شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

صلاة لذاكرة الماء!ـ محمد باقي محمد

30

 

 

 

 

 

 

 

إنّه الآن على كورنيش أوكلاند، هناك على مدّ النظر يترامى بحر تسمانيا، الذي يفصل  نيوزيلاندا عن أستراليا، وإذ تسوط مياه الشاطئ، يسّاقط زبده عليه كندف من الثلج، استكمالاً لحديث لا ينتهي بين الماء واليابسة، حديث نديّ مادته الأولية الماء بما هو نسغ الحياة، فيتنفس رطوبة ثقيلة على الأبدان، ليتفصّد جسده بالعرق، على البعد كانت شمس وانية واهية تعتزم التواري خلف الكثافة السديمية لسحر راح يزحف ببطء، وليتلوّن أفقها بلون أحمر حزين.. وحيد أنت، وحيد وغريب، وعلى نحو ما بائس، هذا ما تقوله النفس المُبهظة بتشوّفها والحنين إلى المُدرك لكن غير المُتاح.

هكذا – إذاً – أنشأ غير مفصل في حياتك يُستعاد.. إذاَ – عبثت بك الأقدار في تصاريفها، فألقت بك شرقي الأرض ككتلة بيولوجيّة رثة، هناك على حواف اليابسة، إذ إنّ المحيط الهادي لم يكُ يبعد عنك سوى بضعة عشرات من الكيلومترات، المحيط الهادي بجنياته وحكاياه وامتداده الذي لا يُحدّ، فهل كنت تعقل هذه النقلة!؟ هل كان ضميرك يرسم لها هيئة حتى في عالم الحلم!؟ ألهذا أخذ إحساس غريب يخامرك، إحساس بأنّك تقف على الحدّ الناتئ لليابسة، بعد أن كان في قلب العالم.. في سوريا، التي كانت تغفو كسنونوة على الخاصرة الشرقية لبحر توسط العالم!؟ أنت ما كنت تتخيّل خواتيم كهذه، لو عادت به الذاكرة إلى بضع سنوات!؟ المسألة – هنا – لا تتعلق بالرغائب، بل تتعلق بالظروف الخارجة عن الإرادة، تلك التي أكرهتك على ما لا تحب، أو بالشخصيّ الحميم في تماهيه بالحياة حين تناقض الأماني، حتىّ لكأنّها تعاندك! إذ شاءت الأقدار لابنك الاستقرار هنا، ليتحصّل على عمل في هذا الصقع النائي، كانت البنات الثلاث قد تزوجن قبل أن غادر البلد، وفي الوقت الذي كان قد تخففت من مسؤولياتك، وأخذت تعدّ نفسك لأن تعيش كما تشاء، بعد أن قطعت علاقتك بالوظيفة، وافتتح لنفسه “كشكاً” يلتصق بفناء كلية الآداب، مُتوهماً ريحاً رخاء أزف أوانها، باغتك احتشاء دماغيّ غشوم ذات فجأة، ليشّل طرفاً من جسدك، ثمّ لتتحسّن ببطء، لكنّك تحوّلت إلى إنسان مقعد وعاجز، إنسان يحتاج إلى الآخرين في أبسط احتياجاته، ولولا زوجتك الصابرة، تلك التي تنتمي إلى جيل معجون بطينة الوفاء والحنان وماء الصبر الرحيم، لكان طائر الموت قد حوّم فوق جثتك، يا للنساء إذ يتشرّبن الوفاء والإيثار والتضحية، فيما يُضنّ عليهنّ بكلمة طيبة أحياناً، لا لشيء إلاّ لأنّ المنظومة الذهنيّة الذكورية الفظة تدخل خدماتهنّ في باب المُسلّمات!

هو لن ينكر بأنّ أوكلاند مدينة جميلة، أنها كامرأة باذخة في حسنها.. بهية وصاخبة صخب بحر تسمانيا، الذي يتلجلج محاججاً على اعتقاله في حيز ضيق! سيتفكّر.. أنّها لا تقارن بمدينة الحسكة، تلك التي تقبع شمالي شرقي سوريّا على استحياء، هناك على تخوم بادية شحيحة.. بقرية السيكر – التي ينحدر منها – حين تزنرت بالطريق الواصل بين الحسكة وبلدة الدرباسية الوادعة، التي تغفو قرب الحدود، السيكر إذاً.. التي تربطه بها حبل السرّة، غير المفهوم، إذ إنّه لا يخضع للقياس الموضوعيّ، ذاك الذي يُؤكّد أو يُفند، وإلاّ فما معنى أن يوصي بدفنه في تلك البقعة العجفاء من الأرض، غبّ أن أنشأ التصحّر يزحف شمالاً، من غير أن يأبه بنشيج زوجته، أو أمارات الحزن والاحتقان التي غطت ملامح الابن! نعم.. هو لا يحتاج إلى التفسير لأنّه شبيه بالإنسان إذ يتفكّر بأنّه مركز الأرض، وأنّها – أي الأرض – إنّما تتمحور حوله!

بيد أنّك أوكأت المسألة إلى التناسي، ربّما لأنّ النفس التي كانت تعاف الغربة الممضّة كانت قد أتخمت بالمرارات، لكنّ اتصالاً هاتفياً من السفارة النيوزيلندية باغتك، ليبلغك بمراجعتهم غداً، ترى هل أزف الوقت!؟ تساءلت بقلق! وأحسست بأنّك رهين إعصار مزلزل، لأنّ زمن القرارات المرتبطة بالإرادة أو الرغبة قد ولى، ذلك أنّ بدنك خذلك في الهزيع الأخير من العمر، ولكن لماذا نُبتلى في أرذل العمر!؟ تساءلت.. إذ ما هي إلاّ أيام معدودات حتى أضحى ما كنت تخشاه واقعاً، على هذا فأنت مشروع مواطن نيوزيلندي، الهجرة! بدت الكلمة  ناتئة، غريبة في وقعها، حتى لكأن الأرض تقف على جنبها الجاسىء! هكذا لم يبق لأخيلتك إلاّ أن تودّع البلد، وكحاج يطوف بكنيسة المهد، أو عاشق حفظ زواريب لقاءاتك بأحبتك والزوايا، مرّرت بالمعالم الأثيثة على تلبّث، لتمرّ عيناك بالبشر والشجر، فهل كنت تروم حفظها في شغاف القلب إلى الأبد؟! هل ستراهم مرة أخرى؟! وبكلّ تأكيد وقفت بالكشك ملياً،!؟ فهل كانت الحياة تشقق؟! أم هي الأشياء إذ تفتقد القيمة والجدوى!؟ وطفرت من العينين دمعة كابرت طويلاً، فانتترت بعنف، أنت تعرف نفسك جيداً، إنّك كالسمكة إذ تُقصى من الماء!

الغربة.. وأشعرته المفردة بالعزلة والبرد والضآلة، لكنه كان يشكو البرد هناك أيضاً، أما كنتما تتقريّان دفئاً مُفتقداً في غياب الكهرباء وزيت الديزل أو أي وسيلة للتدفئة أو للإنارة !؟ ثمّ ماذا أيضاً!؟ انتتر بعنف، هو يعرف نفسه جيداً، إنّه كالسمكة إذ تُقصى عن الماء، حتى إذا فارقت الطائرة الأرض أحسّ بأنّ يداً عاتية جبارة لا ترحم تقتلع الفؤاد! كانت الأرض تتراجع بسرعة كبيرة، فيما كانت حياته تتراصف كشريط، الأحلام الكبيرات والخيبات.. الانتصارات الصغيرة أو الهزائم المُبكّرة، كل الأخيلة تواردت جلية، ألذلك شعر بألم حاد يمور في القلب حين أضحى الوطن بعيداً إلى الأسفل، ثمّ أخذ ينخطف إلى الخلف بسرعة!؟ وأنشأ ألمه يزداد مع إيغال الطائرة في سماء زرقاء وشزرة، كما لو إنّ أحدهم يضغط على عنقه بشدّة!

حسناً تعال لنتفكّر في المجتبى، في الربح والخسارة، ستجد إنّك خسرتَ وطناً – همس لنفسه – حفظته في شغاف القلب، وطن أعاد هندسة روحك على هيئته، لكنّك لم تتكيّف وبلد غريب بعد، لقد منحك هذا البلد الإقامة، وأعاد صلتك بابنك، لتلتم العائلة، ولكن متى ستتعلم لغتهم مثلاً!؟هذا سؤال يُقاس بما سيخلفه في النفس من عنت، متى ستأتلف مع روح المكان،  ومتى تتعلم عاداته.. ثقافته وتقاليده؟! وهل ستنجح في إقامة علاقات حميمة فيه!؟ أنت ما عدتَ صغيراً، والتكيّف في هذه السنّ المتقدمة ليس بالأمر الهين!

حتى إذ تعالت أجراس الكنائس مهيبة، استعاد الحالة في مكان آخر، فعرف بأنّه صباح الأحد، إذ ها هي أجراسها تدعو المصلين إلى ارتيادها، ولكن هل كان يتصوّر – هو المسيحيّ – بأنّه سيفتقد أصوات المؤذنين، تلك التي كانت ترفع في المآذن مثلاً!؟ لتبدو قريبة من القلب، وأنّ عينيه ستلوبان بلا هدف معلوم، ليتساءل بحَيرةً عمّا ترومه النفس من غير إفصاح!؟ وسيفاجأ حين يكتشف بأنّهما كانتا تبحثان عن يافطة مكتوبة باللغة العربيّة، نعم.. لقد اشتاق إلى تلك اللغة التي تكتب من اليمين إلى اليسار، إلى أسرارها البهية التي لا تتكشف إلاّ للشعراء والعشاق، حتى لكأنّها كانت تحنو على بعضها  في وله!

ولكن أليس من حقنا أن نتساءل كيف ائتلفت الحياة على هذا النحو المُحيّر!؟ وكيف ترتبت بهذا الشكل!؟ هل كان بحاجة إلى تجربة كهذه، ليكتشف بأنّها تنضوي على تناقض من نوع ما، إّنّها لا تعطينا كلّ ما نريده!

لقد خلّف النصف البهي من عمر وراءه، حيث تتأسّس الأحلام في براح الحياة، وماذا بعد!؟ إذ ها هو يعيش المكان في وجهه الباذخ، حيث، يضج بالصخب بالحياة، لكنّه يبدو عاجزاً عن التكيّف، فلماذا!؟ ترى هل تكمن المعضلة في الزمن أم فيه!؟ لا جواب، إذاً لتنتظر، لقد تأخّرت، هذا ما يتموّر في الجوّاني العميق من ذاتك المُسهدة!

حتى إذا استعاد حكاية ولادته، تداخلت الأمكنة والأزمنة والوقائع في مُخيّلة أمّه، هل كان الوقت ليلاً مُتلفعاً بعتمة مُخاتلة – مثلاً – أم نهاراً واضحاً في عريه كما تقول؟! لكنّها تتذكّر شيئاً عن رحيل الفرنساوي، لقد وُلد بعد رحيلهم بسنوات ثلاث! قالت.. وعلى نحو لا يطاله الشكّ كانت الداية سلطانة قد حضرت بـ “كاركترها” المألوف، مُلتفة بزيّها التقليديّ، أو بوجهها الأحمر كحبة طماطم، المحاط بلفحة تقليدية، أو بجسدها الأعجف الذي يتشبّه بشجرة نخرها السوس، ناهيك عن عصاها التي تتوكأ عليها! ذلك أنّ حضورها أضحى تقليداً شبيهاً بحكاية فولكلوريّة، لقد ولّدتْ أجيالاً من أبناء المنطقة باعتبارها الداية الوحيدة في محيطها، لذلك بدا منظرها مألوفاً، كان عليهم أن يستقبلوا المولود الجديد، فحضر إناء الماء الساخن، والمقص وقطع الأقمشة النظيفة! فهل كان العواء الوحشيّ لأمّك يشق عنان السماء!؟ هل كان العرق يتفصّد من كلّ خليّة في جسدها، فيما أخذت الداية تتحرى اتساع عنق الرحم كلّ حين، كان الآخرون قد تحوّلوا إلى حناجر ضارعة تستجدي رحمة غامضة!؟ وبسرعة فصلت الداية المشيمة، لتربط حبل السرّة، مُؤكّد أنّه – ككلّ المواليد الجدد – أسلم حنجرته لبكاء يحمل طابع الرغبة في بعد أن قام!؟  ثمّ إنّها – من كلّ بدّ – أمسكته من قدميه الشقيّتين، ليضحي رأسه إلى الأسفل، وضربته على مُؤخرته الحمراء، هل وضعتْ أصبعها في فمه، لتتحرّى قدرته على امتصاص الحليب!؟ هذا أكيد، هو يجب أن يعيش، ولا شكّ في إنّها سقته بالملعقة الصغيرة الماء المُحلى بالسكر، إلى أن يتدّور الحليب في صدر أمّه!

هي الذكريات تشيل لتستعيد كشكاً كانت الأقدار قد ألقت بك فيه، فاستأثر بعرقك لسنوات، ثمّ إنّه عمل سيتيح مساحة من الوقت، فلكي تمارس هوايتك أثناء انشغال الطلبة بالمحاضرات، فهيّء موادك الخام المكونة من الخشب أو العظم، تمهيداً لتسليمهما إلى مملكة الخيال الملهمة التي تبدأ بالحفر فيهما، إن كان أحدهما جاهزاً، حوار مديد كان يتناهبكما، ليخرج العمل في اكتمال بهائه، ثمّ إنّك كفنان يشتغل على أقانيم ثلاثة، الحق والخير والجمال، وجدّت نفسك محاطاً بالجمال مُكتملاً في جسد الأنثى الناغل في الدم بأبهى أشكاله، أو في روحها الرقيقة الشفافة!

كان الاشتغال على العظم مضنياً، فيما كان الاشتغال على الخشب أكثر مرونة، ربّما لأنّه رحيم وحنون، يستجيب للنحت فالحفّ والتنعيم بحبّ وشغف! وكانت القطعة تنجز بين يديه            الملهمتين، فتتنفس بالحياة في وجهها الجميل، ما يشعره بالرضى لحين!

كان عمله ينتهي إلى صديق، إذ يلحظ شغفه بالقطعة، لتنتهي بطاولة عامرة، فينتشي، وتخضلّ عيناه المحلقتين في سموات رخيّة!

ثمّ إنّ المحطات التي تمرّ بنا كثيرة، إلاّ إنّ تلك التي تنعطف بنا فيما يتشبّه بالتفلت أو الثورة نادرة، محطات الأمل هي الأخرى تدبج، ربما لأنّ الحياة بلا حلم مستحيلة، لا لأنّ الحياة شحيحة، بل لأنّها لا تدار كما ينبغي، ولكن من يستطيع إثبات ذلك!؟ ومن يستطيع نفيه،!؟ وأين الصواب فيما تقدّمَ من الخطأ!؟ بل ما هو الصواب!؟ وما هو الخطأ!؟ كيف يتحدّد هذا من ذاك!؟ ومن هو الحكم المُخوّل بالفصل!؟

ها أنت تستعيد إصابتك، لتمح التواء في فمك، كان كلامك مبهماً، فاتصلت زوجتك بطبيب من بني عمومتك، لتنقل إلى المشفى على وجه السرعة!

طبعاً أنت لم تفقد وعيك، لكنّ التحاليل والصور الشعاعية أقلقتك، كانت بصيرتك تسجل في دفتر دارها ما يحدث، هو المرض إذ يُطل بثقله، كانت الحالة واضحة، فأنت تعاني احتشاء في الدماغ، كما سيتضح لك فيما لاحقاً، هل كان الموت لصيقاً به إلى هذا الحدّ!؟ ما يعيه هو أنّ الجهة اليمنى لا تستجيب لأيّ حركة، في إشارة إلى شلل نصفيّ، هذا يذهب إلى إنّه سيحتاج إلى المساعدة، لكنّه – في التمييز والتفكر والتدبير – ما تزال يعقوب، ابن السيكر!

وحضره السؤال حاداً وجارحاً، لماذا تحل المصائب بنا حين لا نتوقعها!؟  ولماذا تأتي اجتماعاً على اتفاق غير مُبرَم!؟ وابتسم ساخراً، لقد كان سوء الحظ مُتوالجاً بفقرات عمره دائماً، فما الغريب في المسألة!؟

وإذ أنشأ يُعْمِلُ تفكيره في استبصار، ستذهب العواقب إلى أنّه لن يستطيع أن يُتابع عمله، فكيف سيعيشون مثلاً؟! كيف، ومن أين!؟ ثمّ لماذا!؟ لماذا يبدو التاريخ كأنّه يعيد نفسه!؟ ولماذا هو بالذات؟! لماذا أضحى عبئاً على ابنه؟ أهو عقاب أم قدر أعمى؟! ولكنّه لم يقع على جواب!

ما وقعَ تحوّلَ إلى حقيقة دامغة، إلى واقع، وما عليه سوى التكيّف معها، شاء ذلك أم أبى، ثمّ ماذا لو رفض!؟ قد يضاف الاكتئاب إلى الإعاقة الجسدية، إلهي هل تخليتَ عن عبدك المسكين!؟

هل كان يُعيد اكتشاف مريم، التي جمعت في إهابها الرقيق سمات الأم والزوجة!؟ نعم.. هي كانت ابنة خاله، لكنّ الطفلة التي غادرها للعمل كبرت، وتدوّر وركاها، فيما راح صدرها يُفصح عن نهدين لهما رائحة اللوز والياسمين!

ثمّ إنّ أباك قرّر ذات فجأة أن يهجر القرية، فهل كانت إيذاناً بانتهاء مرحلة لتبدأ أخرى!؟ قد يكون للرحيل عن القرية طعم الدفلى، اللقاءات المُتواطأ عليها، الأصابع المُتعانقة بوله، أو القبل المسروقة في غفلة عن الأعين، ستتحوّل إلى محض ذكريات ترضّ النفس، لهذا أخذت تفكّر في الارتباط الجدّي، أن تنشئ أسرة صغيرة، زوج وزوجة وأطفالاً!

على فراشك – إذاً – أنشأت تستعيد مراحل من طفولتك، لتعيش التوزّع، إذ أين اليوم من البارحة، فأنت لم تكن بعيداً عن ألعاب الصبية أو شقاواتكم، لهذا كنت تسابقهم على تخوم البيادر، المقبرة هي الأخرى كانت كنزكم المهيب والجليل، إنّها محلّ رهاناتكم، كأن تزوروها ليلاً، فتتوهّموا هسيساً مبهماً صادراً عنها، وتدور حولها حكايات وشائعات، هل كنتم تبتكرون الجديد من تحت أظافركم؟! أنتم لا تعرفون صكوك الملكيّة، لهذا يتحوّل جديدكم إلى ملكيّة عامة، ومن كلّ بدّ كنتم تتلقون العقاب لهذا السبب أو ذاك، ولكنكم لم تمتنعوا عن سرقة البيض من قنّ أهاليكم، ولا أن تتطاولوا على دجاجة مسكينة، تبدأ بوقوقة في رعب، ذلك أنّكم باغتموها بعبثكم الثقيل في قنّها، لتبتعدوا بها صوب البيادر، وتذبحوها، وقد تتسللون إلى دار أحدهم، فتلتهمون شيئاً من اللبن الخاثر، لكنّ الأمّهات الرحيمات يخفين ما حدث عن الآباء، فيجنبنهم من العقاب!

وبالغريزة كنت تقترب من ساحل تسمانيا، لتجاور البحر الغامض، الذي يتنفس نسيماً مُنعشاً، مُتجاوزاً الرصيف جهات الصخور التي تهم بأمواجه – في وله، فتشي بكرّ وفرّ على سطوة وعناد، وها أنت تعيش التوحّد الناجم عن الغربة والشعور بالصغار، إذ لا أحد هنا يعرف يعقوب، المواطن السوريّ، الذي قام بواجبه نحو أبنائه، إذ أدرجهم في كيانات اجتماعيّة مستقلّة، يعقوب الكائن الإنسانيّ بتشوّفه.. بصبواته وأحلامه وانكساراته، ولكن لماذا يداخلك الإحساس بأنّك فائض عن الوجود،  وباغتك ابنك:

– أبي .. ما بك!؟

– لا شيء. اشتقت إلى الوطن بني .. اشتقت لذاتي.. للناس!

–  ولكنّنا الآن معاً يا أبتي، لقد كان لقاؤنا حلماً!

وتوقف الكلام في منتصف المسافة عنيناً، كانت اللغة عاجزة، كيف تفسّر له معنى الانتماء؟! التوأمة بين الإنسان والمكان، الانتماء الذي يعاش ولا يشرح، وأعادك ابنك من الرجعى إلى واقع يجافي الأماني، كانت مدينة باذخة تترامى من حولك، لكنّها لا تنتمي إلى شغاف القلب، مدينة باردة..

– الحجرة في مكانها ثقيلة يا بني!

أنت لم تجهش، لكنّ دمعة طفرت من عينيك، ولفح وجهك شيء ما كالحنين الكاوي، فأردف:

– هناك كنّا ذواتاً .. بشراً بملامح خاصة، في حين إنّنا هنا أرقام ليس إلاّ!

–  وماذا عن حالتك؟!

–  لا أعرف.. هي دولة رفاه، لقد آوتنا حين عزّ الملجأ، لكنّها بيمين أهلها لا بيميننا يا بني، هذا حقهم، المشكل يخصني أنا، أنت شاب لا تزال، غداً ستفهم، هكذا هو الإنسان يا بني!

ـ فماذا عن لقائنا !؟ تساءل الولد وهو يُمسك بيديك الخشنتين..

ـ لقاؤنا كان أمنية تحققتْ، والأمنيات إذ تتحقق يخفت بريقها، هذا لا يُضيرك يا بني، هذا حال أمك أيضاً، العمر تسرّب كثيره في غفلة مني، وأنا أحن للتراب والبشر والشجر، فهل سيتحقق حلمي؟!

ـ وتستغني عنّي يا أبي!؟ أنا لم أصدق أنّني اجتمعت بكما!

ـ المسألة لا تحسب على هذا النحو، أنت امتدادي الطبيعيّ، ولكنّني خلفت ورائي عالماً، أحلاماً وعذابات وخيبات، هزائم صغيرة وانتصارات أصغر، أنت تراها في تناقضها، ولكنّها في اجتماعها تمثلني، رجالاً كنّا يا ولدي، وكانت لنا حيواتنا هناك لا هنا، أنت حلمي.. كنت وستظلّ، ولكن ليس للسمكة إلاّ الماء، دع عنك جانباً يا بني، لقد صعبت عليّ نفسي، هذا كلّ شيء، هيا بنا، لقد تعبت!

وعلى امتداد الكورنيش راح ظلاّن طويلان يغوصان في ظهيرة لزجة، فيما ظلت مخيّلته الثؤور تشيل، هل كانت الحياة عادلة؟!

ولكن ما الذي أعاد أيام الـ “كشك” إلى مخيلته ثانية؟! ألأنّها كانت أيام رخاء؟! ولماذا تفكّر في محاولته المخفقة لمساعدة أشقائه؟! إذ اختلف مع أبناء عمومته حول بيع أرض كانت تخصّ الطرفين، غبّ أن شملها التنظيم!

ثمّ استعاد يوم أن امتدّت يده الراعشة إلى أوّل راتب يتحصّل عليه، فأبرقت في ذهنه ألف سياق لأوجه صرفه!

أمّا حالته فلم تفارقه أبداً، هو عاجز عن احتذاء حذائه، ما أوكأه إلى شعور حاد بالعجز، كانت الصورة كيفما قلبها مرمضة، وداخله إحساس بأنّ الحياة تمضي بعيدة عنه! فاستسلم لعوالمه العميقة والمُركّبة، كانت أفكاره أفراساً بريّة أطلق لها العنان، فيما كانت الشمس تنحدر نحو أفق أحمر، وانعكست قزعات من الغيوم البيضاء على سطح البحر، وتساءل إن كانت قد مرّت ببلاد اصطفاها القلب؟! فيما كانت أسراب من النوارس لتختلط في ذاكرته بأسراب من القطا والزازير أو الطبن البريّ، هو المرض من أسند أيامه لسطوة التخمين، لقد أدمن هذا الكورنيش، كانت أضواء أوكلاند تنعكس على المياه، فيما كانت الجموع تتحرّك في الاتجاهات كافة، ففاتتها رؤية رجل أثقل عليه التوق والشجن، رجل نهض ليتلاشى رويداً رويداً00

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Hits: 2