شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

العدد ـ 7

47

لتحميل العدد السابع انقر الرابط ادناه

مجلة شرمولا- kovara şermola (7)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

افتتاحية العدد السابع

في أهمية وواقع الرواية

 

هيئة التحرير

 

تعود كلمة (الرواية) إلى فعل (روى) أي نقل الحديث وترويجه بين الناس، فالرواية هي صورة تعبيرية عن حدث أو واقعة مجتمعية في زمان ومكان ما، ضمن قالب وأسلوب أدبي نثري (سردي)، حيث تضم مكونات أساسية (الشخصيات، الزمان والمكان، الموضوع أو الحدث، الحبكة (تنظيم تسلسل الأحداث)، الحوار، الأسلوب واللغة).

والرواية تعد من أبرز الأجناس الأدبية في وقتنا الراهن، لما لها من قدرة على تجسيد الواقع المعاش في المجتمعات، وإظهار القضايا التي تهم الناس، ومنها قضايا الشعوب والمجتمعات المهمشة، وإثارتها بأسلوب أدبي راق، وبالتالي تأثيرها الكبير على الرأي العام.

 

مميزاتها وتداخلها مع الأجناس الأخرى

وعلى الرغم من أن لها ميزات وأسلوب خاص بها، إلا أنها تتداخل في بعض خصائصها مع الأجناس والفنون الأدبية الأخرى. فهي تشترك مع القصة في أسلوبها الأدبي النثري ومكوناتها، لكنها تختلف معها من عدة جوانب، فالرواية أطول من القصة (حتى أن النقاد حددوا عدد كلمات أو طول كل من القصة والرواية في محاولة للفصل بينهما (القصة  ما بين 1500-30000 كلمة، والرواية تبدأ من 40 – 50 ألف كلمة)، وتحتاج الرواية إلى عدد كبير من الشخصيات الرئيسية والثانوية لسرد أحداثها، على عكس القصة التي تكتفي بشخصية رئيسية واحدة وعدد قليل من الشخصيات الثانوية لإيصال رسالتها. كما أن الرواية تشغل فترة زمنية طويلة تمتد لأشهر وسنوات على عكس القصة التي تمتد لفترة قصيرة وفي مكان واحد غالباً.

تشترك الرواية بخصائص مشتركة مع الملحمة من حيث أنهما تجسدان وتعكسان الواقع الإنساني والمجتمعي، ولكنهما تختلفان في اللغة التعبيرية، إذ أن الملحمة لغتها شعرية (كملحمة كلكاميش، وفي الأدب الكردي نجد ملحمة مم وزين لأحمدي خاني)، على عكس الرواية التي تستخدم اللغة أو الأسلوب التعبيري النثري. كما أن الملحمة تصور البطولات تبرز العظمة والسمو في محتواها ضمن زمان ومكان محدد، وهي بطيئة الحركة زمنياً، على عكس الرواية التي يمكنها أن تعكس وتعبر عن شتى المواضيع والهموم المجتمعية، مع تميزها بالحركة والسرعة.

وعلى الرغم من اختلافها من ناحية اللغة التعبيرية مع الشعر، إلا أن الرواية الحقة تسعى إلى التشبه بالجماليات التعبيرية الشعرية، من “الخيال البديع والحس المرهف والرقة الشفافة”، كي لا تتدنى مستواها “التعبيري” الأدبي عموماً.

 

ظهور الرواية

ظهرت الرواية بشكلها الأدبي الراهن بادئ الأمر في القرن السادس عشر الميلادي، ومن أولى الروايات، رواية (دون كيشوت) للإسباني ميغل دي سرفانتس الذي نشرها على جزأين بين أعوام 1605- 1614م، وتدور حول مالك أرض يتخيل نفسه فارساً يجوب العالم لمحاربة الظلم، فيتعرض لمواقف وأخطاء مأساوية.

وفي القرن السابع عشر، ظهرت الرواية في إنكلترا، بدءً من رواية (روبنسون كروزو) التي صدرت عام 1719م لكاتبها دانيال ديفو. وتدور حول شاب انعزل وحيدا لمدة طويلة في جزيرة ما، وبعد عدة سنوات يقابل إنسان على هيئة متوحش ويعلمه بعض ما وصل إليه الإنسان الأوروبي ويجعله خادمه، وفي نهاية القصة عاد روبنسون كروزو ومعه خادمه إلى أوروبا.

 

الرواية في القرن التاسع عشر

وفي القرن التاسع عشر الميلادي ازدهرت الرواية في أوروبا وروسيا وأمريكا، وتعددت المواضيع التي تتناولها، وظهرت أنواع أو مدارس للرواية من الرومانسية والتاريخية والنفسية والواقعية والطبيعية.. الخ.

ففي روسيا ظهر روائيين كبيرين، الأول هو (ليو تولستوي) ومن أبرز رواياته (الحرب والسلام) الصادرة عام 1869م، والتي يصوِّر فيها أحداث الهجوم الفرنسي (نابليون الأول) على روسيا، ويرفض فيه الحرب، راغباً بالسلام والحياة الهادئة المنسجمة مع الطبيعة. وفي رواية (أنَّا كارنينا) يهاجم تولستوي فيها الخيانة الزوجية ويشجع على الإحساس بالواجب الأخلاقي وحب الأسرة.

والثاني هو (فيودور دوستويفسكي) المعروف باتباعه أسلوب التحليل النفسي والفلسفي في كتاباته، ومن أشهر رواياته (الجريمة والعقاب) التي صدرت عام 1866م، وهي رواية تعكس الصراع الداخلي عند الإنسان وخاصةً الرغبة في التعبير عن النفس وإثباتها في مواجهة الأخلاقيات والقوانين التي أوجدها البشر، وله رواية (الإخوة كارامازوف) الصادرة عام 1880م، يعالج فيها بعض القضايا الاجتماعية وخاصة المتعلقة بالعائلة وتربية الأطفال، وكذلك العلاقة بين الدولة والكنيسة.

وفي بريطانيا اشتهر الكاتب الاسكتلندي (السير وولتر سكوت) في الرواية التاريخية، وأبرز رواياته (ويفرلي) الصادرة عام 1814م التي تناولت حدثاً تاريخياً حقيقياً وقع عام 1745 من خلال حركة سياسية وعسكرية في إسكتلندا عُرف باسم “انتفاضة اليعاقبة”، حيث أثارت فضول الرأي العام الاسكتلندي لقراءته ومراجعة ذلك الحدث التاريخي في هيئة درامية.

فيما عد الروائي (جوستاف فولبير) محرك المدرسة الواقعية للأدب الفرنسي، وأبرز رواياته (مدام بوفاري) الصادرة عام 1857م، والتي تصور الحياة البرجوازية في فرنسا. وأسس الروائي الفرنسي (إميل زولا) المدرسة الطبيعية في الأدب، الذي يستند على أن جميع الحقائق مستمدة من الطبيعة، وأبرز رواياته (جرمينال) الصادرة عام 1885م.

كما أصدر الفرنسي فيكتور هوغو روايته (البؤساء) عام 1862م، والذي يتناول بؤس وسوء أحوال الطبقات الدنيا في المجتمع.

 

الرواية في القرن العشرين

وفي القرن العشرين تعددت تجارب الروائيين في تقنيات كتابة الرواية، وتناول معظمهم التغييرات الاجتماعية  الناجمة عن الحروب العالمية، وظهرت تيارات جديدة في الرواية.

ومن أبرز روايات القرن العشرين:

ـ (نوسترومو) للبولندي جوزيف كونراد عام 1904م، وتناولت قسوة الإنسان وأنانيته.

ـ (البحث عن الزمن المفقود) للفرنسي مارسيل بروست، وتتألف من سبعة أجزاء نشرت بين عامي 1913 و1927، يعكس فيها تأثير الماضي على الحاضر.

ـ (غاتسبي العظيم) للأمريكي سكوت فيتزجيرالد عام 1925م، يصور فيها الخواء الأخلاقي للأثرياء الأمريكيين.

ـ (إلى الفنار) للبريطانية فرجينيا وولف عام 1927م، تصور فيها القيم الاجتماعية المنهارة. وتعتبر وولف إحدى مؤسسات تيار الوعي في الرواية المعاصرة.

ـ (المحاكمة) للتشيكي فرانز كافكا عام 1925م، تشير إلى اليأس والكآبة والقلق المستمر من جانب الفرد العادي أمام البيروقراطية الحكومية التي تؤثر في حياة الإنسان.

ـ (الجبل السحري) للألماني توماس مان عام 1924م، يصور فيها الحياة البرجوازية الفاسدة.

ـ (الغثيان) للفرنسي جان بول سارتر عام 1938.

ـ (الغريب) للفرنسي ألبيرت كامو عام 1942م.

ويعتبر كل من سارتر وكامو أبرز مؤسسي التيار الفلسفي الوجودي (المدرسة الوجودية) الذي يؤكد على قيمة الإنسان وتفرده وعدم حاجته إلى موجه.

ـ (1984) للبريطاني جورج أورويل عام 1949م. ينتقد فيها الحكم الشمولي والديكتاتوري.

ـ (مئة عام من العزلة) للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1967م، يعكس فيها الظروف والتغييرات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها كولومبيا في منتصف القرن العشرين.

ـ (الخيميائي) للبرازيلي باولو كويلو عام 1988م، يشير فيها إلى أن الإنسان يمكنه من خلال الإرادة القوية وبذل الجهد تجاوز الصعوبات لتحقيق أحلامه.

 

الرواية في الشرق الأوسط

تأثر شعوب الشرق الأوسط  بالأدب الأوروبي والروسي مع ازدياد احتكاكهم بهم في القرن التاسع عشر خاصة، وعرفوا الرواية الحديثة، وأدخلوها إلى آدابهم، وقد عرفت الآداب الكردية والعربية والفارسية العديد من القصص التراثية والشعرية الطويلة القريبة من الرواية، كملحمة (مم وزين) للكردي أحمدي خاني، والمقامات في الأدب العربي، وقصتي (مجنون ليلى) و(فرهاد وشيرين) للإيراني نظامي الكنجوي.

وقد كانت بدايات الروايتين العربية والفارسية في أواخر القرن التاسع عشر مزيج من الأسلوب التراثي القصصي والرواية الغربية، إلى أن اعتمدت تقنيات الفن الروائي الحديث.

واعتبرت رواية (زينب) للمصري محمد حسين هيكل في عام 1914م أولى الروايات العربية الحديثة، وقد عالجت تلك الرواية واقع الريف المصري. وبدءً من الثلاثينات بالقرن العشرين أخذت الرواية العربية تأخذ صفة أكثر فنية وظهر مجموعة من الروائيين الكبار في الأدب العربي بالقرن العشرين، من أبرزهم (طه حسين، توفيق الحكيم، محمود تيمور، نجيب محفوظ، إحسان عبد القدوس، حنا مينا، إدوار الخراط، الطيب صالح، عبد الرحمن منيف، سليم بركات، غادة السمان ..الخ).

فيما كانت رواية (البومة العمياء) لـ صادق هدايت في عام 1933م أول رواية فارسية حديثة، واتسمت روايات هدايت بالنظرة التشاؤمية لتأثره بأفكار الكاتب التشيكي كافكا، ويعرف بتشدده القومي الفارسي. ومن الروائيين الفرس المعروفين  “بزرك علوي وصادق تشوبك.. الخ”.

كما تعرف الأتراك على الرواية الحديثة بعد ترجمتهم لبعض الروايات الفرنسية في العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر، ومن أبرز كتاب الرواية في تركيا خلال القرن العشرين: أورهان باموق، يشار كمال، أورهان كمال إليف شفق مؤلفة رواية (قواعد العشق الأربعون).

أما أولى الروايات الكردية هي رواية (الراعي الكردي) لـ عرب شمو، وقد صدرت بالروسية عام 1930م وترجمت للكردية عام 1935م، ويتضمن الرواية حياته وتجربته النضالية في الحزب الشيوعي السوفيتي وظلم الإقطاع الكردي. فيما كانت أول رواية باللغة الكردية مباشرة هي “خاتي خانم/Xatê Xanim” لـ علي عبدالرحمن في عام 1958م. ومن أبرز الروائيين الكرد في شمال كردستان/ تركيا محمود باكسي (هيلين) 1984م، يلماز كوني (صالبا) باللغة التركية 1973م، محمد أوزون (أنت) 1985م، يشار كمال (كتب رواياته بالتركية عن الوضع الاجتماعي للكرد). وفي جنوب كردستان/ العراق: إبراهيم أحمد (مخاض الشعب) 1969م، حسين عارف (المدينة) 1986م، محمد رشيد فتاح (الأنفال)، فرهاد بيربال (الملازم تحسين واشياء اخرى) ينتقد فيها مجريات الأحداث السياسية في كردستان في فترة الثمانينات، بختيار علي (آخر رمانات العالم) 2002م يتناول المأساة الكردية وترجمت لعدة لغات عالمية.

 

الرواية في روج آفا وشمال شرق سوريا

أنجبت شمال وشرق سوريا كتاباً بارزين في الرواية العربية أبرزهم (عبد السلام العجيلي) من الرقة، ومن رواياته (باسمة بين الدموع – 1958)، (قلوب على الأسلاك -1974).

ومن الروائيين الكرد الذين يكتبون باللغة الكردية: مروان بركات، من رواياته (عفرين.. ملحمة وجرح، شهيد كردي، المخيم، رسالة امرأة.. الخ) والتي تتناول الأزمة السورية ومسألة عفرين التي تعرضت للاحتلال التركي، حليم يوسف وله عدة روايات منها (سوبارتو، الوحش الذي بداخلي..) ترجمت بعضها إلى لغات عديدة، مناف عثمان (الحدود-2017م)، آزاد آرارات (شنكال -2018م)، آزاد أحمد علي (الخروف الأخضر- 2008م)، زوزان محمد (عفرين نامه -2019م)، لقمان سليمان (شنكال- 2018م)، دليل ميرساز (قطرة من مياه الفرات- 2016م)- ميديا بركات، فجينا كورد، نيركز إسماعيل.

ومن الروائيين الكرد باللغة العربية: (روناك مراد) التي تتميز بكتابة الرواية الثورية وتتناول معظم رواياتها عن حياة فتيات التحقن بحركة التحرر الكردستانية وكذلك نماذج من المقاومات والتضحيات ضمن الثورة الكردية ولها ثمان روايات باللغة العربية (بين أعوام 2006 – 2019م) ومنها (شيلانا) و(حفيدة عشتار)، سلام حسين (7 الكوبة -2019)، عبد المجيد خلف (الصوت المخنوق -2011م)، إدريس مامد (طريق الجحيم حلب- برلين – 2020م)، علي عبد الله كولو (الثورة الموؤودة- 2018م)، نارين عمر.

وعلى الرغم من وجود كم من الروايات وكتابها في روج آفا وشمال شرق سوريا إلا أنها لم تصل في الوقت الراهن إلى المستوى الذي تمكنها من لعب دورها التنويري المطلوب والتأثير على الرأي العام، ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب وهي:

ـ الضعف العام في استخدام كتاب الرواية لتقنيات الرواية الحديثة، ولهذا فإن معظم الروايات الصادرة تعتبر  الأقرب إلى جنس القصة أو الحكايا.

ـ البساطة في بعض الروايات الصادرة من ناحية المواضيع التي تتناولها مقارنة بما تشهدها المنطقة في السنوات الأخيرة من حوادث وتحولات سياسية واجتماعية كبيرة ومتسارعة، وهو ما يؤدي ألى تدني قيمة بعض الروايات الصادرة.

ـ وجود أخطاء فادحة في الصياغة اللغوية للعديد من الروايات، مما يفقدها قيمتها على الرغم من جودة محتوى بعضها.

ـ هجرة العديد من كتاب الرواية – الكردية منها خصوصاً- إلى الخارج، وبالتالي حصول تدني في النتاجات الروائية، إضافة إلى ابتعاد الكتاب عن مجريات الأحداث في وطنهم، مما يفقدهم ميزة المصداقية في مقارباتهم للواقع.

ـ فقدان مجتمعات محلية لكتاب الرواية كالسريان وعرب الجزيرة.

ولتجاوز ذلك، لابد من كتاب الرواية من تطوير أساليب الكتابة لديهم وخاصة في القواعد اللغوية، والإلمام بكافة المدارس وتقنيات الرواية الحديثة والمعاصرة، والمقاربة الحقيقية للواقع المعاش بكل تفصيلاته، وانعكاس الحالة السياسية والاجتماعية والثورية المعاشة راهناً في رواياتهم.

Hits: 12