شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الترجمة وبناء اللغة.. الترجمة إلى الكردية نموذجاً ـ عباس علي موسى

116

 

يكاد الاهتمام بالترجمة يصل إلى ذروته وخاصة في ظلّ انفتاح مصاريع العالم على بعضه البعض، ورغبة العالم في الولوج إلى عوالم الآخر مأخوذاً بالطفرات المتواترة للعولمة، التي تقاس بالسنين لا العقود والقرون، هذا فيما يخصّ معرفة الآخر عبر معرفة لغته، لكن الأمر له مستويات ودرجات، فالترجمة التي تعنينا هنا هو في مستوى المُنتج المدوّن، وبتخصّص أكثر المُدوّنة الأدبية باختلاف أنواعها، وسنناقش في هذا المقال الترجمة إلى الكردية.

إنّ اللغة الكرديّة الغنيّة في مبناها ومعناها ومآثرها هي تلك التي تناقلها لنا السلف شفاهاً، وهنا نتحدّث عن المدوّنة الشفاهية في المستوى الأدبيّ، تكاد في واد والكردية المدوّنة في واد، وذلك يعود لأسباب عديدة، لكن أوضحها وأجلاها هو خضوع الكرد للغير، حيث لم يحدث للكرد خلال قرون عديدة أنّ كانوا أصحاب ملك وصولجان، ولا صارت الكردية لغة البلاط أسوة بلغات الجيران، لذلك فإنّ أعلام الأدب الكرد هم في جلّهم يكتبون بلغات الجيران، وإن استثنينا أساطين الشعر الصوفي الكردي كـ “جزيري وخاني” فإننا لا نجد حركة كتابة بمعناها الدلاليّ.

ومع بزوغ القرن العشرين وتنامي الحركات الأدبية في الغرب وتأثيراتها على بلدان الشرق، باتت الترجمة هي النافذة الوحيدة التي من خلالها يمكن الوصول إلى ركب الآداب العالمية، ودأبت الثقافات على الترجمة بمستويات متفاوتة، لكي يلحقوا ركب الثقافة.

كانت أولى محاولات الكرد التجديدية ودخول الحداثة مع مجلة هاوار في الأربعينات، حيث قام الأمير جلادت بدرخان بثورة من عدة نواح، فمن ناحية الشكل اقترح تبنّي الأحرف اللاتينية للكتابة الكردية، وكانت هذه أولى لبنات الحداثة، للتواصل الروحي مع الحرف اللاتيني لازمة الحداثة الأوروبية، والخطوة الأخرى هو من ناحية المضمون، فقد بدأ بدرخان بدعوة المتنورين الكرد إلى الكتابة بلغتهم والنشر في المجلة، وهناك ترجم الأمير جلادت بعض القصائد الفرنسية للكردية، فكانت نافذة الكتابة الحديثة.

ورغم محاولات الكرد العديدة عقب الحرب الكونية الأولى في تأسيس كيان لهم إلا أنّهم لم يحالفهم الحظ، فصاروا تابعين في دول لم تستطع أن تصير دولا ديمقراطية ووطنية، بل إنّ النزعة القومية أثّرت على تقبّل لغات الآخرين ففي سوريا قام القوميون العرب على اعتبار العربية قرآن الدولة، ومع البعث صارت العربيّة المتسيّدة أداة إقصاء للغات الآخرين، فعملوا على طمث الكردية ومحاولة دفنها في دواخل ناطقيها.

كان لقمع الكردية دور في انكفائها وعدم معاصرتها للحداثة بمفهومها الواسع كحركة، فالكردية التي كتبها الأدباء والمتنورين الكرد كانت تحمل قيم الحداثة، إلا أنّ القمع الممارس ضدها وعدم السماح لصدور المجلات والصحف والتعليم بها حال دون تحوّلها إلى حركة شاملة، فكانت الحالات فردية أو شبه مؤسّسية، وتشهد العديد من الخيبات، فمنها العامل الاقتصادي والأمني.

لقد كانت الكردية السائدة في الكتابة ذات مبنى كلاسيكي خاصة في الشعر، ولأسباب تتعلّق بتأخر ركب الحداثة فقد كانت أصناف كالقصة القصيرة والمسرح متأخرة، وهنا ربما نبدأ بالسؤال التالي:

 

لماذا الترجمة مهمة للكردية؟!

حين انتشرت نظريات الحداثة في العالم والمدارس الأدبية، كانت الأمم تحاول ربط الحداثة ذات المنشأ الغربي بإرثها الثقافي والكتابي، إلا أنّ الحداثة كانت ذات منشأ غربي بامتياز حتى وإن كان هناك في الإرث الثقافي للشعوب دلالات عليها.

في الكرديّة ذات الإرث الغني والمدوّنة الأدبية الشفاهية الضخمة في القصّ والشعر التي كان لها خصوصياتها التي تمايزها عن شعوب العالم، لم يستطع الكرد أن يضاهوها من ناحية ما دوّنوه، وكانت هناك حلقة ناقصة في العملية.

فلكي تستطيع الارتكان والاتكاء على إرثك ينبغي عليك دراسة الحداثة والتعرّف إليها في لغتك، لكن ما الذي حصل؟ لم يترجم الكرد أدوات الحداثة (النظريات – الأدب)، بل تعرّفوا إليها عبر الترجمات إلى لغات الجيران، وهذا كان بداية الانكسار في حركة الحداثة، ومن ناحية أخرى لم يقرؤوا في لغتهم أدب حداثيّ، لتكوين حلقات متصلة، كالاطلاع على الآداب العالمية بلغتهم فيبنوا على أساسها.

من هنا تبرز أهمية الترجمة إلى الكردية، لأنّ الكرد لم يتعرّفوا إلى الحداثة بلغتهم، فكانت شخصية الكاتب الكرديّ مزيجاً من مثقف بلغات أخرى، حيث يلجأ إلى أدوات غيره ليبني بها ثقافته، فكانت الحلقة الناقصة هي المكتبة الكردية التي ينبغي إليه العودة إليها ليبني شخصية الكتابة الكردية.

لا شكّ أنّ المدوّنة الكردية الأدبية بحاجة إلى عين متفحّصة أكثر وعين ناقدة ودراسته بعين النقد لكي نستطيع أن ننصفه، إلا أنّ الملاحظات المبدئية في مسيرة الكردية تُظهر إلى أنّ الترجمة لم تتحوّل إلى حركة ونشاط، بل هي حتى اللحظة حالات فردية.

إنّ الكردية بحاجة إلى الحالة المؤسّسية التي افتقدتها وتفتقدها وهي حالة من شأنها أن ترفع مسألة الفردانية في العمل إلى حالة مؤسسية تحمل على أكتافها عبء موضوعات أساسية كالترجمة، فلنقل مثلا إنّ جيراننا العرب والذين ينعتون أنفسهم بأنّهم دون ركب الترجمة، لديهم العديد من المؤسسات التي ترعاها الحكومات والأفراد تعنى بالترجمة، فماذا لدى الكرد، لا شيء، فالترجمة هي الآن في حالة ما دون المؤسّسية.

 

الترجمة إلى الكرديّة كمُساهم في الهويّة

 

إن الكرد الذين لم يستطيعوا تأسيس وطن لهم ظلّوا متمسّكين بلغتهم كهويّة لهذا الشعب في الدول التي يعيشون فيها، هذه الدول ما دون الوطنية، ولذلك فإنّ الترجمة تضع مُنتج الآخرين في مكتبتهم التي تكبر بخطى خجولة، لكن الأوان لا ينتهي، فالترجمة هي نافذة العالم، بل من الممكن أن تكون أداة من أداوت التقارب، فالكثير من الكرد يربطهم بالعرب تلك اللغة التي يعونها ويكتبون بها، وسيكون لها دور أكبر حين تترجم إلى لغتهم.

حين يقرأ الكردي العالم بلغته سيكون منظاره للعالم عبر هويته المتمايزة والمختلفة والغنية، وبالتالي بناء شخصية الكرديّ عبر لغته، ويستطيع عندها التعبير عن نفسه بلغته ومعرفة العالم وقصصهم وآدابهم عبر لغته.

فألف ليلة وليلة بالكردية هي رؤيتنا لتلك العوالم بلغتنا، وقراءة البؤساء وموباسان والجاحظ والشيرازي بالكردية يعني وعينا لما يقولونه بلغتنا وبالتالي تأسيس عوالم خاصة بنا في لغتنا.

 

الترجمة كأداة سحرية

 

إنّ مأسسة العمل الثقافي هو السبيل الوحيد لحمل العصا غير السحرية وصنع السحر بها، فدون المأسسة لن يستطيع الكرد أن يخطو خطوات يمكن الحديث معها عن حِراك يستطيع اللحاق بركب العالم، ويبدو أنّ الواقع السياسي يسمح على الأقل في الوقت الراهن العمل على الكردية بشكل مؤسّساتي، هذه الخطوة بحاجة إلى الإرادة والعمل.

ثمة الآن أطفالاً درسوا طول خمس سنوات باللغة الكردية، وثمة شباب درسوا تخرّجوا من جامعات كردية تُعنى بالأدب، هل هذه الخطوات هي الطريق؟ نعم هذه الخطوات هي الطريق لكنّها تحتاج إلى مراجعة شاملة في طريقة العمل.

في المرة القادمة حين نناقش ذات الموضوع بالكردية سنعرف أنّ هناك خطوات قد تم المضيّ بها.

Hits: 19