شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

امرأة على سفح شرمولا؟!.ـ داريوس داري

27

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التقط من الناس حياتهم آلاماً وأفراحاً لتتحول دوماً في روحي ودنيا أحاسيسي جداول خير وأمل…

أقر واعترف وأنا بكامل قواي..؟

من بين مليون امرأة هناك امرأة واحدة بهذه الصفات.

نعم قد لا تصدق، امرأة لا تشبه أي امرأة بتفكيرها، بحديثها, هي مميزة بكل الصفات. صافية كقطرات الندى, شفافة كبلور السراج، دائمة الابتسامة، تمتلك كنوزاً من الدفء والحنان، لها صفات الملائكة, تصدق كل ما يقال وما لا يقال، بريئة بهمساتها مع الآخرين، قلبها أكبر من الدنيا تتسع لكل الكائنات، ما عدا الكره والخيانة لا يعرفان طريقهما إلى قلبها السمح، صغيرة مع الصغار وكبيرة مع الكبار.

جسدها نحيل، لكن وجهها غير شاحب لم ولن تستسلم للأعاصير أو لانقطاع التيار الكهربائي أو للغوغائيات، قوية بضعفها، ابتسامتها تقهر كل الأمراض القادمة من الوجوه العابثة والحاقدة. ولا أحد يعرف بأي شيء تتألم على كل المخلوقات. والجدير بالوقوف عنده، أن هذه السيدة لا تجهل قوانين الطبيعة.

تؤمن بمخلوقات المرئية ولا المرئية وبالفناجين المقلوبة وبقراءة الكف.

استيقظت في الصباح على موعد مع رقعة التراب منزلها الصغير الذي أصبح  يشكل معظم عالمها ليلامس مع وردها حباً مباشراً .. فوجئت بفراشة ملونة حائمة في حديقة منزلها لم تعرف متى دخلت، تنطح زجاج النافذة وهي تنظر إليها والابتسامة لا تفارق وجنتيها الشاحبة، فتحت لها النافذة والباب معاً وهي سعيدة بزائرتها، انبتت الفراشة الإشراق في أعماق نفسها، وعندما خرجت إلى رقعة التراب كان الهواء بطيئاً يترك ضباب الصباح على الشارع يطبع بصماته الندية متلألئة على ذكرياتها القليلة المتبقية تحت الشمس الدافئة .

مشهد الصباح طوف ذاكرتها بالصباحات الموغلة وراحت تحن إلى ذلك الصباح الذي كان فيه الهواء يسحب ضباب الوادي ويشف عن فراشة هائمة بين الصخور تتنهد بأسى للفراشة التي كادت الأيام تيبس ذكراها وراء ظهرها ، وها هي اليوم ترف أمام ناظريها وتتبعها.

تبدد الضباب أخرجت ذاكرتها من عنق الأيام التي لم تعد لها أي معنى ولا طعم، خرجت إلى الشارع بحثاً عن الفراشة أسندت رأسها على زاوية الباب ترفع عينيها إلى السماء ثم تلتفت يساراً ويميناً، الشوارع خاوية من المارة كأنه ممنوع التجوال، تحدث نفسها أين الناس.. أين البشر.. ماذا جرى لعقولهم.. أين ذهبوا، هل يفعل الفقر كل هذا ويشتت أهل المدينة بهذا الطريقة البشعة ويترك الباقين أسرى الهموم والجوع، لا يرغبون بمغادرة منازلهم طالما هم لا يملكون ثمن صفيحة مازوت لموقدهم حتى يحاربوا درجة الحرارة 3 تحت الصفر، وكذلك لا يملكون ثمن نصف كيلو خبز فلا يبقى أمامهم سوى التحصن تحت البطانية المهترئة واشتغال المعدة الخاوية بالعلكة، ولهذا تحولت البلدة إلى مدينة أشباح حتى الكلاب لم تعد تأتي إلى شوارعها ليلاً لتنبش القمامة بحثاً عن الفضلات كما كانت تفعل أيام زمان، ولكن اليوم فأن الناس هي التي تبحث عن فضلات الكلاب!! التي عبرت الحدود مهاجرة إلى بلدان تتوفر فيها عظام العز والكرامة .

لمح أحد الصبية يتربص بعصفور على شجرة الصنوبر نظرة صياد ماهر يقرفص أحياناً ويقف أخرى. العصفور لا يهدا على غصن آخر، فيرخي الصبي المطاط ويغير مكانه دون أن يحدث أي ضجيج إلى أن أطال العصفور مكوثه على الغصن فشد الصبي المطاط مسدداً، هف قلب المرأة على أجنحة العصفور, فنادت الصبي بصوت مرتفع كي تعطي العصفور فرصة النجاة، فتظاهرت بأنها تنادي الصبي كي لا تجعله يشعر بأنها تعمدت الصراخ كي يفر العصفور:

هيه: هل والدتك في المنزل.

فر العصفور, التفت الصبي إلى مصدر الصوت المرتفع، وأجاب المرأة بنبرة غاضبة: لا؟…

قذف بقدمه علبة سردين فارغة وجدها أمامه، فأحدثت قرقعة عالية وهي تصطدم بحائط .

اعتذرت المرأة من الصبي: أنا أسفة من ما بدر مني لم أكن اقصد حرمانك من الغداء.

ولأن الفراشة الملونة لم تبارح رقعة تراب الحديقة الصغيرة، فقد بقي ذهنها معلقاً بالوادي تلاحق تلك الفراشة من مكان إلى مكان ومن قعر الوادي إلى سفحه.

وفي عز انفعالاتها على الطفل المسكين، هب الهواء قوياً فجأة، ضمت جناحي الفراشة إلى بعضهما وألصقتهما برقعة التراب لتتأملها عن قرب، فانقض عليها ذاك العصفور، وعاد إلى شجرة الصنوبر.

زعقت المرأة لأن كل شيء حدث بلمح البصر .

قبل الغروب كما في كل غروب تخترق الطرقات تتابع سيرها المألوف، تقودها خطاها إلى سفح شرمولا, والى صخرتها العتيدة, إنه مكانها المفضل، الذي شهدت فيه عاشقاً يودع حبيبته، تنظر إلى الأضواء والوجوه الخافتة, وتسمع صفير قطار قادم من المدينة المنزلقة، لتحمل بقايا وجوه بريئة، تتخيل إنها تسمع عشاقاً تنتظرهم محبوباً تهم في المحطة، لا أذكر أن في مدينتنا محطة أو قطار ربما هذا قطار دولة المجاورة، ترسل بصرها إلى أغصان أشجار الحديقة بعبيرها العذب, خضراء تتعانق، تتكاثف الأحزان في أعماقها غيوم سوداء.. لا مطر .. لا ربيع ..لا بشر.. لا …، رغم أشجانها الشرمولية, بقيت في كبريائها وشموخها وهي تدخل عقدها الرابع وردة تعاند عوامل الذبول، هناك شهدت طفولتها وصباها, واشتعلت نفسها بالوجد على هذا الهرم الشرمولي, وكم جالت في إنمائها الواسعة ترنو من حولها, انتبهت إلى شاب يمسك بيد فتاته يعبث معها لحظة الوداع، قائلاً: حبيبتي اعذريني ليس لدي حصانة ضد الفقر.

 

Hits: 5