شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

تأثير الأديان والشعوب في واقع الكرد ـ عبد الله أوجلان

38

 

الثقافة الإسلامية والعلاقات العربية الكردية التركية:

 

تقومُ العلاقاتُ الكرديةُ ــ العربيةُ ــ التركيةُ المتشكلةُ وفق ثقافةِ إسلامِ العصورِ الوسطى بدورٍ بالغِ الأهميةِ في تَطَوُّرِ الواقعِ الكرديّ. ونخصُّ في ذلك الفترةَ ما بين القرنَين السابعِ والحادي عشر. فكياناتُ الدولةِ ــ السلطةِ متجسدةً في الإمارات، وكياناتُ المجتمعِ المدنيِّ المبنيةِ على دعامةِ الطرائقِ الصوفية، والتي ظهرَت جميعُها بتأثيرِ الثقافةِ الإسلاميةِ العربيةِ في ظلِّ العلاقاتِ العربيةِ ــ الكردية؛ قد أدت إلى عيشِ الكردِ تطوراتٍ مهمةً على دربِ التحولِ إلى شعبٍ وقومٍ وأمة (ثمة فوارقٌ بسيطةٌ جداً بين المصطلحاتِ الثلاثة). هذا وشُوهِدَت تطوراتٌ مماثلةٌ في العلاقاتِ الفارسيةِ ــ الكرديةِ أيضاً خلال القرونِ التي تَسبقُها. وكنا قد تناولناها على شكلِ مسودة. أما العلاقاتُ الكرديةُ ــ التركيةُ المتناميةُ في هذه المرحلة، فقد تحولت إلى علاقاتٍ استراتيجيةٍ أكثر أهمية، وخاصةً على صعيدِ حفاظِ كِلا الشعبَين على وجودِهما.

انطلاقاً من المساوئِ البارزةِ في آسيا الوسطى مناخياً واجتماعياً، باشرَت الأنسابُ التركيةُ بتسريعِ هجراتِها صوب الشرقِ الأوسطِ مع حلولِ القرنِ العاشر، بحثاً عن مواطن جديدةٍ تتمكن من المكوثِ فيها بصورةٍ دائمة. فرغمَ تكوينِها مساكناً معتمدةً على الفتحِ داخل أراضي الإمبراطوريةِ الإيرانيةِ التقليدية، إلا إنها لَم تستطع الثباتَ كثيراً، نظراً لصراعاتِها الدائمةِ حول السلطة، سواء في علاقاتِها داخلَ النسَب، أم مع الأقوامِ المجاورة. كانت هذه الاشتباكاتُ تتيحُ حيزاً ضيقاً جداً من الاستقرارِ الدائمِ والآمن. بالتالي، كان لا بد من التقدمِ نحو الغربِ والانفتاحِ على أراضي العربِ والإمبراطوريةِ البيزنطية. كانت الأقوامُ العربيةُ والكرديةُ والأرمنيةُ تَظهرُ في مواجهتِهم هذه المرة. لقد كان أهمُّ الجنودِ الانكشاريين من أصولٍ تركيةٍ لدى السلاطين العرب العباسيين. وبهذه الطريقة، ما كان إلا للأتراكِ المقاتلين الأشاوسِ والنخبة أنْ يَقطنوا هناك. عِلماً أنه كان بمقدورِ هؤلاء الاندراجُ في سياقِ التعريبِ بسهولةٍ وفي غضونِ فترةٍ وجيزة، قاطعين بذلك روابطَهم مع ثقافتِهم القَبَلِيّة. وهكذا، كان تأمينُ مساحاتِ استقرارٍ عاجلةٍ للاتحاداتِ النَّسَبيةِ الواسعةِ المتبقية، لا يبرحُ عالقاً كقضيةٍ أولية. وتأسيساً على مهاراتِهم القتالية، كانوا قد شادوا في الساحةِ العربيةِ العديدَ من الإماراتِ أتابكةً وسلالات، وبالأخصِّ في المناطقِ الممتدةِ حالياً من العراقِ إلى مصر. لكنّ تلك الإماراتِ ظلت قاصرةً عن تغطيةِ الحاجاتِ إزاء ضخامةِ تياراتِ الهجرةِ المتدفقة. هنا أيضاً كانت الظاهرةُ الانكشاريةُ ــ القتاليةُ أساسية. في حين استمرَّت الأنسابُ التركيةُ المتبقيةُ في البحثِ عن مواطنِ استقرارٍ دائم، وبقيَت جوّالة. وقد حصلَ تماسُّها التاريخيُّ مع الكردِ أثناء عملياتِ البحثِ هذه.

تنبعُ القضايا الأساسيةُ للكردِ في هذه الفترة (أي بين القرنَين الحادي عشر والثاني عشر)، إماراتٍ كانوا أم مجتمعاً مدنياً؛ تنبعُ من انحصارِهم بين العلاقاتِ التي يَسُودُها التوترُ والصِّدامُ والوفاقُ مع السلاطين والغازين العرب من ناحية، وبين مَوقِعِهم على خطِّ التوسعِ والاحتلالِ التقليديِّ الموروثِ من روما الإمبراطوريةِ البيزنطيةِ من الناحيةِ الأخرى. فهجماتُ القبائلِ ذاتِ المشاربِ الساميّةِ الممتدةِ في جذورِها إلى ثقافةِ آل عُبَيْد (5000 ــ 4000 ق.م)، لَم تَكُن تَعرِفُ الهدوءَ ولا السكون؛ آتيةً من اليمن والبوادي الصحراويةِ الجنوبية. موجاتُ الانتشارِ هذه المتجهةُ نحو الشمال (صوب الأراضي التي أَفضَت إلى بروزِ مصطلحِ الجنة)، والتي استمرت في عهودِ الأكاديين والبابليين والآشوريين بدعمٍ من إمبراطورياتِهم؛ قد تَسارعَت أكثر مع الغزواتِ العربيةِ المتصاعدةِ بدءاً من القرنِ الخامسِ قبل الميلاد.

تدفَّقَ العربُ كالسيلِ الجارفِ نحو أعماقِ أوروبا وقفقاسيا وآسيا الوسطى بفتوحاتِهم المتعاظمةِ كالتَّيهور مع الإسلام. وبالمقابل، فقد لَحِقَت أفدحُ الأضرارِ الناجمةِ عن ذلك بالمجموعاتِ التقليديةِ ذاتِ الأصولِ الآريةِ في الشمال، يتصدرُها الكردُ والكردُ الأوائل. حيث دخلَ الكردُ الإسلامَ بعدَ مقاومةٍ معيَّنة. لكنهم صاغوا استراتيجياتِهم في الحفاظِ على وجودِهم. إذ قَبِلَت الطبقةُ العليا من القبائلِ الكرديةِ الانصهارَ في بوتقةِ الإسلامِ والعروبة، في حين شَكَّلَت الطبقاتُ السفلى مجتمعاتِها المدنيةَ الصوفية، وانسحبت إلى ذُرى الجبالِ الشاهقةِ وسفوحِها الشاسعةِ مثلما دأَبَت على فِعلِه تقليدياً. وكما ذُكِرَ آنفاً، فقد نَجَحَ الكردُ باستراتيجياتِهم تلك في صَونِ وتطويرِ وجودِهم بكلِّ محاسنِه ومساوئِه. حيث جَعَلَت الطبقةُ العليا المتواطئةُ من التحولِ القوميِّ السُّنِّيِّ الذي يَطغى عليه الجانبُ السلبيُّ ذريعتَها في الوجود (الاعتداد بالعروبة في أغلبِ الأحيان، واستخدام الكردايتيةِ عندما اقتضَت منفعتُها ذلك). في حين تقدمَت الشرائحُ السفلى على طريقِ التحولِ إلى شعبٍ تأسيساً على الطرائقِ الصوفيةِ (وبالأخصِّ المدارس الدينية) المتميزةِ بطابعِ المجتمعِ المدنيِّ الذي يَسُودُه الجانبُ الإيجابيّ؛ باسطةً بذلك مساهماتٍ مهمةً في الواقعِ الكرديِّ خلال العصرِ الوسيط.

إنّ الهجماتِ الآتيةَ من الشمالِ والغرب، والتي ابتدأت مع الإسكندر واستمرت مع روما ووريثتها الإمبراطورية البيزنطية مستهدفةً الإمبراطورياتِ الإيرانيةَ والبرسيةَ والبارثيةَ والساسانيةَ على التوالي؛ كانت تؤدي إلى حروبٍ دارَت رحاها في مناطقِ الحياةِ الأوليةِ التي تقطنُها مجموعاتٌ غالباً ما كانت من أصولٍ كردية. هذه الغاراتُ الهجوميةُ التاريخيةُ الآتيةُ من الشمالِ والجنوبِ والغرب، قد احتدّت وتضاعفَت من الجهةِ الشرقية، بعدَما هجمَت الإماراتُ التركيةُ ومن ثم إمبراطورياتُها اللاحقةُ على الإمبراطوريةِ الإيرانية، فدَكَّتها من أركانِها. وهكذا حَلَّت اللعنةُ على الأراضي التي كانت تُوصَفُ بالجنة. من عظيمِ الأهميةِ التبيانُ أنّ تاريخاً مشحوناً بهكذا حروبٍ تعسفيةٍ شعواء، هو الذي يكمنُ وراء اللعنةِ وسوءِ الطالعِ الذي حلَّ بالكرد. وسواء تواجدوا قبائلاً وعشائراً، أم حازوا على حضورِهم كقوم؛ فقد ظلَّ الكردُ متيقظين دوماً تجاه القوى المُوَلِّدةِ للنتائجِ الوخيمة، والتي عادةً ما تَكونُ مُستَورَدةً من الخارجِ ولا تَخلو من أزلامِها وامتداداتِها الداخلية. وقد واجَه الكردُ الإماراتِ والسلطناتِ والأنسابَ القَبَلِيّةَ التركيةَ في ظلِّ هكذا أحوالٍ وظروف. كانت كِلتا القوتَين خبيرتَين وقتاليتَين. ورغم اشتعالِ بعضِ شراراتِ الاشتباكِ في أولى حالاتِ تماسِّهما، إلا أنّ الصداقةَ والوفاقَ كانا الجانبَ السائدَ بينهما. ذلك أنّ كِلا الطرفَين كانا في مَسيسِ الحاجةِ إلى ذلك. بينما تفضيلُ الصراعِ قد يتسببُ بخسائر استراتيجيةٍ لكِلَيهما إذ قد يَنتهيان معاً. يُدرَكُ من هذا أنّ كِلا الطرفَين كانا يتحليان بالوعيِ في هذه الوِجهة.

كان السلطانُ ألب أرسلان من أسرةِ الأوغوز السلجوقية، والحائزُ على لقبِ السلطانِ من الخليفةِ العباسيّ، يبحثُ عن حليفٍ له في كردستان، كي يفتحَ أبوابَ الأناضول. كان يُبرمُ العلاقاتِ مع الإماراتِ والقبائلِ الكرديةِ القويةِ في عهدِها، استعداداً لمعركةِ ملازكرد عامَ 1071. ونتيجةً لذلك، فقد عثرَ على الحلفاءِ الذين بحثَ عنهم لدى السلطنةِ المروانية، التي تَتَّخِذُ من ميافارقين (سيلوان) مركزاً لها. وجمعَ من العديدِ من قبائلِ المنطقةِ قوةً تُساوي قواتِ قبيلتِه. إذن، وعلى عكسِ ما يُعتَقَد، فحربُ ملازكرد لَم تَخُضها القواتُ المجموعةُ من الأنسابِ التركيةِ فحسب ضد الإمبراطوريةِ البيزنطية. بل كانت معركةً مُوفَّقةً خاضتَها أيضاً قواتُ القبائلِ والإماراتِ الكرديةِ بكَمٍّ يُعادلُ تعدادَ القواتِ الأولى بأقلِّ تقدير. من هنا، فإذ ما حَلَّلنا معركةَ ملازكرد بمنوالٍ سديد، فسيُدرَكُ المنطقُ الاستراتيجيُّ الأساسيُّ الكامنُ في العلاقاتِ الكرديةِ ــ التركية. الوضعُ كالتالي باختصار: كان الكردُ بحاجةٍ إلى حلفاء أشداء للتمكنِ من الحفاظِ على وجودِهم وتطويرِه في وجهِ الغاراتِ الرومانيةِ والبيزنطيةِ الآتيةِ من الغربِ والشمال. وقد رأوا ذلك في القوى العربيةِ ــ الإسلامية. هذه الحاجةُ الأمنيةُ هي إحدى الدوافعِ الأوليةِ وراء اعتناقِهم السريعِ للإسلامِ بناءً على العلاقاتِ التي عقدوها مع القوى العربية إلى حين وفودِ الأنسابِ التركيةِ إلى المنطقة. وحاجةُ هذه الأخيرةِ إلى موطنٍ جديد، إما أنها كانت ستزجُّ بهم في حربٍ مع الكرد، صائرين بذلك قوةً محتلة؛ أو أنهم – في حالِ استحالةِ ذلك- كانوا سيشيّدون أماكنَ سكنٍ مستقرةٍ بعد الاتفاقِ مع الكردِ لدحرِ الإمبراطوريةِ البيزنطيةِ غرباً. هكذا خاضَ كِلا الطرفَين معركةَ ملازكرد بناءً على هذا المنطقِ الاستراتيجيّ. أي أنّ الحربَ كانت  ــ بكلِّ تأكيد ــ  معركةً مشتركةً بين الكردِ والأتراكِ في وجهِ الإمبراطوريةِ البيزنطية.

نتائجُ هذه الحربِ ساطعةٌ جلياً: فقد فُتِحَت أبوابُ الأناضولِ أمام الأنسابِ التركية، ليبدأَ بذلك عهدٌ تاريخيٌّ جديد. في حين تَخَلَّصَ الكردُ من قوةٍ تاريخية مُعيقةٍ طالما قَمَعَتهم وفرضَت عليهم التراجعَ منذ قرونٍ عديدة. وقد أدى الإسلامُ وظيفةَ المؤونةِ المغذيةِ لهذه العلاقة. فالحربُ المشتركةُ المُخاضةُ تحت الكساءِ الإسلاميّ، كانت في واقعِ الأمر ترمي إلى حمايةِ وتطويرِ وجودِ كِلا الشعبَين اللذَين تطغى عليهما الخصائصُ القَبَلِيّةُ والعشائرية. وفشلُها في ذلك الحين كان سيعني فُقدانَ كِلا الشعبَين لوجودِهما، واضمحلالَهما. لكنّ التاريخَ الرسميَّ يُرجِعُ حربَ ملازكرد دوماً إلى عظمةِ السلطانِ التركيّ، مُخفياً بذلك جوهرَها. إنها حربُ الكردِ أيضاً بقدرِ الأتراكِ على الأقلّ. وعدمُ تدوينِ ذلك في التاريخِ الرسميِّ لا ينفي وجودَ واقعٍ كهذا.

كان سيبقى هذا المنطقُ سارياً إلى يومِنا الراهنِ في العلاقاتِ الكرديةِ ــ التركية، حتى ولو أَفسَدَته النزاعاتُ والصِّداماتُ بين الفينةِ والأخرى. حيث ستحافظُ هذه الاستراتيجيةُ الجديدةُ على مفعولِها مع استقرارِ الأتراكِ في دواخلِ بلادِ الأناضول. وستتذكرُ كِلتا القوتَين أنهما لَن تتمكنا من إحرازِ النجاحِ في لحظاتِ التاريخِ الحرجة، إلا عندما تتَحَرّكان معاً. وسيَسري هذا المنطقُ على الدوامِ في عهدِ السلالةِ الأيوبيةِ الكردية والعديدِ من إماراتِ الأناضول، وفي عهدِ العثمانيين أيضاً. ولَئِنْ ما سَبَرنا أغوارَ التاريخ، فسنرى أنّ استراتيجيةً شبيهةً بهذه ما برحَت قائمةً بين القوى القاطنةِ في بلادِ الأناضولِ وميزوبوتاميا منذ أيامِ العلاقاتِ الحثيةِ ــ الميتانية (أعوام 1600 ق.م). حيث سيُعاشُ هذا التداخُل، سواء شعباً وقوىً مدنية، أم على صعيدِ قوى السلطة. وستظلُّ استراتيجيةُ الدفاعِ المشتركِ هذه قيدَ العمل، ليس تجاه الهجماتِ الآتيةِ من الغربِ فحسب، بل وتجاه تلك الآتيةِ من الشرقِ والجنوبِ أيضاً. فقد استطاعَ السلطانُ العثمانيُّ سليم الأول إيقافَ توسعِ إمبراطوريةِ السلالةِ الصفويةِ الإيرانيةِ بمنظورٍ مثيلٍ من التحالف. هذا وسُدَّ الطريقُ أولاً أمام غاراتِ سلطنةِ المماليكِ مصريةِ المركز والآتيةِ من الجنوب، ثم قُوِّضَت عن بكرةِ أبيها في نفس الفترة (1514 ــ 1517م) بالتحالفِ المُبرَمِ بزعامةِ إدريس البدليسيّ. وستَسري الاستراتيجيةُ عينُها خلال حربِ التحريرِ في عشرينياتِ القرنِ العشرين.

وفي معركةِ جالديران الدائرةِ عامَ 1514م ضد توسعِ إمبراطوريةِ السلالةِ الصفويةِ الإيرانية، كانت قواتُ الإماراتِ والقبائلِ الكرديةِ تزيدُ عدداً على الانكشاريين الموجودين في جيشِ السلطانِ ياووز سليم. وقد تُوِّجَت المعركةُ بالنصر جغرافياً وعسكرياً بناءً على التحالفِ العثمانيِّ ــ الكرديّ (البروتوكول الموَقَّعُ بين السلطان ياووز سليم وثمانيةٍ وعشرين بيكاً كردياً في أماسيا). وإذا وُضِعَ نفوذُ المماليكِ في أورفا وماردين نُصبَ العين، فسيُلاحَظُ أنّ معركةَ مرج دابق (بالقرب من حلب شمالي سوريا) أيضاً تتسمُ بطابعٍ مشابه. أما الإشارةُ إلى أنّ الدورَ الذي أدته كِلتا المعركتَين كان مهماً على الصعيدِ الاستراتيجيِّ من ناحيةِ وجودِ الكردِ واستقلالِهم، فهو أمرٌ واقعيٌّ وضروريٌّ إلى أبعدِ حدّ. وقد طَمَسَ التاريخُ الشوفينيُّ هذه الحقائقَ وحجبَها. لذا، فالأصحُّ هو النظرُ إلى الحروبِ الدائرةِ في أراضي كردستان في عهدِ السلالاتِ السلجوقيةِ والأيوبيةِ والعثمانيةِ على أنها حروبٌ غالباً ما خاضَها الكردُ ضد قوى الاحتلال. هذا وتندرجُ حربُ التحريرِ الوطنيةِ خلال أعوام 1920 و1922م ضمن هذه اللائحةِ أيضاً. ومَكسبُ الأتراكِ من هذه الحروب هو أنهم حظَوا بموطنٍ دائمٍ يأويهم في بلادِ الأناضول، وما كان لهم أن يَحظَوا به لولا الكرد.

من هنا، لا يمكنُ تدوينُ تاريخِ وجودِ كِلا المجتمعَين بشكلٍ صحيح، ما لَم تُستَوعبْ ماهيةُ العلاقاتِ التي عقدَها الكردُ مع الأقوامِ والإماراتِ والسلطناتِ والأنسابِ التركية بمنوالٍ سليم. حيث ينبغي الفهم على أفضلِ وجهٍ أنّ الكردَ لَم يَقبَلوا بهذه الاستراتيجيةِ في علاقاتِهم مع الأتراك كي يتعرضَ وجودُهم إلى الخطرِ بالعنفِ العسكريّ أو بالانصهارِ في بوتقتِهم. بل لكي يُحافظوا على وجودِهم ويُنَمُّوه معاً بنحوٍ أقوى.

نفسُ المنطقِ الاستراتيجيِّ يَسري أيضاً على الأتراكِ المتسمين بذهنيةٍ ذاتِ عمقٍ تاريخيٍّ ملحوظ. أما “الفاشيةُ التركيةُ البيضاء” التي تَعني في نفسِ الوقتِ العَمالةَ الموضوعيةَ للغرب؛ فما يتخفى وراء موقفِها خلالَ القرنِ الأخيرِ في إنكارِ هذا المنطقِ الاستراتيجيِّ والسَّرَيانِ التاريخيّ، هو النوايا والممارساتُ التآمريةُ المُغرِضةُ بحقِّ كِلتا الثقافتَين الاجتماعيتَين. ذلك أنّ فرضَ الإنكارِ والصهرِ وارتكابَ الإبادةِ والتطهيرِ الجماعيِّ بحقّ الكردِ العاملين أساساً بتلك العلاقاتِ التي ظلّت تتميزُ بجوهرِها المذكورِ منذ بداياتِ فتراتِ إبرامِها، إنما يعني الخيانةَ الكبرى بحقِّ كِلتا الثقافتَين الاجتماعيتَين، وسيُفضي إلى خُسرانِهما معاً.

الدينُ هو الظاهرةُ التي كانت تطبعُ العلاقاتِ بين المجتمعاتِ بطابعِها في العصرِ الوسيط. فالدينُ في العصرِ الوسيطِ يتحلى بتأثيرٍ شبيهٍ بالقومويةِ الراهنة. لكنه في الواقعِ الاجتماعيِّ غطاءٌ أيديولوجيّ. في حين تُشَكِّلُ اللغةُ والثقافةُ التقليديةُ الوجودَ الأصل. وقد استمرَّ التغيرُ الذي طرأَ على اللغةِ والثقافةِ الكرديتَين تحت الكِسوةِ الإسلاميةِ بكلِّ محاسنِه ومساوئِه. في حين أنّ ظاهرةَ التحولِ إلى شعبٍ وإلى قوم، والتي تبرزُ بجلاءٍ أسطع في هذا العصر، قد أصبحت أحدَ الأبعادِ الرئيسيةِ للواقعِ الثقافي. هكذا أَبدَت الذهنيةُ القوميةُ أيضاً تطوُّراً ملحوظاً، إلى جانبِ الذهنيةِ القَبَلِيّةِ والدينية.

 

التأثير الأرمنيّ–السريانيّ–اليهوديّ في الواقع الكرديّ:

 

لعبَ تأثيرُ المسيحيين من أرمنٍ وآشور، وتأثيرُ اليهودِ أيضاً دوراً مهماً في الواقعِ الكرديِّ خلال العصورِ الوسطى. فقد بسطَت المسيحيةُ المُنشَأةُ قبل الإسلامِ بستةِ قرون تأثيرَها مُبكراً كعاطفةٍ وكفكرٍ دينيّ. وغالباً ما تصاعدَت في بداياتِها كحركةٍ للمقهورين والخاضعين للقمعِ والجور. هذا وكانت الإمبراطوريةُ الرومانيةُ في أَوجِ نفوذِها على المنطقة عندما وُلِدَت المسيحية. أكثرُ مَن طالَتهم هذه السيطرةُ والنفوذ هم الهيلينيون والآشورُ والأرمن، إلى جانبِ ذوي الأصولِ الكرديةِ والعربيةِ بشكلٍ جزئيّ. فقد تَكَوَّنَت آنذاك الشرائحُ البائسةُ بين صفوفِ اليهودِ أيضاً، فباتت النزعةُ القَبَلِيّةُ ضيقةَ النطاقِ عليهم. ونظراً لأنَ الشريحةَ العليا تواطأت مع روما، فإنّ الانقسامَ بينهم كان من الجذور. وسيدُنا عيسى هو ثمرةُ هذا الانقسام، إذ ظهرَ كزعيمٍ دينيٍّ للفقراءِ البؤساء. أي أنّ العيسويةَ في حقيقةِ أمرِها هي ثاني تكوينٍ دينيٍّ مُشتقٍّ من اليهودية. وبحُكمِ “التوراة”، الذي يُعَدُّ الكتابَ المقدسَ للقبائلِ اليهودية، لَم ينقسم اليهودُ من الأعماق، بل ظلَّ المنشقّون أقلية. في حين أنّ ذوي الأصولِ الهيلينيةِ والأرمنيةِ والآشوريةِ كانوا أكثر مَن تأثرَ بالدينِ الجديد. تسارعَ توسعُ المسيحية مع حلولِ القرنِ الثالثِ الميلاديّ، ليَكُونَ القرنُ الرابعُ قرنَ التحولاتِ الكبرى فيها. إذ اعتنقَ السَوادُ الأعظمُ من تلك الشعوبِ الثلاثةِ الدينَ المسيحيّ. ونظراً لكونِ اعتناقِ المسيحيةِ يعني في نفسِ الوقتِ الانعتاقَ من العبوديةِ لروما، فقد أدت المسيحيةُ دورَ المِلليةِ المبكرة، والتي بدورِها لعبت دورَ قومويةٍ بِدئية؛ إلى جانبِ اختلافِها عن القومويةِ الرأسمالية. بالتالي، فهي تحملُ بين أحشائِها نوى رأسماليةٍ مبكرةٍ أيضاً. وإلا، فليس صدفةً أنْ تتحوَّلَ الرأسماليةُ إلى هيمنةٍ نافذةٍ في أحضانِ المسيحية. لقد أدت المسيحيةُ دوراً عظيماً في انقسامِ الإمبراطوريةِ الرومانيةِ إلى قسمَين خلال القرنِ الرابع. كما وكانت مُعَيِّنةً أيضاً في ولادةِ روما الشرقية، أي بيزنطة. في حين اعتَنَقَت روما الغربيةُ أيضاً المسيحيةَ بعد فترةٍ قصيرة. وما النزعتان الكاثوليكيةُ والأرثوذكسيةُ سوى تعبيرٌ أيديولوجيٌّ عن هذا الانقسام. وهكذا غدت اللاتينيةُ لغةَ التعبيرِ في الثقافةِ الكاثوليكية، بينما سادت اللغةُ الإغريقيةُ بين صفوفِ الأرثوذكسيين. زِدْ على ذلك أنّ الأرمنَ والسُّريان ــ الكلدان (الآشورُ المسيحيون) أيضاً لَم يتخلفوا عن إنشاءِ مذاهبِهم الخاصة. لقد نَمَّت هذه الانقساماتُ عن انفصالاتٍ جذريةٍ في ثقافةِ الشرقِ الأوسط. إذ تسارعَ الانفصالُ الهيلينيُّ والأرمنيُّ والسريانيّ، وكأنّ هذه المجموعاتِ تحولَت إلى أممٍ مُصَغَّرةٍ شَهِدَت ولادةً مبكرة.

تتفوقُ هذه الشعوبُ بنسبةٍ كبيرة على الشعوبِ الأخرى، وبالأخصِّ على القبائلِ الكرديةِ والعربية؛ سواء ماديّاً أم معنويّاً وفكريّاً. ولا مفرّ من اتساعِ الهوةِ بينها، لأنّ تلك الشعوبَ الثلاثةَ من أعرقِ شعوبِ الشرقِ الأوسطِ ذاتِ الأصولِ المدينيةِ التي تُمَكِّنُ التفوقَ الثقافيّ. ومن الطبيعيِّ أنْ يَكُونَ كُردُ الجبالِ شمالاً وعربُ الصحراءِ جنوباً على تناقضٍ مع هذا التفوق. علماً أنّ احتضانَ بيزنطة للهيلينيين الأرثوذوكس، واحتواءَ الساسانيين على الأرمنِ والسُّريان المنتمين إلى مذاهب مختلفة، قد زادَ من تعقيدِ تلك التناقضات. أما ولادةُ الإسلامِ في القرنِ السابع، وإحرازَه التفوقَ السريعَ تجاه كِلتا الإمبراطوريتَين بما تحتويان من مذاهب؛ فقد زادَ من حِدّةِ ومستوى التناقضات. زِدْ على ذلك أنّ التناقضاتِ التقليديةَ مع اليهوديةِ ما انفكّت تثيرُ الفوضى في كلِّ الأوقات.

باتت الأراضي الكرديةُ مع الإسلامِ في مركزِ تعقيداتِ هذه التناقضاتِ الجديدةِ الشائكة (ستَدخلُ هذه الأراضي قائمةَ الأدبياتِ باسمِ “كردستان” اعتباراً من القرنِ الحادي عشر). حيث صارت كردستان ميداناً يَستعرضُ فيه العربُ والفُرسُ والكُردُ والسريانُ والأرمنُ قِواهم، ليَلحَقَ بهم الأتراكُ بعد فترةٍ قصيرة. كما كانت ميداناً أساسياً للصِّدامِ بين البيزنطة والإمبراطوريةِ الإسلامية (والساسانيين من قبل). وغالباً ما كان الكُردُ متداخلين مع الأرمنِ شمالاً، ومع السريانِ جنوباً، ومع الرومِ غرباً، ومع الفُرسِ شرقاً. وعلى الرغمِ من تكوينِهم الشعبَ الأكثرية، إلا إنهم كانوا على تماسٍّ دائمٍ مع تلك الشعوبِ الجارة، وبالأخصِّ مع قِواها داخل المدن. وبينما كانوا يحظَون بوجودِهم كشعبٍ رعويٍّ وزراعيّ، فقد كان الأرمنُ والسريانُ يَكسبون وجودَهم كشعبَين مُقتاتَين على المدينةِ والحِرَفِ الحرة. وهكذا كان قد نشأَ فيما بينهم تقسيمٌ تاريخيٌّ للعملِ أيضاً. لذا، كانت العلاقاتُ تكافليةً تبادُليةً أكثرَ منها متناقضة. هذا وينبغي إدراج اليهودِ أيضاً إلى هذه العلاقات. فاليهوديةُ كانت على علاقةٍ كثيبةٍ مع الأراضي الكرديةِ منذ لحظةِ ولادتِها.

وبالإضافةِ إلى اعتناقِ السوادِ الأعظمِ من الكردِ العقيدةَ الزرادشتيةَ في هذه الفترة، فقد تَكَوَّنَت شريحةٌ كرديةٌ جزئيةٌ مُتَهَوِّدةٌ أو مُتَنَصِّرة. لكنّ هذا التوازنَ قد اختلَّ جذرياً مع مجيءِ الإسلامِ إلى المنطقة. حيث استحوذَ العربُ على تفوقٍ ملحوظٍ في الأراضي العراقيةِ والسوريةِ الحاليةِ تجاه السريانِ واليهودِ والروم (أي تجاه المسيحيين واليهود تحت غطاءِ الإسلام). هذا وشُوهِدَ الوضعُ عينُه تجاه الأقباطِ المسيحيين في مصر أيضاً. كما حقَّقَ الأتراكُ في بلادِ الأناضولِ الغَلَبةَ والتفوقَ إزاء الرومِ بنحوٍ بارزٍ وإزاء الأرمن نسبياً. إلى جانبِ تحقيقِ الكردِ الغَلَبةَ والتفوقَ بنحوٍ مثيلٍ في كردستان تجاه الأرمنِ والسُّريان. ينبغي الفهم أننا نشيرُ هنا إلى هيمنةِ الطبقةِ العليا داخل كلِّ قومٍ وَرَدَ اسمُه آنفاً. فبالرغمِ من كافةِ الاشتباكاتِ والفتوحات، إلا أنّ كفةَ علاقاتِ الصداقةِ هي التي رجحَت بين الطبقاتِ السفليةِ والشعوب. إذ عاشَ الكردُ بالتداخلِ مع القومَين الأرمنيِّ والآشوريّ، وباشروا معاً في العديدِ من المبادراتِ الحضاريةِ والثقافية. هذا وبالإمكانِ تشخيصُ مثلِ هذه العلاقاتِ تاريخياً من خلال وجودِها الممتدِّ إلى أعوامِ 2000 ق.م. فعلى الرغمِ من جميعِ نزاعاتِ الإماراتِ القوميةِ على السلطةِ والمُلك، إلا إنّ العلاقاتِ الثقافيةَ عِيشَت بكثافةٍ بين الشعوبِ الأرمنيةِ والكرديةِ والتركمانيةِ والسريانيةِ حتى مطلعِ القرنِ التاسعِ عشر. وقد غَلَبَ الطابعُ التكافليُّ على هذه الأواصرِ التي تصاعَدَت في الحقلَين الماديِّ والمعنويِّ ــ الثقافيِّ على حدٍّ سواء، ولَم تُلاحَظ المساوئُ التي غَيَّرَت مسارَ مصيرِ تلك الشعوبِ من الجذور. في حين انحصرَ الصراعُ بين الطبقاتِ العُليا، التي غالباً ما أُلِّبَت على بعضِها بعضاً على خلفيةِ منافعِها، ليتحولُ الصراعُ بعدَها إلى اشتباكٍ وصِدام. أما بين الطبقاتِ التحتية، فقد قُوبِلَ الاختلافُ الدينيُّ والمذهبيُّ بتقديرٍ ووِد، ولَم يُعتَبَر عائقاً أمام علاقاتِ الصداقةِ والأخوّة. لذا، لن يستطيعَ تدوينُ التاريخِ والترويجُ له تأسيساً على القوى والأيديولوجياتِ المهيمنةِ أنْ يطمسَ هذ الواقعِ أو ينفيه، ولن يكفيَ للقضاءِ عليه.

أسفرَت علاقاتُ الواقعِ الكرديِّ مع الثقافةِ الإسلامية عن نتائجَ مهمةٍ في الشرقِ الأوسطِ مع أواخرِ العصرِ الوسيط. فكان لهذه العلاقاتِ التي استمرت قُرابةَ ألف عامٍ تداعياتُها الإيجابيةُ والسلبية. الجانبُ السلبيُّ فيها هو تأثيرُ الثقافةِ واللغةِ العربيةِ في الصهر. حيث دامَ التعريبُ وتأثيرُ اللغةِ العربيةِ قروناً عديدة. وابتَعَدَت الشريحةُ الكرديةُ العليا الصائرةُ طبقةً بحَدِّ ذاتِها عن الثقافةِ الشعبية، قاطعةً أشواطاً ملحوظةً في التواطؤِ التقليديِّ الذي صَعَّدَته أكثر مع السلالةِ التركيةِ ــ العثمانيةِ بدءاً من القرنِ السادسِ عشر؛ لتدخُلَ خضمَّ صراعاتٍ مع الشعبَين الأرمنيِّ والسريانيِّ بين الحينِ والآخر. كما وسلَّطَت قمعَها واستغلالَها كطبقةٍ تحكميةٍ متواطئةٍ على الشرائحِ المسماةِ بالكرمانج وعلى الشرائحِ المقهورةِ من العشائرِ والقبائل. أما الجانبُ الإيجابيّ، فهو استخدامُ اسمِ “الكردِ” كشعبٍ وكقومٍ رسمياً وفعلياً لأولِ مرةٍ في هذه الفترة، وإطلاقُ اسمِ “كردستان” على أراضيهم رسمياً. وباختصار، فقد جُزِمَ باسمِهم وطناً وشعباً في هذه الفترة. ودُوِّنَت المأثوراتُ الأدبيةُ باللغةِ الكردية. ذلك أنّ العديدَ من المنجزاتِ العلميةِ والأدبيةِ المكتوبةِ بالكرديةِ هي من ثمارِ هذه المرحلة، يتصدرُها “تاريخ كردستان” لشرف خان[1]، و”مم وزين” لأحمدي خاني[2]، وأشعارُ فقي طيران[3]. ومع تَضَعضُعِ القبائلِ والعشائرِ الكرديةِ نسبياً، تَكَوَّنَ صنفُ الكرمانجِ الذين شَكَّلوا الغالبيةَ الأساسيةَ في العديدِ من القرى والمدنِ المستقرة. وهكذا انتَقَلَ تدريجياً الدورُ المحوريُّ في ظاهرةِ التحولِ إلى شعب من أعضاءِ القبائلِ والعشائرِ إلى الكرمانج الذين صاروا كادحين أحرار. كما تَشَكَّلَت صنوفٌ عديدةٌ من المجموعاتِ الجديدةِ الأقرب إلى المجتمعِ المدنيّ (وعلى رأسِها الطرائقُ الصوفيةُ والعَلَوِيّةُ والإيزيدية) في وجهِ الهيمنةِ الاحتكاريةِ السيئةِ للسلطناتِ والإماراتِ النافذةِ في حقولِ السلطةِ والاقتصادِ والأيديولوجيا. كلُّ هذه الأمورُ تُعَدُّ تطوراتٍ معياريةً وفِئَويةً ذات محتوى ديمقراطيٍّ وطيد. وبإيجاز، فلدى وصولِنا عتبةَ القرنِ التاسعِ عشر، لَم يَكُن الواقعُ الكرديُّ متخلفاً عن الحقائقِ القوميةِ والثقافةِ الاجتماعيةِ المُعاشةِ في عمومِ العالَم. بل كان متقدماً عليها بأشواطٍ ملحوظة.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المصدر: كتاب “مانيفستو الحضارة الديمقراطية- المجلد الخامس: القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية”، الطبعة الثالثة، دار شلير للنشر والطباعة، قامشلو/ سوريا، 2018م

 

[1] شرف خان شمس الدين البدليسي: حاكم إمارة بدليس الكردية غرب بحيرة وان (1543 ــ 1599 أو 1603م). مؤرخ وشاعر وكاتب كردي كلاسيكي. اهتم بالعلم والمعرفة والتاريخ الكردي، واشتهر بمؤلفه الضخم “شرف نامه” باللغة الفارسية، الذي يبحث في تاريخ الدول والإمارات الكردية في العصور الوسطى والحديثة إلى نهاية القرن السادس عشر، وفيه تراجم الملوك والسلاطين والأمراء والحكام، وسرد لنشأة اللهجات الكردية ونشوء المدن وزوالها (المترجِمة).

[2] أحمدي خاني: هو أحمد بن إلياس بن رستم الملقب بـ”خاني” (1650 ــ 1706م). شاعر وأديب كردي، وصاحب الملحمة الشعرية مم وزين وممي آلان. أتقن العربية والفارسية والتركية إضافة إلى لغته الأم، حيث انكب عليها جميعاً وعرف معانيها، ثم وضع قاموسه الكردي ــ العربي الذي خص الأطفال به وأسماه “الربيع الجديد للصغار” (المترجِمة).

[3] فقي طيران: شاعر كردي كلاسيكي اسمه محمد هكاري، ومعنى لقبه “فقيه الطيور” (1590 ــ 1660م). عُرف بإلمامه بالموروث الشعبي الكردي الشفهي، وبالثقافات العربية والفارسية والتركية، واشتهر بمجمعه اللغوي. هو أول كردي ذَكَرَ معركة قلعة دمدم في ملحمة أدبية ذات أهمية تاريخية. وممثل مرحلة انتقال الأدب الكردي من طوره الشعبي الشفهي إلى الكلاسيكي. من آثاره الشعرية: “ملحمة خان دمدم، حكاية برسيس العابد، حكاية معركة سيسبان” (المترجِمة).

Hits: 10