شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

جبرا إبراهيم جبرا وتجربته الفذة في الحداثة الشعرية من خلال الرمز والأسطورة والحلم ـ عبد الحميد دشو

29

 

 

 

 

 

شكّل الأديب الفلسطيني الرّاحل جبرا إبراهيم جبرا (1919-1994م) ظاهرة أدبية تكاد تكون فريدة، فقد تنقل بين شتى فنون الأدب كالرواية والشعر والقصة القصيرة والترجمة والفن التشكيلي والنقد الأدبي والفني، وأجاد فيها إجادة لافتة، تاركاً بصمته الواضحة في الأدب الإنساني الحديث، تجلت من خلالها ثقافته الواسعة، ونظرته المعمقة في الأدب والحياة، وذوقه الأدبي والفني الرفيع بشكل خاص، ولكننا هنا سنقتصر على استعراض تجربته في مجال الشعر ليس إلا، فمع ظهور ما سمي “الحداثة الشعرية” في أربعينيات القرن العشرين، نتيجة المتغيرات السياسية والاجتماعية، ومعاناة الأدباء من انهيار مفاهيم سابقة، وتصورهم الجديد للكون والإنسان والمجتمع، تم الخروج عن نظام البيت الشعري القائم على تفعيلات محددة سلفاً، وتنوعت أشكال القصيدة بين القصيدة الممزوجة وقصيدة التفعيلة والنثر الشعري. وقد ولج الأديب جبرا معركة الحداثة هذه بقوة، وما رافقها من شد وجذب منذ أوائل الخمسينيات، فنجد أنه أظهر مقدرة فائقة في الكشف عن شكل جديد للتعبير الشعري، مختلف عما ساد في تلك المرحلة، أسماه منذ البداية “الشعر الحر”، وفق مفهومه له، وهو مفهوم اختلف فيه مع العديدين ممن تصدوا له من نقاد ودارسين كما قال جبرا نفسه، رافضاً في الوقت عينه تسمية هذا الشعر بقصيدة النثر، أو شعر التفعيلة.

ومن خلال قراءة مجموعاته الشعرية الثلاثة التي صدرت مجتمعة ضمن أعماله الشعرية الكاملة عام 1990، نلاحظ أن الأديب جبرا حاول منذ بدايات تجربته البحث عن القصيدة المتكاملة بتفجير طاقات اللغة الكامنة، وأشكال القول، من خلال استخدام المفردات الغريبة والإيحاءات الرّمزية والصور المتعددة والمختلفة، لتصبح – أي اللغة – أكثر استيعاباً للحوافز النهضوية والمصطلحات المعاصرة ضمن حركة الشعر الحديث، موظفاً أدوات التعبير المعاصرة المتمثلة في الرمز والأسطورة والحلم في موضوعاته الأثيرة التي تناولت الموت والتمزيق والضياع والحنين إلى الأرض، مرتكزاً في تجربته على اعتبار المفردة الغريبة والصورة المعبرة والإيحاء الرمزي وسيلة كشف ورؤيا وأداة تعبير إضافية.

وجاءت كل قصائد وأشعار جبرا ضمن نغمات جديدة اعتمدت موسيقى تقليدية، فهو كما يقول : (يعنى بالتفعيلة ولا يعنى، بعض الأبيات موزون وبعض الأبيات غير موزون) وإذ يموسق الفكرة والصورة، إلا أنه يرفض رفضاً قاطعاً عبودية أي بحر رتيب يعود به إلى سلفية الإيقاع العروضي القديم، فلو استعرضنا هذا المقطع من قصيدة (في يومي ذاك الأخضر):

ورفقتي رغم الغبار

وجوههم كالجلنار

كالطيور يرفرفون

كالشياطين الصغار

على أشجار الحواكير (1)

نجد أن جبرا لا يلقي بالاً لنظام التفعيلة، وإن التزم بشكل عفوي بالقافية، فهو يرى أن الحالات العاطفية، من حزن أو فرح أو غضب أو يأس، يجب أن تثار بالألفاظ المجسدة، مع رفض استعمال مصادر الأفعال أيضاً على وجه الإجمال.

وتجلى إبداع جبرا الشعري في مزج الأسطورة بوصفها بُعداً بنيوياً شعورياً في بنية القصيدة في كثير من قصائده، ومنها قصيدة (إكارس) حيث يقول:

غنّين

يا عابثات البحر غنّين

وارفعن فتانا من حطام جناحه

بين أذرع ملساء حبيبة (2)

أما في قصيدة (أسوار)، فاستخدم أساطير التاريخ القديم لإسقاطه على الواقع المر الذي عايشه الشاعر وحاول الهروب منه، حيث قدم صورة للقمع العربي بشكل مرمز حين قال:

أور ونمرود, والبغايا المقدسات

في هياكل بابل وببلوس

يقدمن للغرباء أجسادهن

لتخضر الروابي (فوق أسوار المدن)

وترتعش السنابل بالذهب، والشقائق بالنجيع

تحت مخالب الحدأة والغراب (3)

وتتضافر في بعض قصائده الأسطورة مع الرمز، لتعبر عن حالة رفض معينة لواقع لا يتمناه الشاعر، بل ويرغب في زواله، كحالة الاحتلال الإسرائيلي التي عانى منها التشرد والضياع، وعبر عنها في قصيدة (في بوادي النفي) ص75، وما رافق هذا الاحتلال من مجازر، حين تساءل في قصيدة أخرى هي (خرزة البئر) بقوله:

أفم الرمس أضحت

أفم الفناء، يلقم بالصبايا

بالحبالى الساكبات

الدم الملوث بالرصاص؟ (4)

كما أشار من خلال أسطورة بروميثيوس إلى جرائم المحتل الفرنسي في الجزائر، في قصيدته المسماة (لعنة بروميثيوس)، بشكل درامي مؤثر:

سننسف البيوت

ونصدع الصخور، صخور التلاع

الواقفات في مجاري الشمس،

نخرمها حتى الحشا. (5)

والشاعر يحلم أيضاً، بطريقة تغني المخيلة لمجتمع مختلف عن المجتمع الحالي، تتحقق فيه العدالة والمحبة والوفرة ضمن معطيات قد لا تكون بالضرورة متوفرة أو حتى ممكنة، فهو قد عبر عن حلم الانعتاق من القهر، وحلم الحرية في وطن يؤوب إليه، بعد هجرة طويلة امتدت امتداد الأزل -على حد تعبيره- كما جاء في قصيدته (دهاليز):

ما كنت، لا ما كنت لأحكي

عن هجرتي

من حجرة لحجرة

خواؤها الغيهب فيه

أصداء السنابك النائيات

تضرب دوماً على مقلتي،

من أرض النوى

لأرض النوى

تمتدّ امتداد الأزل (6)

ومع كل ما تقدم، وبعد استعراضنا لهذه التجربة المتفردة التي عمل جبرا على تجسيدها وتأكيدها طوال أكثر من ثلاثة عقود من حياته، لا يسعنا إلا أن نقول إنها تجربة إبداعية تركت أثرها في تاريخ الأدب المعاصر، وبقيت شاهدة على تفرد جبرا بتفرد تجربته، لنستلهم منها النظرة المختلفة إلى الشعر بوصفه شكلاً من أشكال الإبداع والغنى والحيوية في الأدب الإنساني على اختلاف اتجاهاته.

——————

الهوامش:

(1)- ديوان «تموز في المدينة» من المجموعة الشعرية الكاملة للأديب جبرا إبراهيم جبرا ص79.

(2) – المصدر السابق ص87.

(3) – المصدر السابق ص41، 42.

(4) – المصدر السابق ص73.

(5) – ديوان «المدار المغلق» للأديب جبرا إبراهيم جبرا ص153.

(6) – المصدر السابق ص137.

Hits: 3