شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الجغرافية الطبيعية والسكانية لجبل الكرد- عفرين ـ عبد الله شكاكي

94

 

 

 

 

 

الاسم والموقع والمساحة والحدود

جبل الكرد- عفرين وبالكردية “ﭼياي كُرمينج Çiyayê Kurmênc” اسمٌ عُرِفَ به منذ العصور القديمة، وفيه استقرت أول مجموعة اثنية من الكرد، لكن العثمانيّون استبدلوا الاسم بعد أن وقع تحت سيطرتهم، ودعوه “كرد داغ” بترجمته إلى لغتهم، واستمر هذا الاسم حتى انسحاب العثمانيين منه لصالح فرنسا، وبتأسيس السلطة السورية ترجمت الاسم إلى العربية ليصبح “جبل الكرد”، لكنها استعملت صيغة “الأكراد” على وزن الأعراب كنوع من الذم والتصغير، وهو اسم للجبل وللمنطقة الإدارية ومركزها عفرين، وأقدم لذكر لعفرين ورد في وثيقة آشورية من عهد الملك آشور ناصر بال أثناء هجومهم على سهل باطان (حالياً جومێ) وذكرت فيها اسم “آباري” وهو اسم نهر عفرين.

جبل الكرد جزء من جغرافية كردستان وفي زاويتها الجنوبية الغربية، كما يعتبر في الوقت نفسه جزءاً من سوريا التاريخية، وهو إقليم جبلي مثل بقية أقاليم كردستان وصورة مصغرة عنها، من حيث المناخ والتضاريس والثقافة بما فيها اللغة والدين، ويتميّز بموقعه الاستراتيجي من خلال ممر بيلان على جبل الأمانوس والبحر المتوسط، وكان له دوره الهام كمعبر رئيس للحملات الصليبية على كردستان والشرق الأوسط والأناضول وآسيا عامة.

تقدر مساحته الحالية بأكثر من ألفي كيلو متر مربع يحده من الغرب والشمال الدولة التركية بطول  125كم، ومن الشرق منطقة اعزاز ومن الجنوب منطقة جبل سمعان ومحافظة ادلب بطول 90 كم، أي طول حدوده الإجمالي 215 كم، ويشكل جبل الكرد المؤلف من مجموعة سلاسل جبلية جزئية مع سهلي جومێ وآمكا (العمق) ونهري عفرين والأسود وشعبها العريق، وحدة جغرافية وحضارية كاملة.

لكن تركيا اقتطعت جزءاً من الطرف الشمالي الغربي شمل ثلاثة وعشرون قرية، وضمَّته إلى أراضيها بموجب اتفاقية فرانكلاين- بويون التي جرت بينها بين فرنسا سنة 1921، حيث كانت الأخيرة منتدبة على سوريا وضمنها جبل الكرد- عفرين بعد الحرب الكونية الأولى استناداً إلى اتفاقية سايكس- بيكو.

التضاريس

ظهرت ملامح جبل الكرد وشرقي المتوسط عامة في الحقبة الجيولوجية الثانية وارتفعت الجبال بعد انحسار المياه عنه، حيث كان قبله بحراً واسعاً، ثم انفجرت الينابيع بفعل النشاطات الانهدامية، حسب الدراسات الجيولوجية التي أجراها المهندسون الألمان بغية تمديد الخط الحديدي بين برلين وبغداد والبصرة الذي تعهدت به شركة BBB الألمانية تمهيداً للحرب الكونية الأولى.

يتألف جبل الكرد عامة من كتلتين جبليتين أساسيتين أحدهما في الشمال وهو جبل الكرد الأساسي، والثاني يقع في الطرف الجنوبي الشرقي ويدعى جبل ليلون، وهما جبال التوائية صدعية تتخللها أودية وسهول زراعية صغيرة على شكل عدسات، ويغطي معظم الجبال غابات حراجية طبيعية، وخاصة الجبال الشمالية والغربية المحاذية للحدود التركية في نواحي بلبل وراجو، وغابات صناعية في شران بعد القطع الجائر لأشجارها لاستعمالها كوقود لتسيير القطارات.

 

يبلغ معدل ارتفاع جبال الكرد حوالي 700 متر عن سطح البحر، وأعلى قمة جبلية هي المطلة على بلدة “بلبل” وتبلغ 1269 م، ويعتبر جبل الكرد جزءاً من الشعبة الجنوبية لجبال طوروس، وأدنى نقطة انخفاض هي 85 م في وادي گُـرْگُـمْ عند قرية مروانية.

كما يوجد سهلين رئيسيين هما سهل “جومێ” في الجنوب الغربي، وسهل “آمكا” (العمق) في الغرب الذي يفصل جبل الكرد عن جبل أمانوس ” Çiyayê Gewr”، ويمر ضمنه نهري الأسود على الحد الغربي مع تركيا ويروي سهل العمق، ونهر عفرين الذي يروي سهل جومێ على ضفتيه، وتنضم إليه عدد من الروافد والجداول أهمها نهر الصابون، ويصب النهران في بحيرة آمكا (العمق على الجانب التركي)، وجبل الكرد ليس بالجبال العاصية ولا منطقة سهلية، وهو مناسب جداً للحياة البشرية من حيث المناخ والتربة الجيدة والانتاج الوفير، وفيه زراعة متطورة ويشتهر بإنتاج زيت الزيتون ذو النوعية الجيدة منذ القدم.

الجبال والوديان والسهول

1- القسم الشرقي:

يشمل المرتفعات الجبلية الواقعة على يسار ويمين نهر عفرين وتقع معظمها في الناحية الإدارية “شران”، حيث تبدأ المرتفعات الجبلية الواقعة على الجهة اليسرى من النهر عند قريتي “ديكمه داش” على الحدود السياسية مع تركيا، وتتجه جنوباً حتى كفرجنة، وتشمل مرتفعات: ديكمه داش، أومرا، ﭼوﭼَلي، قره مان، وجبل ﭘارسێ (قسطل جندو)، ومرتفعات: متينا، كفرجنة، بافلون، وأعلى قمة فيها هي جبل ﭘارسي وتبلغ 852 متر، وكافة المرتفعات مشجرة طبيعياً أو صناعياً، وتتخللها مجموعة من الأودية أهمها: عرب ويران، تليلاق، سيمان، شرا وفرعها كُشْتيا يشكلان معاً وادي قره جُرْنێ، وكذلك وادي قره مان وجميعها تصب في نهر عفرين.

ويوجد عدداً من السهول الصغيرة بين الهضاب في: دير صوان، ﭼَـما، شرا، خربة شران، آﭬـگير ، كورتك وسيجراز بجوار اعزاز.

أما المرتفعات الواقعة على الجهة اليمنى من نهر عفرين، التي تبدأ من الحدود التركية بمحاذاة النهر وتمتد غرباً حتى وادي “ﭽاي”، وهي: مرتفع قلعة خوري 750م، شيخوروز 765م، وأهم وديانها: الجواميس، ووادي قامشلي (بين قريتي شوربه و گمروك)، وتصب تلك الوديان في نهر عفرين أيضاً، وأهم سهولها هي: زيتوناك، دراقليا، آلجيا، ميدانكي وعين الحجر.

2- القسم الشمالي:

يشمل الجبال الواقعة في ناحيتي بلبل وراجو، وتبدأ من أعالي بلدة بلبل حيث جبل گُرْ GUR وارتفاعه 1269 م عن سطح البحر ويعتبر أعلى قمة في جبل الكرد ومحافظة حلب، وفيه ينابيع دافقة وهو جبل مكسو بأشجار حراجية وفيه فلزات الحديد والنحاس، كما يضم جبل “هاوار” الشهير ومكسوٌ بأشجار السنديان والصنوبر والزيتون البري، ويقع ضمن عشيرة آمكا، يتألف من عدد من المرتفعات الجبلية أهمها: خدريا، عُگا، قوتا، كوتانا، قوريگول، بيلێ، ومرتفع گندي ﭽيه وهو أعلى قمة في جبل هاوار ويبلغ ارتفاعه 960 م، وحدّه الجنوبي الغربي عند قرية “بَرْبَنێ” في بداية وادي “تيرا”، وجبل بلال حبش الذي يرتفع 1100 م ويتوسط عشائر بيان- شيخان- آمكان، وهو جبل حراجي وعر، وكذلك جبل: ميرا، كُرێ وعلى غربه الصخرة الشهيرة “كفرێ كر Kevrê Ker” بمعنى الصخرة الصماء قرب قرية ماسَكا، التي شهدت أشد معارك مقاومة العصر، وجبل عتمانا الذي يبدأ من قرية بربني ويتجه شمالاً نحو راجو ويضم قرى: درويش، عتمانا، حجيكا، شاديا، حسن، قودة، كُمْ رَشێ، موسكێ، راجو، ماسكا، ومرتفع عرموت، وجبلي معملا، وﭘوزێ كَرا وهي تلة الإذاعة التي شهدت مقاومة العصر، وجنوباً جبال: خاستيا، حَشتيا في ناحية مابتا وقازقلي المطل على جندريس.

وأهم وديانه: وادي ﭽاي (Geliyê Çayê) ويعتبر أطول وادي في عفرين، حيث طوله 25 كم ويبدأ من شرق بلبل ويصب في نهر عفرين، ووادي “تيرا Tîra” (السهام) الذي شهد إطلاق الرصاصة الأولى تجاه الفرنسيين، ووادي “حشارگێ” يعتبر الأعمق وعليه جسر القطار الشهير (جسر هَه رَه دَه رَه Heredere)، ووديان: ميدانا، شنگيلي، معملا، بَرگيرا ، ﭘيرێ ، ساري سينێ وجُرْقا الذي أقيم عليه سد ترابي عند قرية عشونه، وكذلك خاستيا، الجوز، القيامة، زَوْري، قشلي، آﭬگيري، گاكوفي ووادي جهنم قرب جبل قازقلي، وكور (الوادي العميق قرب قرية خَرْزا)، وكذلك وادي شيێ، وقعبة وبسونة اللذَيْن يفصلان بلدة شيه عن قريتي سنارێ وآنقلێ.

وأهم سهوله: بيان، باليا، راجو، خوري، جاميێ (خلالكا)، عمارا، جوقێ وسهل “كتخ Kitix”، وكذلك سهول: ميدانا، عَدَما، لێـﭽـه وويران شهر (بين قريتي ميدان أكبس وعَدَما)، كما يوجد على معظم الجبال أطلال قلاع أثرية منها: على جبل بلال، وقمة بركاشێ، وحصن جرقا، وعلي مان، وبجانب قرية ﭽيێ، وفي جنوبه حصن “ﭘوزێ مشمشي”.

وضمن التضاريس الجبلية يوجد عدداً كبيراً من الكهوف الطبيعية، حيث لا تخلو قرية من عدد من الكهوف، نذكر منها: شكفتا آلگيتا (قرب قرية دمليا)، وكهوف قرية آﭬراز، وكهوف الخوريين على الجبال المطلة على معامل الصابون شمال غرب عفرين، وشكفتا بوكێ قرب حسن ديرا الذي كان يربى فيه المئات من رؤوس الماشية، وكهوف قرى ﭽولاقا وآشكا شرقي وگوردا.

3- جبل ليلون:

يقع جبل ليلون جنوب شرق مدينة عفرين، ويعتبر جزءاً من السلسلة الجبلية الشرقية لجبل الكرد، دعي قديماً باسم جبل “نَبو” (اسم الإله القديم)، ثم دعي “جبل ليلون” ويعني هلال- هلالي كونه يشكل هلالاً حول سهل جومه من الشرق والجنوب، وفي مرحلة الاحتلال الفرنسي دعي جبل سمعان تيمناً بالقديس سمعان العمودي الذي عاش وتوفي فيها.

وليلون جبل صخري وعر ومتموج ويشكل قوساً جبلياً يبدأ رأسه من قرية معرسكێ جنوب كفرجنة وينتهي عند قرية دير بلوط جنوب غرب عفرين على الحدود التركية، ويتصل شرقاً مع سهول حلب حيث يستوي معه عند بلدة الزهراء، وتبعد آخر قرية في الجنوب وهي قرية “گُندي مَزنْ Gundî Mezin” عن مدينة حلب مسافة 17 كم، في حين سفحه الغربي ينحدر بشدة نحو سهل “جومه”، وحَدُّهُ الجنوبي ينتهي بجوار قلعة سمعان.

يتألف جبل ليلون من جزئين شمالي وجنوبي: يبدأ الجزء الشمالي من الطريق العام عفرين- حلب عند قرية كفرجنة ويتجه جنوباً إلى قلعة سمعان، حيث يبلغ طوله 30 كم، وبدوره ينقسم إلى قسمين حسب التوزع العشائري:

القسم الأول: يدعى جبل “روبار” نسبة إلى عشيرة روباريا التي تقطن فيه، والمؤلفة من إحدى عشر قرية وأراضيها شبه سهلية تربتها خصبة صالحة لزراعة الحبوب وأشجار الزيتون والكرمة.

القسم الثاني: يدعى جبل “شيروا” نسبة إلى عشيرة شيروا والمؤلف من سبعة عشر قرية، ومعظم أراضيه صخرية وعرة صالحة للرعي، باستثناء بعض العدسات الصغيرة بين الصخور التي تُزرع فيها الحبوب وأشجار الزيتون والتين والكرمة، ويشتهر هذا القسم من الجبل بـ”كهف دودرية” المعروف عالمياً، والواقع في وادي دودرية والذي اكتشف فيه عظام لطفل نياندرتال يعود لحوالي ستين ألف سنة، وأهم وديانه: قيبار، وﭽيل خانێ، نين گَرێ، أودێ، كوز بَرْخێ، قُل هَفتارێ، لولك، كُشتيا، بَرْقێ، نوالا آشا، ووادي دودرية.

أما الجزء الجنوبي: يقع جنوب جبل الكرد يمر منه طريق عفرين- قلعة سمعان، وهو استمرار لجبل ليلون ومتصل مع جبل سمعان، وأهم وديانه: وادي توقێ، شاديرێ، كاني دينْكێ ووادي مرتبا.

وجبل ليلون برمته غني بالآثار القديمة ولا تخلو قرية أو موضع إلاّ وفيه آثار قديمة من عصور ما قبل الميلاد والعصر المسيحي المبكر، وفيه الكثير من المعابد مثل “معبد كلوتێ” لعبادة الإله تيشوب، والكنائس مثل “جوليانوس” أحد أقدم الكنائس في العالم، كما فيه عدد كبير من معاصر الزيتون والعنب والآبار المحفورة في الصخر وكثيراً من الكهوف والنواويس (الكهوف المحفورة في الصخر) أهمها: كهف دودرية، نَعوسكا، شكفتا ﭘيرێ، دَﭪْ سور، قَرْطَلْ، خوفێ، ﭘيرا زين، سور، خوشكا ﭽيل خانێ، شكفتا تربا.

4- سهل جومێ:

يقع منخفض جومێ في جنوب وغرب مدينة عفرين طوله حوالي 30 كم وعرض 10 كم، وهو امتداد لسهل آمكا (العمق) شرقاً، و”جومێ” تسمية قديمة لهذا السهل ورد ذكره في كثير من المصادر ومنها “الأعلاق الخطيرة” لابن شداد، ويذكره أهلنا في ولايتي عينتاب وكليس بشمال كردستان كاسم بديل لجبل الكرد، وهو سهل خصب تربته لحقية، ومخزن الغلال للحبوب وفيه أفضل الأشجار المثمرة وعلى رأسها الزيتون والرمان والتفاح، يبدأ السهل من مدينة عفرين وينتهي عند قرية “ملا خليلا” على الحدود التركية ويعبره نهر عفرين، حيث تروى معظم أراضيه عن القنوات الواردة من سد ميدانكي.

المنـاخ

يتميز جبل الكرد بطبيعة خلابة لا مثيل لها في الشمال السوري، ومعدل درجات الحرارة فيه صيفاً بحدود 32 درجة مئوية، وتنخفض شتاءً ليصل المعدل إلى 16 مﹾ، وفي شهر كانون الثاني يصل إلى معدل 4 مﹾ، وتنخفض درجات الحرارة أحياناً دون المعدل حيث تتجاوز تحت الصفر، كما يتعرض الجبل أحياناً لموجات باردة جداً قادمة من سيبيريا في نهاية الشتاء، وتلحق أضرار بالغة بالزراعة وخاصة الأشجار المثمرة، أما معدل الرطوبة فيكون 65%  شتاءً و 50% صيفاً، والرياح غربية عامة ومصدرها أوربا الشمالية وتجلب معها الأمطار الغزيرة، وتتساقط الثلوج عادة بين شهور كانون الأول وشباط، وحدث أن سقطت الثلوج في شتاء 1911-1910 لمدة أربعين يوماً ورافقها الصقيع، حيث أتلفت كثيراً من الحيوانات ومعظم الأشجار، ودعيت “ثلج الأربعين”، حيث أصبحت بمثابة بداية تقويم لأهل جبل الكرد.

مصادر المياه في جبل الكرد

الأنهار:

1- نهر عفرين: يعتبر في مقدمة مصادر المياه، ويبلغ طوله 149 كم ينبع من غرب عينتاب ويدخل منطقة عفرين عند قرية “شيلتحت”، ويمر ضمن قرى ناحية شران ويعبر مدينة عفرين نحو سهل “جومێ”، ثم يغادر عند قرية “ملا خليلا”، ويصب في بحيرة آمكا (العمق) ضمن الحدود التركية، ويبلغ طوله ضمن جبل الكرد 75 كم، وقد أقيم عليه سدٌ ضخمٌ بجوار قرية “ميدانكي” يعتبر الأعمق في سوريا وبلغ 84 متر، ويصب فيه نهر الصابون، كما ترفده عدد من الجداول المنبثقة من ينابيع مثل: تليلاق، وسيمان ، وقرقينا، وقره جرن (وادي شران)، وزراﭬكێ وجدول من ينابيع عيندارة وباسوطة، وإن سكان مدينة عفرين يعتمدون على نهر عفرين في مياه الشرب، من خلال محطة التصفية في قرية متينا، وقد تعرضت المحطة لقصف الطيران التركي خلال الحرب وقطعت المياه عن المدينة.

 

 

 

 

 

 

 

2- نهر الصابون: يدخل من الأراضي التركية ومجراه قريب من نهر عفرين، وعليه جسر روماني مؤلف من خمس فتحات، ويرفده الجدول الوارد من نبع گرمكي، ومن ثم يصب في نهر عفرين.

3-  نهر الأسود: ينبع من مرتفعات جبل الكرد شمال غرب راجو ويدخل من قرية “ميدان أكبس” الحدودية، طوله 96 كم ويسير بمحاذاة حدود ولاية انطاكيا ويلتقي مع نهر عفرين في سهل آمكا ضمن انطاكيا، ويرفده جدول وارد من نبع “باتمان” غرب راجو وكذلك مياه ينابيع سائلة من جبل الأمانوس.

الينابيع:

في شران: نبع گرمك، سيمان، قَرقينا، علێ، كَوا، شُرْكي، قره جرن ونبع كفرجنة.

بلبل: نبع بلبل، ﭽاﭬرَشْكي، خُلْخُلێ.

راجو: نبع باتمان.

شيێ، نبع شيێ الشهير.

جندريس: نبعي كاني گوركي ونبع آخر كبريتي بجوار قرية حمام.

مابتا: نبع كتخ، دروميه، بَرْبَعوش.

شيروا: نبعي عين دارة وباسوطة.

البحيرات:

يوجد في جبل الكرد بحيرة صناعية على سد ميدانكي، طولها 14 كم ويتراوح عرضها بين 200-500 متر وسعتها 190 مليون متر مكعب، وفي وسطها جزيرة مشجرة بالصنوبر في غاية الروعة (تعرضت للحرق أثناء العدوان التركي)، وبحيرة أخرى على سد “عشونه” غير مؤهلة بسبب عيوب في هندسة الإنشاء، وبحيرة طبيعية صغيرة على نبع عيندارة وقد قلت مياهها كثيراً في السنوات الأخيرة.

اقتصاد جبل الكرد

يعتمد بشكل أساسي على الزراعة والرعي، ثم تأتي التجارة والصناعة والسياحة، ومع تعمق الأزمة السورية بدأت منظومة الاقتصاد السوري بالاضمحلال، وحلت محله اقتصادات الدول والمنظومات المتدخلة في الشأن السوري، وانحسر الاقتصاد السوري ضمن مناطق سيطرة الدولة “مقابل ظهور اقتصادات الأطراف واللاعبين غير الحكوميين”، حيث “ارتبطت المناطق الخاضعة لسيطرة المجاميع المسلحة باقتصاد تركيا”.

سادت مقاطعة عفرين في ظل الإدارة الذاتية حالة الأمن والاستقرار، وتطورت الزراعة والصناعة والتجارة، في “ظل نظام اقتصادي ملأ الفراغ الحاصل من انسحاب مؤسسات الدولة”، وجذبت مستثمرين ورؤوس أموال ونشطت التجارة حيث أصبحت عفرين الملاذ الآمن للهاربين من جحيم الحرب، وتمكنت عفرين من حل مشكلاتها وتأمين المستلزمات الضرورية، عبر مبدأ الاكتفاء الذاتي حيث تحسن الواقع المعاشي والخدمي للشعب وحلت جزئياً مشكلة البطالة.

آ- الزراعة

تتميز مقاطعة عفرين بأنّ غالبية سكانه يعملون في الزراعة ويجيدونها، وقد شوهدت آثار قرية زراعية بجوار تلة عين دارة الأثري تعود إلى الألف الخامس قبل الميلاد، واستمرت الزراعة في العصور التالية وقد نشطت أكثر في العصور الرومانية وخاصة في القرون الميلادية الأولى، وتطورت فيها زراعات الزيتون والكرمة واللوزيات والحبوب لتربتها الخصبة، وتوفر الأنهار والينابيع وارتفاع معدل الهطولات المطرية الذي يقترب من 500 مم.

تشكل الأراضي الصالحة للزراعة والرعي والغابات بحوالي %83 من مساحة المقاطعة التي تقدر بحوالي 2100 كم²، أما النسبة الباقية %17 فهي أراضي صخرية يستفاد منها لاستخراج مواد البناء والتشييد العمراني، ويعتبر الزيتون عماد الاقتصاد، حيث يغطي جبل الكرد عامة بغابات اصطناعية تحتوي على ملايين الأشجار حيث يقدر أشجار الزيتون بأكثر من 20 مليون شجرة، ويقدر انتاجها من الزيت بأكثر من مائتي ألف طن سنوياً، إضافة إلى زيتون المائدة بنوعيه الأخضر والأسود، كما توجد بكثرة أشجار: الرمان، والتفاح، والكرمة، والمشمش، والسفرجل، والأجاص، والخوخ، والإيكي دنيا، والكرز، والتين، والتوت، وكذلك أشجار الجوز واللوز والفستق والصنوبر والسماق وغيرها، وكذلك زراعة الحبوب من القمح والشعير والذرة والبقوليات من الحمص والعدس والجلبان والبازليا والفاصوليا، وكذلك عباد الشمس والسمسم والكزبرة والكمون. كما تزرع كافة أنواع الخضار الصيفية والشتوية والبطاطا، إضافة إلى القطن والشوندر السكري، وكانت سابقاً تزرع الأرز والتبغ، حيث يكفي المنتوج المحلي ويزيد عن حاجة السوق، وتصدّر الزائد من الزيتون والزيت و الخضار والفواكه إلى الأسواق المجاورة والدولية، كما تغطي الأطراف الشرقية من الجبل في ناحية شران وجبل ليلون غابات اصطناعية مؤلفة من أشجار الصنوبر البري والثمري وغيرها، إضافة إلى غابات طبيعية في معظم الجبال الأخرى تحوي أشجار: السنديان، والزيتون البري، والبطم، والسماق، والعرعر، والعناب، والصنوبر، والدلب، وكذلك أشجار “قَطْلَبْ، نَرْمك، هيرﭬز، درّي وأنواع أخرى كثيرة”.    

 

 

 

 

 

ب- الرعي والثروة الحيوانية

كما يعتمد الاقتصاد على الرعي إلى جانب الزراعة، حيث كانت تتوفر سابقاً مساحات واسعة للرعي وتربية الحيوانات، وتأتي على رأسها: تربية الماشية من الماعز والغنم والبقر، لكن الدولة حظرت تربية الماعز منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي في المناطق الجبلية، ولذلك تراجعت أعدادها، إضافة إلى تربية الدواجن والنحل والأرانب، وكذلك الحيوانات المنزلية المستخدمة للنقل والجر والفلاحة مثل الحمير والأحصنة والبغال.

وننوه أن الدراسات الأركيولوجية في كهف دودرية أثبتت وجود عدد من الحيوانات منذ أكثر من مائة ألف سنة، من خلال تحليل فضلات المطبخ مثل: الثور البري، الخنزيز، الغزال، وحيد القرن والفيل، وكذلك الضباع والذئاب والثعالب الذي لا زال موجوداً حتى اليوم، وقد ازدادت في السنوات الأخيرة أعداد الخنازير في الجبل.

ج- السياحة

تشكل الطبيعة الخلابة والهواء العليل والحرارة المعتدلة، وتوفر الينابيع والجداول والأنهار والأماكن الأثرية، وكذلك رخص الفواكه والخضار والأطعمة، عوامل مناسبة لجذب السياح للتنزه والاصطياف في مقاطعة عفرين، حيث يعتبر جبل الكرد المتنفس الوحيد لسكان محافظة حلب كبرى محافظات سوريا، حيث فيها أماكن الاصطياف والراحة مثل: كفر جنة، وبحيرة ميدانكي، ونبع ﮔَرمك وقلعة خوري الأثرية، ونبع قره جُرُنْ، وجدول زراﭬكي، ونبع عيندارة وبجانبها التل الأثري، ونبع باسوطة، وعدداً من الشلالات مثل: شلالات ﮔمروك، وباتمان وقره جرن لكن أجملها كانت شلالات ميدانكي (اختفت بعد أن غمرتها مياه سد ميدانكي)، ومجمع الأحلام السياحي، قلعة سمعان وقرى جبل ليلون الأثرية كافة، وعدد كبير من المزارات.

د- الصناعة

تمتلك عفرين موارد إنتاجية جيدة، إلا أن النظام السوري أهملها عمداً جراء سياسة التعريب غير المباشر، في حين طبقت هذه السياسة بشكل مباشر على مقاطعات الجزيرة، حيث أرادت أن تكون عفرين تابعة لحلب صناعياً وتجارياً، لدفع أهلها العاطلين عن العمل نحو الهجرة بحثاً عن لقمة عيشها، مما اضطر نصف سكانها تقريباً للهجرة إلى حلب فقط، مع أنها تمتلك موارد هائلة تمكنها من تشغيل معامل عديدة، وكانت تشتهر منذ القدم بتصنيع العنب والزيتون، ومع ذلك كانت توجد في عفرين 300 معصرة لاستخراج الزيت من الزيتون قبل بدء الحرب، وقد تعرضت 100 معصرة للسرقة والتخريب، كما يوجد 13 معمل لاستخراج زيت العرجوم من البيرين (بقايا الزيتون المعصور) لتصنيع الصابون بعد إضافة زيت الغار، حيث يوجد 26 معملاً للصابون وينتج أفضل أنواع الصابون، حيث يغطي حاجة أسواق سوريا، ويصدر الفائض منه إلى الأسواق العالمية، كما توجد وحدات ملحقة بمعامل استخراج زيت العرجوم لصناعة فحم الزيتون الذي يستخدم للتدفئة واستعمالات أخرى، إضافة إلى ورشات كثيرة لصناعة الفحم من أغصان الزيتون والسنديان.

وفي عفرين ثلاثة معامل لصناعة الأدوات البلاستيكية، ومعملين لصناعة خراطيم الري وآخر لصناعة قطع التبديل البلاستيكية، ومعملاً لتصنيع مشروب العرق من العنب منذ سنة 1927، ومعملاً للسجاد الصوفي، و”بلغ عدد مصانع ومشاغل الألبسة الجاهزة 1100 وحدة إنتاجية تنتج بمواصفات عالية تحت شعار صنع في عفرين، وكانت تشغّل أكثر من ثلاثين ألف عامل، إضافة إلى مطحنتين آليتين كبيرتين لإنتاج دقيق القمح، وعشرات المقالع الحجرية والكسارات لإنتاج البحص والنحاتة ومناشير الحجر لإنتاج مواد وحجر البناء وأحجار الاكساء والزينة من النوعين الأبيض والأصفر”، وكذلك مناشير الرخام الأبيض والملون لتوفر المادة الخام في ناحية بلبل.

كما تشتهر عفرين ببعض الحرف الصناعية حيث توجد ورشات كثيرة لأعمال الحدادة وإصلاح السيارات وصناعة الألبسة والأحذية للاستهلاك المحلي والتصدير.

هـ- التجارة

يشتهر جبل الكرد بالتجارة منذ القدم، كونه يقع على مفترق طرق التجارة الدولية، وخاصة مدينة جندريس التي تقع على خط التجارة بين انطاكية وحلب من جهة، وبين انطاكية عينتاب وبعدها إلى نيزيب وشرق فرات حيث طريق الحرير، وكذلك التجارة المحلية حيث كانت ناحيتي شران و بلبل تتبادلان السلع التجارية مع مدينة “كلس” لقربها منهما، والنواحي الأخرى مع مدينة “قرق خان” في جبل الأمانوس.

و- الثروات الباطنية

تتوفر جملة من الثروات الباطنية في جبل الكرد وعلى رأسها المياه الجوفية، مثل: حوض كفرجنة، وينابيع: ﮔَرمك، باتمان، شيخ الحديد، باسوطة، وعين دارة، وعدداً من مكامن الرخام والمرمر في جبل هاوار، ومكامن المعادن: كالحديد في راجو، والفوسفات في ديكمه داش- شران، والنحاس في محيط بلبل، كما يعتبر منخفض عفرين من المناطق المتوقعة لوجود النفط، حسب دراسات المسح الجيوفيزيائي التي قامت بها شركة صينية في سنة 2006 لصالح شركة سويدية، وقبلها قام الانكليز بحفر بئر استكشافي بحثاً عن النفط بالقرب من قرية بافلون (شران)، بعمق حوالي 900 م إبان الانتداب الفرنسي ولم تنشر نتائج التنقيب.

ز- الأعيان الثقافية

1- الأماكن الأثرية:

يتميز جبل الكرد بكثرة المواقع والتلال والكهوف الأثرية الموزعة على كامل مساحتها، ففي ناحية شرا: قلعة خوري، آثار تليلاق، كهف أثري محفور بداخله قبر قرب نبع سمان، قلعة جان ﭘولات على جبل ﭘارسێ، كلاشكێ مقابل بحيرة ميدانكێ، تل حلوبية، تل دوديريا (غرب ميدانكێ) وتل جندريس الذي اكتشف فيه آثار رومانية وبيزنطية بكثرة.

وفي ناحية شيروا: معظم قرى الناحية أثرية تعود إلى عصور ما قبل الميلاد والعصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية، وأخص بالذكر تل عيندارة وفيها المعبد الحثي وتمثال الأسد الضخم، وضريح مار مارون، وكنيسة جوليانوس، وقرى: وموقع نَعوسكا فيه أربعة مغارات منقورة في الصخر تقع جنوب قرية شاديري، وفي وادي بادي جنوب قرية جَلَمه أيضاً أربع مغارات منقورة في الصخر عبارة عن قبور قديمة أو معبد وثني، لكن معظم المواقع دمرت أثناء الغزو التركي وتعرض الباقي للنهب والتخريب.

2- المزارات:

يوجد في جبل الكرد عدداً من المزارات، يقوم سكان الجبل من عقائد مختلفة بزيارتها في أوقات ومناسبات معينة للتبرك بها، أهمها:

ناحية شران: زيارة حنان وفيها ضريح المناضل د. محمد نوري ديرسمي وبجانبه مزار  ﭘير جافر، زيارة منان (كفر جنة)، مزار شيخ أوسب (بجوار مقبرة الشهيد رفيق- متينا)، مزار هوگر- قره جرن، مزار مولان (شرا)، مزار ﭽامو (ﭽما)، ومزارات الإيزيدية: ﭘارسه خاتون(قسطل جندو)، شيخ غريب و شيخ حميد (سنكا).

شيروا: مزار ﭽيل خانه و ملك آدي (قيبار)، شيخ ركاب (شاديري)، شيخ كَراز (جنوب غرب قرية ديوا)، و”شيخ بركات” على جبل بركات، وجميعها مزارات إيزيدية، وكذلك شيخ عبد القادر في قرية ترنده.

بلبل: شيخ حمزة، ياغمور ده ده ومزار مُدَوَرْ.

راجو: بلال الحبشي، مزار محمد علي، إبرام ده ده (قرب هوبكا)، شيخموس (ميدانا).

ناحية مابتا: مزارات بَربَعوش وسفري ده ده (علوية) وجمال الدين،.

جندريس: مزار قازقلي (بجوار مقبرة الشهيد سيدو)، شيخ عبد الرحمن.

وننوّه أن جميع مزارات جبل الكرد مقدسة لدى جميع الأديان والطوائف، ويقوم الناس بزيارتها في أيام محدده للتبرك وطلب العون منها.

 

ديموگرافية جبل الكرد

 

يتألف جبل الكرد (مقاطعة عفرين) من سبع مراكز إدارية هي: شران، بلبل، راجو، مابتا، شيه، جندريس والمركز- عفرين، وبعد تأسيس الإدارة الذاتية في تموز 2012 ، تم إحداث مركز إداري جديد في جبل ليلون باسم “شيروا”، وحسب التقسيم العشائري القديم كان جبل الكرد يتألف من ثمان تجمعات وهي: شيروا، روباريا، شكاكا، بيا، آمكا، شيخان، حَشْتيا، خاسْتيا، جومێ.

حسب المعلومات التاريخية المتوفرة فإن الوجود الكردي قديم جداً على جغرافية جبل الكرد، ويبلغ تعداد سكانها الرسمي 446293 نسمة حسب سجلات النفوس لعام 2004، لكن يعتقد أن التعداد الحالي (سنة 2018) بلغ 800 ألف نسمة، وبسبب حركة الهجرة الكبيرة إلى خارج المنطقة التي بلغت أكثر من 50% أغلبها إلى مدينة حلب، حيث يفوق عدد الكرد في مدينة حلب عن عددهم في مقاطعة عفرين، وكذلك إلى دمشق وأوروبا، وتعود أسباب الهجرة إلى قلة الخدمات والبطالة، وبسبب الاضطهاد القومي وحظر الثقافة الكردية، ومع ذلك فإن المقاطعة تتميز بكثرة أعداد حاملي الشهادات العالية ومن أوائل مناطق سوريا، حيث يتميز أهلها عن جيرانهم بإقبالهم الشديد على العلم، وفي ظل الإدارة الذاتية ابتداءً من سنة 2012 التجأ إلى عفرين مئات الآلاف من الإخوة العرب من المناطق المجاورة.

ترك مجتمع جبل الكرد التنظيم العشائري منذ عهود طويلة ربما يعود إلى بداية العهد العثماني، وحلّ مكانه النظام الاقطاعي بتدبير من النظام العثماني، وأصبح على رأس كل قرية “آغا”، وعلى كل مجموعة من القرى “بيگ”، وهي ألقاب عثمانية، ويتوزع السكان على عدد من النواحي وسكان كل ناحية ينتمون لمجموعة أو أكثر ذات جذور عشائرية، ولا يعني ذلك أن جميع أفراد ناحية ما ينتمون تاريخياً إلى العشيرة نفسها.

آ- الجذور التاريخية للكرد في عفرين

لم تجرِ لتاريخه دراسة علمية عميقة عن جذور السكان الكرد في منطقة عفرين، وتاريخ وجودهم باستثناءات قليلة، ويمكن تصنيف السكان على أربع مجموعات رئيسية حسب تاريخ وجودهم في جبل الكرد استناداً إلى الروايات التاريخية، وأقوال المسنين، وأسلوب ومكان إقامتهم وهي:

1– الكرد القدماء:

ويشكل هؤلاء معظم سكان نواحي بلبل، راجو، شيه وبعض القرى من نواحي شيروا ومابتا وجندريس، وأغلبهم سكنوا الجبل في تواريخ تعود إلى مراحل ما قبل الميلاد، حيث كان جبل الكرد ضمن منطقة انتشار الخورو- ميتانيين في الألف الثاني قبل الميلاد، ويتميز هؤلاء بالصبر والجلادة وقوة تحمّل الصعاب وسرعة الهيجان والابتعاد عن الحياة المدنية، وربما استقر هؤلاء بداية في الكهوف الطبيعية المتوفرة بكثرة، أو الكهوف المحفورة (النواويس) الموجودة آثارها حتى اليوم، وقد بقي بعضهم على نفس النمط من الاستقرار (حسب روايات المسنين) حتى بداية القرن التاسع عشر، أو في تجمعات سكنية على المنحدرات الجبلية وضفاف الأنهار والينابيع والوديان، إضافة إلى القرية النيوليتية التي اكتشفت قرب موقع تل عين دارا، الذي يعود إلى الألف السادس قبل الميلاد، ومن السكان القدامى الباقين حتى اليوم عشيرة آمكا التي هجرت من قبل الآشوريين في القرن التاسع قبل الميلاد من منطقة “زاموا” التي تطابق محافظة السليمانية في جنوب كردستان، حسب ما كتبه دياكونوف.

2- كرد العصور الوسطى:

يعود تاريخ قدوم أغلبهم إلى مرحلة الحروب الصليبية، حيث وفدوا إلى الجبل كمجاهدين مع عائلاتهم بناء على نداء من صلاح الدين الأيوبي لمحاربة الصليبيين، ولسدّ “ممر بيلان” الاستراتيجي على جبل الأمانوس، تحسباً لقدوم حملات جديدة من أوربا، وتتميز قرى هؤلاء بوجودها على القمم الجبلية بمثابة مواقع عسكرية للمراقبة والحراسة، وسكان كل قرية أقرباء ينحدرون من أب واحد، أو عدد من الإخوة، أو أولاد عمومة، ولها جذور عشائرية في أنحاء كردستان عامة.

3- الدفعة الثالثة:

جاؤوا في فترات مختلفة وأغلبهم في مرحلة السيطرة العثمانية ولأسباب مختلفة، منها معركة ﭼالديران، أو الهرب من الخدمة العسكرية أثناء الحروب العثمانية المستمرة، أو تعرض قراهم للدمار أو المجاعة، أو للثارات العشائرية، أو بعد فشل الانتفاضات الكردية تجنباً للملاحقة والعقوبات القاسية وغيرها، وقد سكن معظمهم ضمن قرى المجموعتين الأولى والثانية.

 

 

 

 

 

 

4- الدفعة الأخيرة:

وهم القادمون الجدد وأغلبهم من الأرمن إبّان المجازر العثمانية بحقهم، أو من العرب الذين التجأوا إلى عفرين في النصف الثاني من القرن العشرين بسبب الفقر أو ثارات عشائرية، كما لجأت عدة عائلات من لواء اسكندرون إثر سلخها عن سوريا مثل عائلات: سرخوش، وحركوك، والقط، وكذلك بعض العرب في عهد الوحدة مع مصر سنة 1958 وبعدها في عهدي الانفصال والبعث، وذلك بغية تغيير ديمغرافية المنطقة حسب رؤيتها القومية، حيث وفدت وقتها إلى عفرين “فندة من العميرات” (حسب تعبير وصفي زكريا في كتابه عشائر الشام) سنة 1958 من أعزاز لخلاف مع عشيرة العجيل، وكذلك عدة عائلات من عشيرتي البوبطوش والبوبنا والبوعاصي من أطراف منبج، كما استقدم عدد من الإقطاعيين الكرد في ناحية جندريس بعض العائلات العربية لتشغيلهم كفلاحين وخدم لديهم، وقد عمدت الدولة إلى تسليمهم الأراضي المستولى عليها بناء على قانون الإصلاح الزراعي سنة 1965.

ونشير أن مقاطعة كانت كردية بحتة حتى سنة 1960 وبعد قدوم العرب أصبح نسبة الكرد 98% وآخر نسبة كانت 97% والباقي من العرب.

أما الأرمن فقد التجأوا إلى جبل الكرد بعد سنة 1917، إثر تعرضهم للمجزة الكبرى من قبل الدولة العثمانية، وخاصة من أرمن أضنه، ميرسين، حيث انتشروا في قرى جبل الكرد، وكان قدومهم مرحَّباً بهم، وتوطدت علاقات العمل والتجارة، وكانوا أوائل من سكنوا مدينة عفرين المحدثة بعد سنة 1930، وزاولوا فيها أعمالهم الحرفية وبنوا فيها كنيسة وتعلموا اللغة الكردية فيها، وبعد ستينيات القرن الماضي بدأوا بالهجرة إلى مدينة حلب، وباعوا كنيستهم سنة 1990، وبقيت في عفرين عدة عوائل منهم، وكانت إحداها مستقرة في بلدة راجو هي عائلة “گونيس” حيث شهدت مقاومة العصر، وتعرضت للقصف الوحشي التركي أودت بحياة اثنين من أفرادها، وفي سنة 2019 قامت سلطة الاحتلال بترحيل آخر أفرادها.

 

 

 

 

 

 

ب- التوزع السكاني

يتوزع سكان جبل الكرد على 365 قرية مأهولة، ومدينتين هما عفرين وجندريس وستة بلدات، وتتبع إدارياً إلى محافظة حلب، ومركزها عفرين التي تبعد عن حلب   63كم، ويتوزعون إدارياً على المركز عفرين وسبع نواحي:

1- مدينة عفرين

تعتبر أحدث تجمع سكني في جبل الكرد، حيث بدأت تحضيرات تأسيس المدينة في سنة 1923 ووضعت مخططها من قبل سلطة الانتداب الفرنسي، وأصبحت جاهزة سنة 1930 وتشكلت بلديتها سنة 1932، ثم أصبحت “مركز قضاء” لجبل الكرد، ومن ثم دعيت رسمياً “قضاء جبل الأكراد”، وبعد جلاء فرنسا عنها دعيت “منطقة عفرين”، وقد أخذت المدينة اسمها من اسم النهر المار عبرها، ويسكنها حوالي مائة وخمسون ألف نسمة حسب التقديرات غير الرسمية، وهي مدينة مزدهرة تجارياً وعمرانياً، وتقسم إلى قسمين:

القسم الغربي من النهر وهو القسم الأكبر والأساسي، وفيه شيّدت أولى الأبنية، بدءاً من “سراي الحكومة” والمخفر مع السجن ومنزل القائمقام ومعظم الدوائر الإدارية والأسواق التجارية، ويمتد شمالاً على طرفي الطريق العام عفرين- راجو، وغرباً على الطريق العام عفرين- جندريس، أما القسم الشرقي فقد بدأ تشييده بعد سنة 1960 وامتدت جنوباً حتى قرية ترندێ.

2- نواحي مقاطعة عفرين

يتوزع سكان المقاطعة على عدد من التجمعات دعيت بأسماء عشائرية قديمة وأخرى بأسماء التضاريس وهي:

1- ناحية شران: مركزها بلدة شران، وتعرف باسم ناحية “شكاكا” منذ العهد العثماني، لانتماء سكانها إلى عشيرة شكاكا الشهيرة، وعدد قراها 44 قرية، وقد وفدوا إلى جبل الكرد في القرن الثاني عشر الميلادي كمجاهدين تلبية لنداء من صلاح الدين الأيوبي لصد الحملات الصليبية، كما يوجد ضمن قراها أُسر عديدة تنتمي إلى عشائر كردستانية مثل: رشوان في قرى: متينا وڤيرگان وديرسوان وقيبار، ودودكان في شرا وخربة شران، ومن عشائر أخرى.

2- ناحية بلبل: مركزها بلدة بلبل، يبلغ عدد قراها المأهولة 49 قرية وتتألف من تجمعين رئيسيين: القسم الشمالي منها والتي تضم بلدة “بلبل” والقرى المجاورة لها تدعى عشيرة “بيان Biyan”، ربما ينتمون إلى شعب بياينيا أصحاب دولة “خَلْديا” في القرن الثامن قبل الميلاد ورد اسمها في السجلات الآشورية باسم دولة أورارتو.

أما القسم الجنوبي منها والذين يقطنون في جبل “هاوار” يدعى “آمكان”، وينتمون إلى إمارة آمكا التي كانت موجودة في القرن التاسع قبل الميلاد، وقد أبيدت على يد الآشوريين وهُجِّر الباقون إلى السهل الذي دعي باسمهم آمكا (العمق)، ثم انتقلوا إلى جبل هاوار إثر تعرضهم إلى هجوم حثَي، بمؤازرة من “عبد عشرتا” رئيس إمارة آرامية.

وننوّه أنّ بعض سكان ناحية بلبل ينتمون إلى عشائر أخرى، مثل قرى شيخوروز الثلاثة الذين ينتمون إلى عشائر “روﮊكي” البدليسية، وسكان قرية “شْنْگيلي” ينتمون إلى عشيرة في جنوب كردستان بالاسم نفسه.

 

 

 

 

 

3- ناحية مابَتا: مركزها بلدة مابتا، يبلغ عدد قراها المأهولة 42 قرية ومعظم سكان بلدة مابتا ينتمون إلى علويّي ديرسم، وتنقسم الناحية إلى ثلاث وحدات جغرافية، منها: جبل حشتيا وفيه 22 قرية وسكانها يدعون أنهم ينتمون إلى عشيرة “جلالي” في جبال آگري، والقسم الآخر يدعى جبل خاسْتيا وفيه 11 قرية ويقع إلى الغرب من الناحية، والقرى الباقية تنتشر في الطرف الشرقي من البلدة وتنتسب تاريخياً إلى عدد من العشائر منها: قريتي آﭬراز وشوربه آمكية، وگمروك شكاكية، و”جوقێ” ﭽَقَلية، و”دُمُلِيا” ديرسمية، وقريتي خازيان (فوقاني وتحتاني) مزورية، وقليلا من العرب في قريتي شيخوتكا وعرب شيخو.

4- ناحية راجو: مركزها بلدة راجو، يبلغ عدد قراها 65 قرية وينتسب معظم سكانها إلى عشيرة شيخان، لكن بعضهم ينتمون إلى عشائر أخرى مثل: قرية “عتمانا” تنتمي إلى عشيرة أتمانكا في ديرسم وملاتيا، وقرية شَدِيا تنتسب إلى عشيرة شاديان الكردستانية ولها فروع في خراسان والقوقاز وغرب الأناضول.

5- ناحية شِيه: مركزها بلدة شيه، يبلغ عدد قراها  المأهولة 16 قرية وينتسبون إلى عدد من العشائر الكردية مثل: آمكان، شيخان، بازيان، آلكان، وسكان الحي الجنوبي من بلدة شيه ينتمون إلى شكاكان.

6- ناحية جندريس: مركزها مدينة جندريس التي كانت تدعى قديماً مدينة “ﮊيندار Jîndar”، يعود تاريخها إلى العصور القديمة، وكانت عامرة وبمستوى مدينة (ﭘوليس) في العصرين السلوقي والروماني ودعيت ﮊينداروس، ثم حورت باسم جندريس، وفي السجلات السورية باسم جنديريس، ولم يبقَ من المدينة القديمة سوى بعض آثارها المدفونة في تلتها.

تقع المدينة ومعظم قراها في سهل “جومه Cûmê”، وبعض قراها تقع في الجبال المجاورة من الشمال، ويبلغ عدد قراها 56 قرية، وينحدر سكانها من عشائر مختلفة منها: جزء من عشيرة رشوان في قرى: كفر سفرة، يلانقوز، سنديانكي، حج حسنا، تَتَرا، حمام، أما قريتي آشكا (شرقي- غربي) ربما تنتميان إلى شعب الـﭘارث المشهور باسم “آشكان”، وكذلك عشائر كردستانية أخرى مثل: خالتي، وﭽَقَلي، وديوا وخرزان، وعدد من القرى يسكنها عرب ينحدرون من عشائر مختلفة: كالعميرات والبوبنا، استوطنوا بعد ستينيات القرن العشرين.

7- ناحية شيروا: مركزها بلدة باسوطه، وتتألف من تجمعين إحداهما شيروا ويبلغ عدد قراها 17 قرية، وهي عشيرة كردية قديمة ولها أفرع في أجزاء كردستان الأربعة وفي القوقاز، أما تجمع روباريا فتنتمي إلى عشيرة روباري من جنوب كردستان حسب ادعاء أهلها، ويبلغ عددها 11 قرية.

ونشير أن عدد سكان مقاطعة عفرين حسب الاحصاء الرسمي لعام 2004 بلغ  446292 نسمة، ويعتقد أن العدد تضاعف مع بداية سنة 2018 بسبب عودة معظم الكرد القاطنين بمدينة حلب بعد تعرضهم لهجمات الفصائل الإسلامية التابعة للجيش الحر، حيث يعتقد أن عدد الكرد القاطنين في مدينة حلب والذين تعود أصولهم إلى عفرين يتجاوز عددهم عن سكان عفرين، ناهيك عن النازحين العرب من المناطق الأخرى بسبب الحرب الأهلية المستعرة في سوريا، والذين التجأوا إليها من: إدلب، وجبل سمعان، والسفيرة، والباب، واعزاز، وغيرها لتوفر الأمان فيها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

– دياكونوف إيگور، ميديا، ترجمة وهبية شوكت، رام للطباعة دمشق.

– زكريا أحمد وصفي، عشائر بلاد الشام.

– عفرين- خمس سنوات من التنمية، من إعداد ݘَلَنْگْ عمر، بحث ألقي في المنتدى الدولي حول التطهير العرقي والتغيير الديموگرافي في عفرين الذي عقد في عاموده بتاريخ 2018-12-2.

– علي د. محمـد عبدو ، جبل الكرد (منطقة عفرين)، عفرين 2014.

– قره مان عبدالله، وطن الشمس، ج 1، مطبعة روكسان- عفرين 2017.

Hits: 25