شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

هل يغير كورونا ما لم يكن يتغير قبل ذلك؟ـ خضر الجاسم

27

 

ما أن نزلت هذه الجائحة بالعالم، وأقصد هنا؛ كورونا، حتى باتت الشغل الشاغل للشعوب، وحكومات الدول تتسارع وتتقاذف بالاتهامات بين بعضها البعض في توريط شعبها بها. لا بل ذهبت بعض الدول إلى اعتبار تلك الجائحة مؤامرة تستهدف سيادة الدول وتهدد أمنها، وقد تم تفسيره على أنه حرب كونية لا هوادة فيها أبداً مع الإنسانية.

ومهما يكن فقد استطاع كورونا وأريد هنا تعريته من كونه مرضاً وإن كانت هذه حقيقته على المستوى العلمي والتجريبي، فالمهم من ذلك، أن أجعله لفظة واحدة، أي “كورونا”، ولدواع شخصية فحسب، ومسوغي في ذلك أن المرض أياً كان نوعه، يفتك بصاحبه وقد لا يكون له من تأثيرات سوى أقل ما يمكن على أهل ذلك المريض.

 أما” كورونا” فهو ليس له مثيل على الرغم من كونه فيروساً صغيراً، إلا أنه عابر للحدود والمسافات ولا يتوقف عند محطة محددة وإنما يهوى السفر إلى ممالك وعروش لم يصلها الكثير من البشر. بل أنه تخطى رحلات ابن جبير وابن بطوطة اللتين وصفتا أنهما مذكرات في أدب الرحلات والوقوف على أبرز المواقف والطقوس والشعائر، وبات كورونا مادة للتندر والسخرية والأقاويل، وربما للشائعات سواء من هنا أو من هناك.

 كورونا من حيث لا يعلم العالم أصبح خصماً لدوداً للجبابرة، وأقصد هنا الحكام ومن في درجتهم والسياسيين وما ينوء من خلفهم من قادة وفنانين ورياضيين ومفكرين ورسامين وموسيقيين وغيرهم الكثير الكثير حتى بات يقض عليهم مضاجعهم ويحاصرهم في عقر دارهم ومن حيث لا يعلمون.

ولربما لأول مرة نحن البشر ندرك أن هناك خطراً يتهدد حياتنا وأرواحنا على الرغم من كونها كانت موجودة في السابق، ترى ما الذي غيّره فينا كورونا؟ وغيّر معه عاداتنا وأسلوب حياتنا مئة وثمانين درجة وقلب الطاولة على رؤوسنا في وضح النهار والليل وفرض أجندته مع سابق إصرار وترصد.

كورونا كشف أقنعتنا المخفية نحن البشر، وفتح علينا دهاليز من الرعب والخوف بعدما كنا فيما كان نبطش ببعضنا بطش الجبارين وتخلينا عن الإنسانية بكل بساطة. لعلنا ظلمنا كورونا إذا جاز التعبير، فلو أننا على هذه الأرض أحسنا لبعضنا لما خفنا منه بهذا الشكل ولما طرق علينا بابنا فخفنا منه، وأدركنا ويا للسذاجة أننا نحن المرعبون، وأننا اصطلاحاً أمام مرآة البشرية عرفنا قباحتنا وسوأة أفعالنا، في إطار المجاملة أننا أكثر جمالاً فيما أماط  كورونا اللثام عن بشاعتنا، وأننا جد كاذبون، وأننا لا نشبع، فنسرق وننهب ما نشاء، غير أن كورونا لا يسرق.

كورونا أعاد إلينا إنسانيتنا الفطرية بعدما فقدناها من الأسرة وصارت مجازاً هراء، فأوقف الخيانات الزوجية وأعاد أفراد الأسرة إلى بيوتهم، فعلمنا ما معنى الأسرة من جديد وطهرنا من الداخل، مطالباً إيانا أن نبيت في بيوتنا على نظافة.

كورونا لا يستهدف الفقراء وحدهم ويبتزهم بقوتهم من دون الأغنياء ولا يخاف الحكام الذين أخافوا الناس ومكثوا على صدورهم سنوات من الاستعباد، فأحجرهم صحياً لعلهم لمرضى ينظرون، بيد أن كورونا لا يميز بين أحد، فكلهم لديه سواسية في العرق أو الدين أو الجاه ودول العالم الثالثة أو دول العالم المتقدمة، بينما نحن البشر تتلطخ أيدينا بالعنصرية والسادية ونقتل بعضنا على الهوية.

كورونا قد يكون أوقف عجلة الحياة عن الدوران برهة من الوقت لأنه في النهاية مرض، وإن طال الوقت أو قصر سوف يكتشف له دواء، أما أمراض الإنسانية على سعتها ليس لها من شفاء إلا في السماء. كورونا استطاع كشف سخافتنا نحن البشر، لأن ما قتل في الحرب السورية بحمم الطائرات أو الصواريخ أو البراميل أو الرصاص أو بمئات الألوف من المعتقلين أو المفقودين أو المقهورين أو المحرومين، ولا سيما الأطفال وبأضعاف مضاعفة مما قتله كورونا في العالم خلال ثلاثة أشهر على الرغم أن كورونا لا يقتل الأطفال.

بيد أن العالم لم يحرك ساكناً إزاء إنسانية السوريين المقتولة على حدود خارطة العالم وغفلوا عن مصابهم الأليم وعما يعانونه من تهجير وتشريد ونزوح وفاقة وفقر وجوع وألم، فهذه الحرب التي استطالت ولم يستطع العالم جميعاً من إيقاف لهيبها وكبح أوارها، فهل يتمكن كورونا في غضون ثلاثة أشهر أن يوحد العالم والبشرية على التحرك لذلك فيما عجزوا عنه في سنوات؟

Hits: 3