شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الترجمة.. حاجة إنسانية وضرورة معرفية حضارية ـ بير رستم

35

 

الكائن الإنساني يعتبر أعقل الكائنات وأذكاها، كونه الوحيد الذي اخترع إشارات لفظية دلالية سميت في مراحل لاحقة باللغات واللسانيات، حيث مرت من المرحلة الشفاهية اللفظية إلى مرحلة الكتابة والبلاغة والآداب والفنون والتي أسست لحضارات إنسانية متعددة، ولكن هذا الاختراع وإن كان قد ساهم في نقل المعلومة بسرعة بين أفراد المجموعة الواحدة حيث وبدل أن يبذل أحدهم جهداً وزمناً كبيرين لوصف معلومة ما بلغة الجسد والإشارة، بات اللفظ والإشارة الصوتية ثم الكتابية تعبر بسهولة عن المدلول، إلا أن برز عائق جديد؛ ألا وهو التواصل بين تلك المجموعات البشرية المتباعدة زمكانياً حيث نعلم بأن التباعد المكاني خلق مجموعات بشرية مختلفة دينياً وعرقياً -عرفت بها فيما بعد- وبالتالي كان لا بد من خاصية ما تمكنهم من التواصل فيما بينهم وذلك بعد أن جعلت التجارة والقوافل وطرق المرور وبعدها الحروب والنفوذ والاستيلاء على خيرات الآخرين أسباب لتلاقي تلك الشعوب ومن ثم تلاقح الثقافات والحضارات.. وهكذا كان لا بد ممن يجيد أكثر من لغة ليكون الوسيط -المترجم- من لغة لأخرى ولكن وقبل الخوض في الترجمة وحيثياتها وبداياتها ودورها في نمو ثقافات وحضارات الأمم، دعونا نتعرف على بعض من معنى اللغة، كونها الأساس الذي يعتمد عليه في نقل الدلالات، إن كان شفاهيةً أو كلاماً مدوناً مكتوباً برموز وإشارات محددة.

ما هي اللغة؟

تقول الموسوعة الحرة – ويكيبيديا- بهذا الخصوص ما يلي: “اللغة هي نسق من الإشارات والرموز، تشكل أداة من أدوات المعرفة، وتعتبر اللغة أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة. وبدون اللغة يتعذر نشاط الناس المعرفي. ترتبط اللغة بالتفكير ارتباطًا وثيقًا؛ فأفكار الإنسان تصاغ دومًا في قالب لغوي، حتى في حال تفكيره الباطني. ومن خلال اللغة تحصل الفكرة فقط على وجودها الواقعي. كما ترمز اللغة إلى الأشياء المنعكسة فيها، فاللغة هي القدرة على اكتساب واستخدام نظام معقد للتواصل وخاصة قدرة الإنسان على القيام بذلك، واللغة هي أحد الأمثلة المحددة من هذا النظام، وتسمى الدراسة العلمية للغة بعلم اللغويات”(1).

وهكذا فإن اللغة باتت أهم وسيلة للنشاط الحيوي للإنسان ليس فقط كأداة للتواصل بين أفراد مجموعة ما والمجموعات البشرية الأخرى عبر الوسيط المترجم – والذي هو موضوع البحث- بل كذلك كضرورة تاريخية حضارية للتعريف بما نملك وننتجه حضارياً حيث الكومبيوتر الذي تم اختراعه مع آلاف التقنيات الحديثة احتاج إلى إشارات ودلالات صوتية لغوية للدلالة عليه، بل إن اللغة وآدابها وفروعها المختلفة تنتج ومن خلال نشاط مبدعيها إشارات ورموز ثقافية لغوية جديدة، كون اللغة وبتعريف شبه متفق عليه بين علماء اللسانيات هو “كائن حي” مثله مثل كل الكائنات التي تولد وتموت وهذه الولادات الجديدة أغنت لغات عديدة، كما أن بعضها ماتت أو افتقرت وذلك لأسباب حضارية ثقافية أو لأسباب سياسية تتعلق بالحروب والغزوات وضعف وقوة كل حضارة وشعب تمكنه من تجاوز عقبات تاريخية.

وهكذا يمكننا القول؛ بأن اللغة أو الشعوب التي تهمل لغتها فهي شعوب “مهددة بالانقراض” والفناء مع لغتها وهناك العديد من تلك الشعوب التي انقرضت تاريخياً، كما هناك العديد منها مهددة بالانقراض وربما – بل نعتقد جازماً- بأن الترجمة قد تكون إحدى أهم الأدوات والوسائل التي تبقي على حياة لغة ما أو كما يقال في لغة العلوم والطب؛ بأن تمده بالأوكسجين اللازم حيث المريض الذي يدخل لغرفة الإنعاش سوف يلزمه الأوكسجين حتماً وكذلك اللغات التي تكون مهددة بالانقراض ولذلك تعتبر الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة الأم هي ضرورة معرفية حضارية وذلك قبل أن تكون حاجة إنسانية للتواصل مع الآخر، حيث دون وجود اللغة الأم واضمحلالها لا معنى للترجمة والتواصل أساساً، كونك تكون قد فقدت الضفة الأخرى التي يجب أن تنقل إليها المعلومة من اللغة أو الضفة المقابلة.. فما هي الترجمة؟ وكيف بدأت؟ وما هي أنواعها وأساليبها؟ وكيف ساهمت في نشوء ثقافات وحضارات وذلك بعد أن فعلت دوراً تنويرياً تحريضياً في فكر وثقافات شعوب نقلت لها الترجمة الكثير من المعلومات الجديدة والتي ساهمت في تطوير حضارة تلك الأمم لتستلم هي بدورها مشاعل النور والمعرفة في مراحل تاريخية لاحقة وكأننا في ستاد رياضي أولمبي بحيث يستلم أحدهم شعلة المعرفة من الآخر ويوصلها لمستوى حضاري إنساني جديد أكثر تقدماً ووعياً حضارياً لنصل لتلك القناعة التي يمكننا القول: بأن المعرفة والحضارة العالمية نتاج نشاط إنساني مستمر ومتكامل وذلك رغم كل الحروب والكوارث.

ماهية الترجمة وأنواعها وتاريخها ودورها الحضاري

تقول الكاتبة “إسراء ربحي” في مقالة لها بعنوان؛ (مراحل الترجمة) ما يلي: ” الترجمة هي نقل معاني نص من لغة ما غير مفهومة للقارئ إلى لغة أخرى مفهومة، مع مراعاة دقة المعنى واستخدام الأسلوب المناسب لنوع النص. البعض يعرف الترجمة على أنها فن، أي أن إتقانها يحتاج إلى ممارسة طويلة واطلاع على نصوص مختلفة وأساليب كتابة مختلفة. كما تُعد الترجمة نوعاً من أنواع نقل الحضارة والفكر والتواصل الثقافي، وتتكون عملية الترجمة من النص المصدر، وهو النص الأصلي الذي نريد نقله إلى لغة أخرى، والنص الهدف وهو النص نفسه مكتوباً باللغة الأخرى المراد الترجمة إليها”(2).

أما بخصوص النشأة فتضيف الكاتبة وتقول؛ “يُعتقد بأن الترجمة فن قديم جدا كقِدَم الأدب المكتوب، فقد وجدت أجزاء من الملحمة السومرية المعروفة بجلجامش مترجمة إلى عدد من اللغات الآسيوية، منذ الألفية الثانية قبل الميلاد، أما الترجمة في الحضارة العربية والإسلامية فقد بدأت منذ القديم البعيد ولكنها ازدهرت في بداية ازدهار الإسلام”(3).

كما يقول الكاتب “حسام الدين مصطفى” بدوره في مقالة له بعنوان؛ (تاريخ الترجمة العربية) ما يلي: “لعل التاريخ البشري لم يشهد حركة فتوحات كتلك التي شهدها خلال عصر الإسكندر الأكبر، وأهم ما اتسمت به حركة الفتوحات هذه أنها نقلت حضارة اليونان وخرجت بها إلى خارج حدودها.. ولاشك أن الترجمة كانت موجودة خلال هذه الفترة كضرورة تواصلية ومعرفية، لتظهر على يديها الحضارة الهلينسية بعد وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 ق.م، وامتدت حتى القرن السابع الميلادي” (4).

ويضف الكاتب بخصوص النشأة؛ “برز الكثير من المترجمين الغربيين في العصور القديمة والحديثة، ولعل أبرزهم هو الخطيب الروماني شيشرون (106-43 ق.م )، والذي تنسب إليه أقدم مدرسة من مدارس الترجمة، والتي تقوم على حرية النقل مع التمسك بالقيم البلاغية والجمالية في التعبير، وهناك أيضاً الراهب جيروم سافرونيك ( 340-430م) الذي اشتهر بترجمته الإنجيل من اللغة الإغريقية إلى اللغة اللاتينية، وكان أول من طرح فكرة الفصل بين ترجمة النصوص الدينية والنصوص الدنيوية، وأوضح أن الترجمة السليمة إنما تعتمد على فهم المترجم للنص الأصلي وقدرته على استخدام أدوات لغته الأم، أو اللغة التي يترجم إليها، وليس لغة النص الأصلي، وهناك أيضاً الإيطالي ليوناردو ارتينو (1374-1444م) الذي ركز على ضرورة نقل خصائص النص الأصلي نقلا تاما، والتلازم بين اللفظ والمضمون، مشيراً إلى أنه إذا ما كان المضمون يشير إلى المعنى، فان اللفظ يشير إلى البلاغة في النص، ومن بعده جاء إتين دوليير (1509-1586) بمنهجه الذي عرف بالمنهج التصحيحي في الترجمة منادياً بضرورة أن يفهم المترجم محتوى النص الأصلي جيداً، وأن يدرك قصد وهدف المؤلف من النص”(5).

أما الكاتب “جون برجر” فيقول في مقالة له تحت عنوان؛ (العيون الخصبة) بخصوص الترجمة ودور المترجم في نقلها من لغة لأخرى ما يلي: “معظم التّرجمات هذه الأيّام تقنيّة، أنا هنا معنيّ بالترجمات الأدبيّة: ترجمات نصوص تُعنى بالتجربة الفرديّة” ويضيف (الرّأي السّائد فيما يتضمّنه ذلك يَفترض أنّ المترجم أو المترجمين يدرسون الكلمات على صفحة واحدة بلغة واحدة ومن ثمّ َيؤدّونها بلغة أخرى على صفحة أخرى. هذا يتضمّن ما يسمّى «الترجمة الحَرفيّة». بعدها يجري التكييف من أجل احترام التقاليد والقواعد اللغويّة العائدة للّغة الثانية واستيعابها. وأخيراً، تتمّ عمليّة تحرير لإعادة إنتاج ما يعادل «صوت» النّصّ الأصليّ. العديد من التّرجمات، وربّما معظمها، تتبع هذا الأسلوب. والنتائج قيّمة ولكنّها من درجة ثانية) ويستكمل قائلاً؛ “لماذا؟ لأنّ الترجمة الحقّة ليست عمليّة ثنائيّة بين لغتين وإنّما عمليّة مثلّثة. النقطة الثالثة في المثلث هي ما يقبع خلف الكلمات في النصّ الأصليّ قبل أن يُكتَب. تتطلّب الترجمة الحقّة العودة إلى ما هو سابق على الشفويّ. يقرأ المرء ويعيد قراءة كلمات النّصّ الأصليّ من أجل أن يخترقها ليصل إلى الرؤية أو التّجربة الّتي أنجبتها ويلامسها”(6).

إذاً الترجمة ليست فقط نقل المفردة أو النص إلى اللغة أو الضفة الأخرى بما يلاقيها من مفردات وإشارات صوتية وفق مفهوم الأمانة والحفاظ على الأصل والأصالة حيث تلك ربما تكون تقنية الترجمة لأنواع وأصناف بعيدة عن حقل اللغة الأدبية الثقافية وليس ترجمةً لنص أدبي شعري أو ما تعرف بـ “الترجمة الأدبية” حيث يتطلب الأمر امتلاك للمعاني الأخلاقية المجتمعية كجزء من ثقافة تلك الشعوب التي كتبت بها تلك النصوص المطلوب ترجمتها.. وهكذا فلكي تكون الترجمة أصيلة وأدبية، لا يكفي معرفتنا بالمعاني والمفردات المتقابلة باللغات، بل بالمعاني الثقافية التعبيرية في كل لغة بحيث لا يشترط أن نبدل المفردة تقنياً بمفردة مقابلة لها في اللغة والضفة الأخرى، بل بما يقابلها معناً ثقافياً معرفياً وليس فقط إشارةً صوتية لسانية وهنا تكمن عبقرية وإبداع كل مترجم أدبي حيث لا يكون مترجماً فقط، بل كاتباً مبدعاً خالقاً يبث الروح في الوليد الجديد الذي بين يديه وليس ناقلاً لجثة ميتة يرميه في حقل الثقافة واللغة المترجمة إليها وبالتالي علينا أن نفرق بين أنواع الترجمات وتقنياتها وأساليبها وأدواتها، كون هناك أنواع وأساليب مختلفة وهي تختلف بحسب القاعدة التي تقف عليها حيث هناك ترجمات ضمن اللغة الواحدة بحيث تستخدم مفردات وإشارات جديدة في صياغة مختلفة للمادة، كما هناك كل من الترجمة الشفاهية التي لها أنواعها (المنظورة والتتبعية والفورية).

وأخيراً هناك الترجمة بحسب “نوع النص” وهو ما يهمنا أكثر، كونه يتعلق بما نطمح إليه من خلال هذا البحث بأن يتم الاهتمام به من قبل مؤسساتنا الثقافية والسياسية، كون دون ترجمة نشطة في الحقل الثقافي الكردي ستبقى المكتبة الكردية وآدابها فقيرة وذلك لاجترارها قديمها بشكل متكرر، فكما سبق ونوهنا إليه؛ دون تلقيح الثقافات بثقافات جديدة عبر الترجمة فإن اللغة تبقى جامدة تكرر نفسها في دائرة منغلقة وقد تكون سبباً لموتها، بدل انتاج ولادات جديدة عبر تلاقحها مع ثقافات أخرى وخاصةً بالنسبة لتلك اللغات التي تركت مهمشة أو قمعت من الممارسة نتيجة سياسات عنصرية احتلالية كما حال اللغة والثقافة الكردية التي تعرضت للغبن والتهميش والمنع ولأحقاب زمنية طويلة وللأسف، وبالتالي فإن الترجمة من اللغات والثقافات الأخرى تكون ضرورة ملحة لإعادة جري المياه في قنواتنا وإحياء اللغة والآداب الكردية حيث هناك عاملي التراث والترجمة كأهم ركيزتين في نمو حضارة وثقافة أي شعب وبهذا الخصوص يقول أحد الكتاب؛ “إن التطور الذي حدث في الأدب العربي، أواخر القرن الماضي، لم يكن مجرد حركة تطوير، كالتي كان يشهدها الأدب كثيراً منذ القرن العاشر: فجرمانوس فرحات (1732)، والألوسي في العراق، حاول كلاهما التجديد في القرن 18. ولكن الأدب الحديث لم يظهر إلا بعد أن أثمرت حركتان هامتان: هما إحياء التراث القديم، والترجمة عن الآداب الغربية”(7).

أما بخصوص أنواع الترجمة فهي وكما جاءت في تصنيفها بحسب “نوع النص” كما يلي: 1- الأدبية 2- القانونية 3- العلمية 4- الصحفية أو الإعلامية 5- الاقتصادية (أو المالية)، ولكل من هذه الأنواع خصوصيتها. وصحيح يهمنا في بحثنا هذا مختلف تلك الترجمات وأنواعها ولكن ما يهمنا أكثر هو النوع الأدبي حيث يأتي التعريف به كما يلي؛ “هي ترجمة النصوص الأدبية وتعتبر هذه الترجمة هي الترجمة الأصعب وتحتاج إلى مهارة عالية، وهناك جوائز تعطى للترجمة الأدبية مع الجوائز الأدبية السنوية، حيث أن ترجمة الكتب والشعر والروايات ليس فقط ترجمة نصية بل أنها تحتاج إلى فهم شعور الكاتب وقراءة النص بشكل دقيق جداً ومن ثم نقله إلى لغة أخرى بنفس المعنى ومن النادر أن نجد نص أدبي مترجم يحمل نفس قيمة النص الأصلي، ولكن أحياناً ما يتفوق المترجم وينشر الكتاب بشكل أوسع مما كان عليه قبل الترجمة”(8).

ويقول الكاتب “أسامة طبش” في مقالة له بعنوان؛ (الفرق بين الترجمة الأدبية والمتخصصة) ما يلي: “بادئ ذي بدء، نقصد بالترجمة الأدبية، المجال الذي يَجمع الشعر والنثر وغيرهما من صنوف الأدب، وحتى يكون المترجم قادراً على الأخذ بتلابيب هذا الميدان، يتطلب الأمر منه الموهبة ابتداءً، ثم القدرة الفائقة في تشكيل اللغة بمهارة وبراعة”. ويضيف؛ “أما الترجمة المتخصِّصة، فتجمع القانون والطب والسياسة والاجتماع والاقتصاد، وغير ذلك من التخصصات، وهنا على المترجم أن يكون خبيرًاً بهذه التخصصات، عالماً بمصطلحات كلٍّ منها، فعليه التقرب من أهل التخصُّص وسؤالهم إن لفَّ ترجمةَ جملة ما غموضٌ، حتى يتيقَّن من أمره، ويكون على بيِّنة من أن ترجمته تفي الغرض المطلوب منها”. ويضيف؛ “أدلف بكم إلى ما يقول المترجم الكبير “شيشرون Cicéron”، وهو من المنظِّرين الذين أرسوا دعائم علم الترجمة، يقول “شيشرون”: “في الواقع، كنت أعتقد أن ما يهمُّ القارئ هو تقديم نفس عدد الكلمات، ولكن اتَّضح لي أن وزنها هو الأهم”، من كلامه، نستشفُّ بأن للكلمات قوَّة معنوية ومحصولًا من المشاعر والأحاسيس، وفعلًا، قارئ النصوص الأدبية يبحث عن المُتعة، ونقل نفس رونق وجمال النص الأصلي، فعلى المترجم أن يسعى في سبيل تحقيق ذلك، وإلا يكون قد فشل في عمله الترجمي”(9).

وهكذا وكما نوهنا سابقاً؛ بأن الترجمة من لغة إلى لغة لا تعني فقط نقل الإشارة الصوتية، بل الأهم هي المعنى والدلالة والتعبير الفني الثقافي وهنا تبرز إمكانيات كل مترجم حيث لكل شخص يشتغل بهذا الحقل المعرفي خصوصيات يمكن أن تساهم في نجاحه كمبدع وليس كوسيط أو “دابة” -مع تقديرنا للجميع- في نقل بضاعة/معلومة من لغة وضفة إلى الأخرى وهناك من حدد مهارات المترجم بما يلي: “يحتاج المترجم ليبدأ مراحل الترجمة أن يملك مهارات وصفات معينة هي: لا بد أن يكون المترجم على معرفة كاملة باللغتين التي يترجم منهما، وتشمل هذه المعرفة كلمات اللغة وقواعدها. يجب أن يكون المترجم مُطّلعاً على ثقافة شعبي اللغتين التي يترجم منهما. يجب عليه أن يكون على معرفة بموضوع النص المراد ترجمته، لما قد يحتويه من عبارات مختصة بالموضوع نفسه. يجب أن يتمتع المترجم بحس أدبي حتى يقدر على ترجمة النصوص الأدبية بأسلوب سليمٍ ووافٍ. يجب على المترجم أن يقوم بتصحيح بعض العبارات التي تبدو غير هامة، أو غير مفهومة عند ثقافة الشعب الآخر، أو غير مقبولة في ديانة شعب اللغة الأخرى”(10).

وأخيراً يمكننا القول؛ بأن اللغة أو اللسانيات هي التعبير الدلالي عن حجم التطور الحضاري للشعوب والأمم حيث الشعوب التي تعيش حالة الضعف والتقهقر تدل عليها من خلال لغتها وقاموسها الذي يفتقر إلى الكثير في حين تكون الشعوب المتقدمة قد أغنت لغتها وقاموسها بالعديد من المفردات والاصطلاحات الجديدة ليس فقط تلك التي تعبر عن منتج مادي تقني، بل عن منتجها الثقافي حيث وكما قلنا بأن اللغات كائنات حية تولد وتنتج مفردات وتعابير جديدة تركيبية تحديثية تدل على حيوية ونشاط تلك الثقافات، وبالتالي فاللغات هي ليست فقط أيقونات الشعوب والحضارات، وكذلك فهي الحاضنة والبوتقة التي تضع فيها تلك الشعوب نتاج حضارتها وتطورها من خلال اللغة واللسانيات التي تعبر عن مدى تطورها وتوليدها للكثير من التعابير تكشف عن مدى تقدم وتحضر شعوبها بحيث جاء (نعوم تشومسكي “Noam Chomsky)  وهو أستاذ لسانيات وفيلسوف أمريكي، وأستاذ لسانيات فخري في قسم اللسانيات والفلسفة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا)، و(يُوصف تشومسكي بأنه “أبو علم اللسانيات الحديث”)، بنظريات جديدة في اللسانيات (وقد أسَّس نظرية النحو التوليدي، والتي تُعتبَر أهمَّ إسهام في مجال اللسانيات النظرية في القرن العشرين، ويعود إليه الفضل كذلك في تأسيس ما يُعرَف بـ “تراتب تشومسكي” ونظرية النحو الكلي)(11) أو كما قال العرب يوماً؛ بأن “الشعر ديوان العرب”.

كلمة أخيرة لا بد منها؛ هكذا وبعد أن وقفنا على نشأة الترجمة وأهميتها ودورها في تلاقح الحضارات وتطورها وتطور لغاتها وثقافاتها.. فإننا نحن الكرد كشعب وثقافة ولغة وحضارة وإن أردنا بحق تجاوز مرحلة العطالة – ليست فقط العطالة السياسية- بل كذلك الثقافية الحضارية، فلا بد من حركة ترجمة نشطة ومدعومة من قبل المؤسسات الكردية وبالأخص في الإقليمين الشبه محررين – ونقصد بهما كل من إقليم كردستان (العراق) وروجآفاي كردستان (سوريا)- وإلا فإننا سوف نعيد “اجترار” الماضي مع تقديرنا لكل الجهود الفكرية والثقافية الحالية والقديمة التي تحاول المساهمة في إنتاج حالة ثقافية معرفية. حيث وكما رأينا؛ بأن نهوض أي حضارة ما يقف على أهم ركيزتين: “إحياء التراث والترجمة عن الثقافات الأخرى” حيث الاهتمام بالتراث فقط يعني إنتاج القديم وتدويره ولا يعني ذاك تطويره، كون الأخير يحتاج إلى تلاقح الثقافات لإعطاء صنف ونوع جديد أكثر قدرةً على الحياة والبقاء.. فهل نشهد من تلك المراكز الكردية اهتماماً جاداً بهذا الحقل الثقافي المعرفي الأهم وذلك بفتح مراكز تدريبية للترجمة والاهتمام بها وبمن يعمل بهذا الحقل الثقافي المؤسس لحالة حضارية أكثر رقياً وتطوراً .. نأمل أن نلقى الإجابات الوافية أو على الأقل نكون ساهمنا بطرح القضية ليأتي من يعطي الاهتمام لها حيث دونها سيعاني مجتمعنا الكردي من حالة عطالة شبه مستدامة وللأسف.

 

……………………………………………………………..

 

الهوامش والمصادر:

 

  • الموسوعة الحرة – ويكيبيديا
  • “مراحل الترجمة” مقالة للكاتبة؛ (إسراء ربحي) منشورة على موقع “موضوع” بتاريخ 3 /3/2016.
  • المصدر السابق
  • الكاتب حسام الدين مصطفى في مقالة له بعنوان؛ “تاريخ الترجمة العربية” منشورة بتاريخ 1/10/2013 على موقع “عتيدة” (http://www.atida.org/).
  • المصدر السابق
  • “العيون الخصبة” مقالة للكاتب (جون برجر) منشورة في موقع بدايات – العدد 16/2017
  • “الأدب العربي الحديث” مقالة للأستاذ الجامعي مثنى عبد الرسول مغير الشكري، موقع جامعة بابل العرقية (http://www.uobabylon.edu.iq/).
  • مقالة بعنوان؛ “أبرز أنواع وتصنيفات الترجمة الشائعة” منشورة على موقع؛ Lügat
  • مقالة بعنوان؛ “الفرق بين الترجمة الأدبية والمتخصصة” للكاتب (أسامة طبش)، منشورة على موقع الألوكة (https://www.alukah.net/) بتاريخ 25/5/2016م.
  • المصدر رقم (2)
  • أسامة طبش، مصدر مشار له سابقاً

Hits: 9