شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

دمـــــوع صامتةـ خولة محمد فاضل (سحر القوافي)

65

 

 

 

 

 

 

 

يجر خطوات واهنة أثقلتها السنون والمحن، الجسد المتهالك من الأوجاع والأسقام تقوس ظهره وانحنت هامته ونقش الدهر وشومه وحفر أخاديده على الوجه والرقبة واليدين وغارت العينان بعيداً وبدأ اللحم يضمر ونتوءات العظام تظهر راسمةً موسماً قريباً للفناء.. كأنما ريح صرصر عاتية مرت من هنا وتغلغلت فيه وشكلت كيفما شاءت تضاريسه.. وتهدج صوته وارتعشت نبراته من فاه تقعر وبات خالياً من الأسنان.. ولم يبقَ من (سي صالح) إلا ما يشبه رسماً كاريكاتورياً يختزل حكايات الألم الإنساني عندما تقبر الأحلام وتموت الآمال ويترهل الجسد وتغرق الروح في فراغ ليس يملأه غير الإيمان وهاجس انتظار الموت وبعض الذكريات المهربة من دهاليز الأيام وأعاصير الكبت والاحتراق.. هذه الجذوة المشتعلة التي لا تنطفئ هي كل وشيجته بالحياة..

يمد بمشقة خطى وئيدة متكئاً على عصا تنفث رئتاه سعالاً متقطعاً، فيتوقف للحظات، ثم يعاود السير.. برغم ما يجد من صعوبة.. لقد كان واحداً من أبطال الثورة التحررية التي تمنى فيها الشهادة، غير أنها لم تكتب له.. لقد تربى على الصلابة والعناد والبسالة والاعتماد على النفس في أصعب الأمور وأحلك الظروف ولازمته هذه الخصال حتى شيخوخته.. مازال يمارس كاريزما شخصيته رغم داء الربو الذي يعانيه.. ويحن إلى مج أنفاس السيجارة التي كان يحرق فيها غضبه وتململه من الرعونة والعربدة التي يساس بها الوطن الذي منحه كل حياته، فقابله رفاق الأمس بالإجحاف والتعقب والتحذير من ممارسة السياسة أو التفوه بأية كلمة في حق سيادتهم.. وهو الذي رفض بيع قناعاته وهويته للمنصب والمنفعة الخاصة وفضل أن يقضي حياته في كشكه الصغير يبيع الحلوى والأقلام والصحف.. كل أولئك القوادين والعهرة واللصوص الذين يمارسون الفواحش وباعوا أنفسهم للمناصب والمكاسب والمفاسد همهم إرضاء أهواءهم وفجورهم، فارتموا في أحضان الأعداء الذين ألجموهم وامتلكوا أزمة قيادتهم إلى دهاليز الجهل والرعونة بعدما غسلوا عقولهم وقبروا ذاكرة ثورتهم.. هذا الخنجر الذي يذبح صدر (سي صالح) ويسحت روحه إلى موت بطيء..

أزقة الحي خاوية على عروشها.. شوارع البلدة حزينة خالية من الحياة.. المحلات والمقاهي التي كانت عامرة مغلقة.. لا حركة ولا أطفال يملؤون الدنيا بصخبهم وضجيجهم.. القيامة الصغرى أخرجت أوزارها وتأهبت لابتلاع بعضاً من العباد على غير هدى.. الوجل يسكن الأفئدة الراجفة الخاشعة والدمع يجري رهبةً وخشيةً ووجعاً.. وصور الموت تملأ وسائل الإعلام.. والملك الجديد (كورونا) يضرب كالزلزال في كل مكان.. والعمّ (صالح) لا يهتم بهذه الهواجس التي تسكن البشرية كلها.. فرب ضارة نافعة.. هناك شعاع تفاؤل دائماً رغم كل شيء.. حتى الموت هو منفذ للراحة وباب جديد يشرع.. فاليائس يراه خلاصاً ومناصاً من الشقاء والعذاب.. وهو من فترة طويلة ينتظر أجله وكل ما عاشه بركة، هذا ما كان يقوله ويعتقده.. وربما روحه غافية لا تكترث بما يدور حولها.. تحوم نظراته المعبأة باليأس في هذه الدهاليز المفتوحة على المجهول.. يخال نفسه في كابوس غريب لم يتوهمه أبداً.. يسر بداخله أنه ولج موسماً رهيباً للجنون.. لا تفسير لما يراه.. ربما هو في أرض ثانية شبيهة ببلدته.. إنها أرض الوهم.. ربما هو في عالم الموتى.. وإلا أين اختفى الناس؟.. إنه عالم اللامعقول.. الذي تحكمه فوضى الذاكرة والحواس.. ربما هذا ما يعرف بمرض الزهايمر.. جسر يمتد بين الحياة والموت.. صراط الأعراف بين الجنة والنار.. تراه نسي ذاكرته أم نسيته الذاكرة؟.. ربما عاش لاجئاً في وطنه واهماً، وفجأة استفاق من حلمه الجميل الذي آسره سنين ليجد نفسه في أرض اليباب.. المتوج فيها يدعى (كورونا).. أي ملك هو؟ ومن أية سلالة حاكمة ينحدر؟ لاشك أنه من العصابة التي تمتهن الموت والتنكيل والسطو والاغتصاب.. تستبيح كل شيء باسم السياسة حتى الماضي الثوري نهبته وأفرغته من محتواه.. الملك القادم من خارج الزمن ينشر الرعب والموت والدمار‼ لا شك أننا في عهد الانبطاح والضياع..

كان الزقاق يمتد ويمتد أمام خطى (سي صالح) الواهنة.. والوجع يشتد ويشتد وضيق التنفس يزداد.. ومازال يقاوم السقوط ويحاول الوصول إلى عيادة الطبيب الخاص القريبة.. وكلما خطا خطوة يتبعها بذكريات وأنات.. كانت حياته بكل عتمتها ووهادها المريعة وخيباتها المفجعة تتعاقب أمامه كشريط يزلزل ما تبقى فيه من رمق الحياة..

ماضٍ يجر اليأس ظلاً له.. ويسحت معه أزمنة من الحرمان والأرق.. دخل (سي صالح) العيادة وقد اشتد سعاله.. اتجه صوب الممرضة التي كانت ترتدي الكمامة والقفازين.. فراحت تصرخ فيه بقولها: “قف مكانك.. إن الطبيب في عطلة..” غير أنه لم يفهم سر غضب الممرضة وارتياعها منه وهي التي كانت تستقبله بابتسامة وهدوء.. فربما تغير سلوك الناس وصاروا أشد عدوانية وأقل إنسانية، ولم يدرك أن الخوف من الردى هو الذي تحكم في الممرضة وجعلها تفقد أعصابها وترتجف خوفاً بمجرد سماعها السعال.. ولم تولي أي اهتمام بمن يقف قبالتها مهما كان جنسه أو مكانته أو سنه.. إنه الضعف الإنساني الذي لا يقاوم..

انسحب (سي صالح) يجر المرارة والخيبة والحسرة والوجع صوب المستوصف القريب عله يحظى بجرعة أوكسجين أو بخاخ يخفف عنه حدة الضيق والسعال.. كان الرصيف خالياً من المارة والسكون موحشاً واليأس يكتب نفسه في الشارع، فالحزن يخيم بظلاله على كل شيء.. إنه في سجن كبير.. حتى العمارات المحاذية أضحت أشبه بزنزانات من كبريت، بجرة واحدة تحرق من بداخلها.. لا شيء يكسر هذا الصمت القاتل سوى ارتطام عصاه الخافت بالأرض ولم يكن لأقدامه المتعبة وقع بما أنه ينتعل خفاً من القطن والقماش يتقي به الغبار والأتربة.. كان اليوم ربيعياً سماؤه مغيمة تتأهب لرش الرذاذ على الأرض العابسة الغارقة في الفراغ والصراع والهلع.. الناس في الأرماس تنتظر من يرفع عنها التراب قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.. ربما سعير إعصار (كورونا) ستحرق كل شيء حتى الأرحام.. رمادها يغبش الواجهات والأرصفة والسماء.. كل الأشياء لا تفرق عن وجه (سي صالح) المجعد ونظراته الغائرة وحاله التي تحبط الناظرين.. خطاه الواهنة كأنه قادم من لحد والسعال يشي برئتين تشبعتا بالأتربة والسموم.. والوجهة أقرب مستوصف يصارع قدره لبلوغه.. والدقائق تستحيل ساعات.. والخطوات مسيرة طويلة في دهاليز الوجع والعتم.. وأخيرا بلغ العيادة المتعددة الخدمات.. الأمل المتبقي للتخفيف من حدة الاختناق والألم..

دخل (سي صالح) العيادة الفارغة من المرضى واستبشر أنه لن ينتظر طويلاً.. أومأت له الممرضة المكممة أن يدخل حجرة الفحص مباشرة فسره الأمر، وما إن فتح الباب حتى تملكته نوبة حادة من السعال وضيق التنفس.. فتركت الطبيبة مكتبها وسارعت بالخروج وهي تصرخ فيمن كان بالداخل: “اُهربوا.. مريض كورونا.. مريض كورونا”، ففر الجميع خارجاً ليجد (سي صالح) نفسه وحيداً في مواجهة قدره.. لقد أصبح مشتبهاً منبوذاً متهماً بنقل عدوى الفناء.. وانطفأت آخر بارقة أمل لتخفيف الألم والضيق وأحس بحدسه العالي أن الساعة قد اقتربت..

عاد أدراجه يجر خطاه ويذرف دموعاً صامتة بنفس الدرب الذي سلكه غير أن همه صار أثقل ووجعه أَحَدٍ.. لقد أتى على ما تبقى من الجسد واستقر في الروح.. واشتد سعاله وضيقه أكثر وأخذت الدنيا تظلم في عينيه ولم يعد يقوى على حمل جسده، فاستسلم للسقوط فاقداً وعيه رافعاً سبابته يحاول التلفظ بالشهادتين، وماهي إلا لحظات حتى أسلمت روحه لبارئها، وانطفأت معها قصة كفاح وشموخ ووجع..

بقي الجثمان ممدداً على الأرض تحت رذاذ المطر بجوار جدار بيت في الحي لما يقارب الأربع ساعات قبل أن يعثر عليه أحد المارة ويبلغ السلطات الأمنية التي سارعت ومعها رجال الحماية المدنية لتطويق الحي ورفع الجثة وتعقيم المكان.. ولم يسمح لعائلته التي وضعت تحت الحجر الصحي لأسبوعين بتسلم رفاته خوفاً من انتقال العدوى رغم تقديمها لملفه الطبي الذي تثبت فيه تقارير الأطباء إصابته بمرض الربو..

مات (سي صالح) وحيداً يذرف دموعا صامتة غريباً بلا جنازة.. محروماً من نظرة وداع ومن جوار قبر تمناه وعزاء ترجاه.. كأنه طيف بلا وطن..

Hits: 10