسلام” ص 199.  مجتمع يجيز للذكورة ما يخدم مصالحها “القانون الذي لا يجيز الزواج بالإكراه، هو ذاته الذي يخفف جرم القاتل بحجة الدفاع عن “الشرف الرفيع”… ” ص91. مجتمع يكذب أبناؤه، يخافون من بعضهم، ويدارون شرفهم الضائع، ويدفع الضعفاء (النساء) الثمن باهضاً، يقول سعيد لسهى بعد اعترافها له “لن أعيدكِ الآن من حيث أتيتِ ليس من أجلك؛ إنّما من أجل شرف العائلة، كي لا تصبح قصتنا على ألسنة الناس… ” ص167.

في هذا الوسط الاجتماعي نمت سهى، أحسّت بألم أمها، فنقمت على المجتمع، وعلى أنوثتها، تقول “كرهتُ نفسي وكرهتُ أختيَّ، حتى أمي بدأت أكرهها، قررتُ ألّا أكون كسائر فتيات القرية، فهمتُ اليوم أنني قررت ألّا أكون حواء” ص35. وتخرج عن المألوف” تجرأتُ على الخروج عن طاعة سيد القوم، كنت أريد استرداد طفولتي… قررتُ أن أصبح ذكراً صغيراً، يلعب في الأزقّة دون رقيب…” ص81. فتقص جديلتها، وتدفن ثيابها الأنثوية، وتنقم على الأب، وتكرهه لإحساسها أنه يكرهها “أبي أكرهتني لأنني ولدتُ أنثى…” ص25. وهو راعي البيت، وزوج أمّي كما تقول، يحسب الأنثى نعجة، ويرى “كل النساء محظيات للرجال، أكره ذاك الراعي، وما زلت أكره القطيع وأكره الرعاة” ص25.

ويزداد كرهها بعد موت ليندا، لأنها خرجت دون غطاء رأسها متجاوزة أوامر الأب الذي “لا أحدَ يستطيع أن يتخطّى حدود الأبوة في نظره، وهو الزارع والحاصد” ص26. يصرخ بها “لينداااا عودي إلى هنا في الحال” ص45. خرج غاضباً “لفّ شعرها الطويل على يده الثخينة، وسحل ليندا على الثلج” ص45، ولم تشفع حماية الأم لليندا أن تسقط ميتة خوفاً ورعباً لرؤية حزامه ينفك. هذا ما فجر صرخة بشيرة تعبّر عن كرهها لأمها، ولأبيها، ولأخوتها، ولليندا، ولسهى على ما لاقوه “لماذا لا نموت نحن نساء القرية جميعاً دفعة واحدة، فتبقى القرية للرجال فقط، يحبلون ويلدون ذكوراً كما يريدون؟” ص46، ويذكرها بموت سلمى ضحية حمزة السلمان الذي منحته أعز ما تملك، قتلوها، اختفت “قالوا إنها غرقت في بركة ماء” ص35، تلك الجريمة بررها الشيخ جابر بقوله “الأصبع العايبة قطعها حلال” ص66، بينما حمزة السلمان يمشي في القرية مرفوع الرأس دونما حساب ولا عقاب.

وتتقابل صرخة الأنثى مع ذكورة آدم الذي لم يقدّر، ولم يعترف لها بمشاعر المحبة. هَذَتْ جليلة عما سكتت عنه، ولم تستطع التصريح به علانية “أبحثُ عني فيكَ، وأبحث عنكَ فيَّ، لا تقبّلني وأنتَ تمارس اغتصابي، قبّلني في غيبوبتي وأنا لا أراك” ص60. وتخاطب الرجال “ارفعوا الستار عن عشتار، لا تقتلوها، ارفعوا عن رأسها غطاء العقل، عرضوها للنور…” ص59. هذا ما هَذَتْ به جليلة ولم تفعله؛ لكنّ سهى فعلته، وهي طفلة، حين قصت شعرها، ودفنت أنوثتها، وفعلته وهي شابة، تمتلئ حيوية حين تمرّدت على كل التابوهات، وأحبت جورج، وذابت فيه، وساعة اعترفت لسعيد بفقد عذريتها تعبيراً عن عدم رضاها منحها جسدها له طواعية.

تلك العلاقات المتشابكة والمتقابلة عاشتها أيضاً مع سعيد عندما تآمر مع أخيها فاضل، وبمباركة شاهر وريث العائلة والمتحكم بها وصمت بشير؛ ليتمّ عقد زواجها المزور. ليلة زفافها تذكرت وصية أمها “كوني أنتِ أينما كنتِ” ص101، منحتها القوة، كيف تمنح جسداً وهبته حبيبها لسعيد الذي لم تحبه. نادته “سعيد… أنا ثيّب” ص101. هزته عبارتها، تقمص شخص والدها، وغاب فيه “عاد وحشاً جائعاً لفريسة طرية، انتهك وجعها، امتص منها ما تبقّى من رحيق الحياة” ص102، لتصبح ديكوراً في بيته، وصفقاته أمام الناس.

في مكتب الهجرة تكتشف عقد زواجهما المزور، يشتد عودها وتقرر من ساعتها “أنا أقدر، أنا أستطيع” ص151، وتخبره بما عرفته في المكتب.. يُصدم.. يتجلّد.. ويصمت.. تناجي نفسها”، صمتُ سعيد يشبه صمتي في أيام ضعفي وخيبتي…” ص152، تقول لسعيد “لن أكون عابرة سبيل في هذه الحياة، سوف أشحذ كل قواي لأكون أنا، لن أكون إلّا أنا بعد اليوم” ص156، وتتابع دراستها في الجامعة، وتثبت أنها فنانة يفخر بها وطنها، وأنها ستكون بلوحاتها “سفيرة سوريا في أمريكا والعالم” ص170.

أمّا جورج الذي أحبته بكل جارحة من جوارحها، ووهبته قلبها صادقة، وروحها، وجسدها حين يلتقيان ويعانقها، تقول “لم يكن عناقاً هذا الذي تعانقناه، كان اندماج روحين معاً في لحظة غابت فيها جميع الآلهة إلّا إله الحب والجمال” ص157، وتستذكر فرحتها وسعادتها متجاوزة التابوهات العقدية “يومها حككتُ صدأ التحريم والتأثيم عن روحي، فكان الحب، وكانت النشوة، وكان التحامنا وصلاً بين روحين استعادتا حقوقهما في تجاوز الحدود “فرحل عنا ورق التوت، وورق التين والزيتون وطور سنين” ص136، وتخاطبه معبرة عن شغفها به “أنت سمائي أيها الحبيب، تمطرني بمائك الغزير لينبت في صحراء روحي عشباً أخضر” ص89، لكنها لم تفقد عزتها عندما يصفها بالوداعة “أنا أرفض أن أكون نعجة حلوباً، تروي ظمأ البشر من ثَمَّ ينهشون لحمها بدم بارد” ص160. وتعترف أن “الحب فيه حياة وموت، موته لذيذ، وحياته مدهشة” ص94، وهو مَن قتل سلمى، ورماها بجحيمه أيضاً، عندما يتكشّف ضعف جورج ويرحل عنها بعد زيارته لأهله، ورفضهما لزواجهما مُبرِّراً “إن والده تنكّر له ولا يستطيع أن يغضبه وهو وحيده” ص161. يفعل الموروث العقدي فعله، فيجهض حبهما كما أجهض حب بشير وتيريزا من قبل، رغم اعترافهما أن الحب هو الله و”ليس له دين محدد، الحب إله لجميع البشر، ودين لجميع الأديان، له سلطانه وسطوته كما للدين سلطانه وسطوته” ص112.

رحل جورج بعد أن زرع في رحمها ثمرة حبهما الوهمي كما وصفته “وقد استبدل ورود حديقتي برصاص زُرع في صدري لكني لم أمت” ص200. أجهض رحيله ما بينهما، آلمها، ولم تنسه، لكنها قررت النهاية، كتبت له “ستكون هذه آخر رسائلي لك لأنك كسرتني برحيلك” ص194، واعتمدت على نفسها في متابعة مشوار صعب، وحياة ضنكة.

وتتقاطع أيامها وتتلاقى مع سالم الفنان السوداني في حب الوطن، والذكريات، هما متشابهان، وكلاهما مصدوم، هو يرسم ذبابة تخنقها خيوط العنكبوت، وترسم نقيضتها ذبابة يساعدها بلبل على الحرية والانطلاق، تسأله “لماذا تحمل بداخلك كل هذا العنف يا سالم؟.. لست أنا، هذا سالم آخر يعيش هناك في السودان، حيث كل الخراب، حيثُ يكون سالماً آخر…” ص178. في وطن سيفه مسلط على الرقاب، يسألها “ها قولي لي يا سهى؟.. لا أعرف يا سالم مَن الذي هجر الآخر، هل نحن هجرنا الوطن أم هو مَن هجرنا، اغتربنا عنه أم اغترب عنا؟ القهر ملأ قلبينا” ص179. وتتذكر ما قاله سعيد “الوطن علاقة تبنينها مع الآخرين فيسكنك وتسكنينها، علاقة حب وأهل وأصحاب… يجمعهم الفرح ولا يفرقهم الحزن” ص175، فالوطن ليس جغرافيا ولا شعارات تُطلَق.

وبعد معاناتها، والتفكير بمسيرتها الطويلة، وخبرتها في الحياة يبهت عنادها ويتضاءل، وتشرع بالتصالح مع نفسها والآخر، تتذكر كيف تغير سعيد وساعدها، ووقف معها، وعرّفها بحقيقة والدها وفضله، وكيف تحوّل جورج وخذلها، وأصبح فاضل لا يرفض طلباً لزوجه التي تتحكم بالبيت، وحمزة السلمان (جوزيف) الذي خذل حلم والده وسلمى يصبح فناناً باسم مستعار. والتوافق بين معاذ وجورج على اختلاف دينهما. تتذكر المواقف التي عاشتها، والناس الذين عايشتهم، تقول سهى “عدتُ تائهة من جديد، لم أعد أستطيع التركيز، الريح بعثرت أوراقي، حتى حلمي بعثرته، حلمي الذي حققته في بلد ليست بلدي، ساعدني الجميع في تحقيقه ولم أستطع أن أساعد أحداً منهم… كم أنا ظالمة، ظلمت العالم بأسره من أجلك، قد أكون ظلمت نفسي وأنا لا أدري… أمي ظلمت نفسها وظلمتنا معها… وأبي ظلم نفسه بقدر ما ظلمنا، كما ظُلم جدي وبشير وفاضل” ص19، وتتابع تذكرها “ابتسامة جدي تشبه ابتسامة أمي… كان يبدو لي في زيّه ووقاره كأنه شخص صنعته العادات والتقاليد كما صنعت أمي من بعده” ص24-25.

في آخر مقطع في الرواية تقف سهى أمام لوحاتها، وألم مخاض ولادة منتظرة يغزوها، تناجي نفسها “هذا هو الخالق يا أمي، كنتِ تعتقدين أنكِ جزء منه، أنتِ كلُّه، الإنسان هو خالق نفسه، وخالق الجمال والإبداع… ها أنا أخلق شمساً تنير ظلاماً مررت به، سأنساه كما نسيت جورج، كل ما أرغب به الآن؛ هو أن أستطيع أن أنثر ذاك الحب الساكن في داخلي منذ الأزل، على كل النساء اللواتي عانين من الظلم والقهر، وعلى كل الرجال الذين ظلموا أنفسهم دفاعاً عن ذكوريتهم…” ص216. ويستمر تفاؤلها بحياة جديدة، وبشمس قادمة.

عالجت الكاتبة واقعاً اجتماعياً عاشته شخصيات الرواية، وعرّته. كتبتْ بجمالية مصورة، ومعبرة عن قبح المجتمع، وأفكاره السائدة، وعاداته، ومثله، عن تمرد سهى على التابوهات، وثورتها على واقعها، ونضوج تجربتها، وتفهمها لواقعها، ومنحتها مساحة كبيرة للتعبير عن نفسها، وعن الآخرين كما تراهم بعينها، وبأسلوب امتاز بالمرونة في خلخلة الزمن السردي بالانتقال من اللحظة الحاضرة إلى الماضي، والعودة إليها ثانية دون إحساس بذاك التخلخل والانقطاع، وقفات تقصر وتطول أحياناً لاسترجاع الذكريات والأحداث، فلم يأتِ الزمن متسلسلاً؛ إنما خضع لعالم سهى النفسي، وإحساسها باللحظة لتشرد في الانتقالات الزمنية، لتصبح ساردة لسيرة حياتها الذاتية، وعلاقاتها مع الآخرين.

براعة في السرد، ودقة في الوصف بلغة شاعرية، وصور واستعارات “كان ظل أمي على صورة فراشة بلا أجنحة، عاجزة عن الطيران لتلعق من الورد عطره، وظل بشيرة كان كدودة تسحل على الجدار راسمة خلفها خيطاً رفيعاً أحسبه دماً، أما ظل ليندا فكان على شكل عصفورة مذبوحة تفرد جناحيها…” ص34، ومتفاعلة مع المحيط تلجأ إلى التصوير وأنسنة الجماد، والحيوان كما في “سمعتُ أنين الطبقة السابعة من الأرض، أنين حريتها المغتصبة سمعت أنين الزواحف في جحورها… ” ص43 أو في تهويمة شاعرية “أنا الآن أحلق عالياً في السماء، أمتصّ لونها الأزرق حتى الارتواء، أحمل شموع الحب إلى الله، فيقف معتذراً إليّ عن تدوين الحكمة على الورق الأصفر” ص61، وكما في “نحن كالماء نتلون بلون الحبيب… نحن كالفراشات حين تثق بالوردة وتنسى شوكها… أو كما تثق بالنور الذي يحرقها ويحولها إلى رماد” ص85، وأحياناً تعتمد نثرية مموسقة بإيقاع شعري مستخدمة تكرار الألفاظ “اشتقت إلى نفسي، اشتقت إليها كثيراً، اشتقت إلى أنوثتي الساحرة” ص60، وكما في “فاضل سرق إلهي، سرق عشقي، سرق سمائي الزرقاء” ص 85. أو في بحثها عن الآخر “أبحث عني فيكَ، أبحث عنكَ فيَّ، لا تقبّلني وأنت تمارس اغتصابي قبّلني في غيبوبتي” ص60.

والملاحظ أن البيئة الاجتماعية التي عاشت فيها شخصيات الرواية تركت آثارها عليهم، فجميعها تعاني من إرهاصات القمع، القمع الخارجي الاجتماعي، والقمع الداخلي النفسي، وكلّ منها حاولت أن تجد طريقة أو وسيلة ما لمتابعة عيشها، فبحثت عن صيغة للتلاؤم مع محيطها الاجتماعي، وتصالحت معه، ومع ذاتها؛ عدا جورج الخاسر الذي رحل دون أمل بالرجوع.

سرد سلس، ولغة عذبة رشيقة يأخذان القارئ في رحلة ممتعة، يستهويانه ويشدانه للمتابعة حتى جملة القفل، الجملة التي حملت التفاؤل، وحلقت به في فضاء بلا حدود، عندما تتصل سهى بفتاة البحر تستحثها: “يبدو أنني سألد يا ليندا أسرعي بالمجيء… ” ص217. جملة حملت تباشير الأمل والتفاؤل بميلاد جيل جديد قادر على التغيير، وتحقيق الحلم بمجتمع زاهر، وحياة أجمل.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  صدرت رواية “حبّ من عمر الآلهة” عن دار ظمأ، السويداء، الطبعة الأولى 2020م.

Hits: 4