شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

قبر فوق التراب ـ فاطمة محمد الحميد

32

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هي قرية حالها كحال كل القرى المحيطة بها، تراها من بعيد تلة صغيرة تعلوها بيوت من طين، بنيت بأيدي ساكنيها، ومن حولها مروج من البساتين التي يقتات أهلها من جنيها، وما تراه من أزقة بين البيوت متعرج ومختلف الأعراض، لأن المنازل تلحق بغرف من جنسها لتوسعتها، فلم تبن دفعة واحدة.

هنا لم تعد الحياة الريفية كما عاشها أجدادنا والتي اتسمت ببساطة العيش وقسوة ظروف العمل، فقد استبدلت الأبقار والثيران بالجرارات والسيارات الكبيرة، كما أن أبسط الأمور لم تعد كما نتخيلها، فعندما يتحدث أحدهم عن حلب الأبقار نتخيل تلك اللوحة الفنية التي رسمت بمهارة تجسد امرأة بالزي الشعبي وأمامها دلو أسفل بقرة وخيط الحليب يكاد لا ينقطع، كل ذلك بات لوحة معلقة على جدار، فلم تعد الأبقار كثيرة كما كانت، أنها تحلب آلياً.

حقا من الطبيعي أن يتطور كل شيء، لكن القرية تطورت من الجوانب التقنية والتكنولوجية فقط، وتلك شكليات إذا ما قورنت بالجوانب الفكرية، فكل الأفكار السائدة والخرافات اكتسبت مناعة ضد التطور العلمي والفكري كي لا يكسر النظام الذي يبيح ما أحبوه ويحرم ما كرهوه.

اليوم بين أزقة القرية علت أصوات الزغاريد من بيت “أبي خلدون”، ولفتت الزغاريد أولاداً كانوا يلعبون في الفناء الترابي، وبينهم “هند”، إذ تعني الزغاريد لهم تجمع أهل القرية قريباً والحصول على الحلوى، استأنفوا اللعب إلى أن جاءت “أم هند” وسحبت ابنتها من بين أقرانها اللواتي كن يبنين معها بيتاً صغيراً من الحجارة، وراحت تنفض “أم هند” التراب عن كفي “هند” الصغيرتين وهي تناديها بصوت لطيف: هيا يا حبيبتي، لقد أصبحت شابة جميلة ولا يليق بك اللعب من الصغار.

وتساءلت “هند”- أكبرت وحدي؟!!  أصدقائي ألم يكبروا؟!!

وراحت عينا “هند” تنظر خلفها تترقب صديقاتها اللواتي ينظرن إليها من بعيد بغرابة، واجترت “أم هند” من يدها بشدة، أدارت رأسها إلى الإمام، وتجاهلت الأم سؤال “هند” وتغيرت لهجتها وبان عليها الحزم في القول: عندما كنت في الثالثة عشر من عمري كنت حاملا بأخيك سعد وكنت أنت ما تزالين رضيعة.

وعند بلوغ الدار دخلتا معاً غرفة أمها واستلت “أم هند” ميل الكحل من جرته وكأنها تستل خنجراً، وراحت تخط أول خط أسود في حياة “هند” وهي تسرد عليها النصائح: عليك بالأدب واللطافة.. أريدك عفيفة.. ونظيفة.. كوني مطيعة.. واسمعي الكلام.. لا تجادلي .. لا تعاندي .. لا تعترضي.

واسترسلت “أم هند” بإلقاء ما تسميه النصائح وهي تخل جدائل “هند” ويسري المشط في عتمة شعرها تتبعه راحة كف أمها لتسدل شعرها الحريري على ظهرها، و”هند” راحت تشرد في كلام أمها، ما كل هذه الأوامر والنصائح التي تحمل وجه قانون مفروض عليها شاءت أم أبت، بين يدي “هند” دميتها تربت عليها نهرتها أمها ساحبة الدمية من يديها ورمتها جانباً وقالت: عيب.. لقد كبرت.. أنت اليوم ستذهبين إلى بيتك الجديد، ويجب عليك أن تسمعي كلام خالتك أم فاروق، سيأتي شيخ كبير ليسالك هل تقبلين بالسيد فاروق زوجا لك؟ أجيبه بنعم قبلت.

تسأل “هند” أمها متعجبة: كيف يعني زوجا لي؟ مثلك انت وجدي عمران؟

تصرخ الأم في وجهها: قلت لك ألف مرة لا تقولي جدي عمران هو أباك.

قالت “هند” بكل براءة: لكن كل من في الدار يقولون له جدي.

الأم: هذا لأنهم أولاد أخواتك الكبار.

هند:  ما دامو أخوتي، لماذا لا ينادونك أمي كما أناديك أنا وأخي سعد؟.

الأم: لأنهم أولاد خالتك زوجة أبيك أم خلدون، وأن هذا ليس حديثنا الآن.. (وتغيرت لهجة الأم من جديد، تلك اللهجة التي اعتادت أن تسمعها “هند” عندما تروي لها أمها القصص وتطيل الأحرف الأخيرة في كل جملة).. سوف تلبسين ثيابا جميلة.. ويشترون لك الذهب.. ألا تحبين الأساور والعقود الذهبية..

قاطعت “هند” حديثها أمها التي تحاول إقناعها عبثاً، وقالت: أريد لعبة أكبر من لعبتي.

الأم: لعب لا.. (قالتها بلهجة قاسية).

هند: إذن، لا أريد أن اتزوج.

الأم: الأمر ليس على مزاجك، أبوك أعطى كلمة للرجل.. ثم أنت صغيرة ولا تعرفين أين مصلحتك.

هند: ما دمت صغيرة كما تقولين، فكيف سأتزوج؟!!، كما إني لا أحب العم  فاروق.. أنه بدين وثقيل الدم، بالأمس (وراحت تتزايد صيغة الإشمئزاز في حديثها مكشرة وجهها) كنت ألعب مع بناته.. سمعت صوت سعاله حسبته صاعقة، وعندما يتجشأ تحسبيه رعداً، ويتطاير الرذاذ من فمه إذا عطس.. وزوجته أيضاً تكرهني وتمنعني من اللعب مع بناتها.

أنهت الأم حوارها، فهي تعلم أنها لن تستطيع إقناع “هند” مهما طال الجدال، لأنها هي أيضاً ليست مقتنعة في قرارة نفسها وكان قلبها يعتصر ألماً، وشريط الذكريات يمر أمامها تعترضه صور تقارنها مع “هند” اليوم، وكأنما تكرر قصة أمها قبل اثنا عشر عاماً، وكفكفت الأم دموعها، وصنعت زيف ابتسامة على وجهها، وخرجت للضيوف وهي تدفع “هند” أمامها، لا تكثرت لبقايا الدموع وليست بحاجة لتبريرها، فالناظرين لدموعها يفسرونها على أنها محض دموع فرح أو حزن على فراق ابنتها في أسوأ حالاتها.

انهالت النساء لتقبيل العروس، وتقديم التهاني والمباركات، ورفعنها للكرسي، وقدما “هند” لا تلامسان الأرض، غلبها الصمت وهي تنظر لكل ما حولها، وأفكارها تصرخ داخلها “لا أريد أن أتزوج العم فاروق.. أريد أن ألعب وأدرس.. لا أريد أغلالاً من ذهب”، عينا “هند” لا تتوقفان عن النظر يميناً وشمالاً ربما تبحثان عن أمها التي تتجنب النظر في عينيها.

وانتهى حفل الزفاف، وجاء فاروق ليصطحب العروس إلى بيته، أمسك بيدها، فغارت أناملها الصغيرة بكفه الشثن، أغلق الباب عليهما،  نظرت إلى غرفتها الجديدة المزركشة.. وأيقنت أنه قبرها.

 

Hits: 5