شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

تاريخ المسرح السوري ـ فواز محمود

37

 

 

“عندما توضع الكلمة والفن في شنطة سفر.. حينها يصبح الوطن بالنسبة لنا سراباً”.

 

ليس من قبيل المبالغة القول إن البحث عن هوية المسرح في سوريا قد غيب بسبب الواقع المذري الذي يعانيه راهناً، لذا علينا أن نعيد  النظر حول بدايات المسرح السوري.

المرحلة الأولى “التأسيس”

بدأ المسرح السوري مع بداية المسرح المصري في منتصف القرن التاسع عشر، فقد كون اثنان من مهاجري الشام (مارون النقاس وأبو خليل القباني*) فرقاً مسرحية في مصر تتكون من أبناء الشام، وكانا يقومان بتأليف النصوص المسرحية التي تمثل محاكاة بدائية للمسرح الكلاسيكي الفرنسي مستمدة من التاريخ العربي، وكان ذلك سنة 1896 أو 1900، وكان يقوم بالأدوار النسائية في هذه الفرق غلمان اشتهروا بجمالهم.

نستطيع القول، إن الوقفة مع تاريخ القباني هي بداية المسرح في سوريا، فهو أول من وضع لبنة في صرح المسرح الحقيقي ذي النكهة القومية لا في سوريا فحسب وإنما في الوطن العربي ككل.

لم يتقيد أبو خليل القباني بالقالب الغربي، بل ولدت بين يديه (المدرسة الشامية) التي أصبحت نهجاً للمسرح العربي ومثالاً يقتدى به لفترة طويلة.

بدأ القباني مسرحه بقدرات ذاتية، فهو الذي ألف ولحن وأخرج وعلم التمثيل لمن ساعده، ولجأ إلى التاريخ العربي يستوحي منه حكاياتها التراثية المليئة بالحِكَم والعِبَر، وإرثها الشعري الضخم.

لقد كان القباني من عمالقة التقدم والنهضة في عصره، فالتشخيص في بعض التفسيرات كان في زمانه “زندقة وكفر”، إلا أنه كافح بإقدام وشجاعة، ليضع أسس وتقاليد المسرح. وعلى الرغم من أن الناس لم يأخذوه على محمل الجد في بداية الأمر، إلا أن القباني حرص على المسرح كفن جديد يضحي من أجله بالغالي والرخيص.

واستطاع القباني مع فرقته أن يواجه بلاداً متطورة، حيث قدم مع فرقته في شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية شيئاً من فنه أثناء رحلته، وهكذا يعكس جدية القباني باحترامه لمسرحه أمام جمهور متمرس على رؤية مسرح متطور، وعلى هذا الرائد سار كثيرون، ومن معاصري القباني (إسكندر فرح) الذي أهاب به الوالي مدحت باشا أن يعاون القباني في عمل مسرحي استأجر (جنينة الأفندي) بباب توما في دمشق ومثلا فيه رواية (عائدة)، يومها أمده مدحت باشا بمبلغ عشرين ألف قرش من عملة دمشق ليشتري ملابس للممثلين، فأقبلت الجماهير على سماعها يومها.

أخذ القباني واسكندر فرح يومها أن يجدا روايات أخرى نزولاً على رغبة الوالي، وما كادت الفرقة تمثل (رواية أبي الحسن المغفل وهارون الرشيد) حتى قام بعض المشايخ على قفل مسرح القباني.

وإذا اعتبر المؤرخون إغلاق مسرح القباني بداية مرحلة الركود، فإن حقيقة الأمر لم تكن كذلك، لأن المسرحيين السوريين ظلوا على وفائهم للفن القباني.

المرحلة الثانية “الاحترافية”

يمكن القول أن هذه  المرحلة في تاريخ المسرح السوري هي أكثر المراحل تعقيداً وصعوبة، لأن مصادرها نادرة وخاصة ما يتعلق منها بولادة فرق أو ظهور ممثلين وذلك لأن بلاد الشام مرت في مطلع القرن العشرين وحتى الحرب العالمية الثانية بسلسلة التغيرات السياسية والاجتماعية استقطبت جهود المثقفين ودفعتهم إلى ميادين أخرى.

ظل تزاور الفرق بين سوريا ومصر ولبنان مستمراً، حيث أخذت الحركة المسرحية طابع الاحتراف التجاري،  ومع ذلك يبقى الحديث عن هذه الفترة حول مسألتان:

1ـ حركة التأليف والترجمة المسرحية: لا في سوريا فحسب بل في معظم البلدان القريبة، وتنطوي هذه الحركة على مبدأ أن المسرح الجاد مفقود في هذه الفترة، وأنها ظهرت كرد على هزليات المسرح التجاري والتعويض عنها.

2ـ تأسيس النوادي: حيث أنشأت نوادي مسرحية من الهواة، ومن الأسماء اللامعة التي ظهرت في تلك الفترة المرحوم عبد الوهاب أبو السعود الذي يعتبر من رواد المسرح السوري، فقد ألف ومثل وأخرج عدداً كبيراً من المسرحيات في إطار النوادي المسرحية.

إضافة إلى ذلك ظهر المسرح المدرسي الذي بني على أيادي مثقفون من مدرسين وطلبة.

وإذا  كان ثمة ملاحظة على هذه المرحلة، فهي خلاص المسرح السوري من المدرسة الشامية التي خلقها القباني والعودة بالمسرح إلى شكله المتعارف عليه بحذف الرقص والغناء والاكتفاء بالحركة المسرحية والحوار.

الواقع الراهن “فقدان الهوية”

لقد فقد المسرح السوري هويته الخاصة، وراح يتخبط مع أمواج التطور الذي طرأ على المسرح، أبرزها الاحتكاك بالحضارة الأوروبية بشكل غزو ثقافي يزرع في النفس العربية الاستهانة بالطابع المحلي.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* هو أحمد أبو خليل بن محمد آغا آقبيق. ولد وتوفي في مدينة دمشق (1833 – 1903م). ولُقب في عهده بالقبَّاني لأنه كان يملك قبّاناً. وهو عم توفيق القباني والد الشاعر السوري نزار قباني. يعتبر أبو خليل القباني أول من أسس مسرحاً عربياً في القرن التاسع عشر في دمشق.

 

 

Hits: 4