شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

إليوت عربيّاً… أو تفكيك شيفرة إليوت ـ د. فؤاد مطلب

87

 

 

 

 

 

 

ظهرت في حقبة الأربعينيات من القرن الماضي الدعوة الى استخدام اللغة المحكية في الكتابة بدلاً عن اللغة الفصيحة, وقد كان الأدباء والمثقفون العرب يتبعون في ذلك دعوى الشاعر والناقد الإنكليزي توماس إليوت الذي يعد واحداً من أهم الاشخاص الذين أثروا في حقبة الاربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وفي أكثر من بقعة في العالم.

وربما تكون هذه الدعوى من أشهر ما عرف عن إليوت في العالم العربي، وقد كان إليوت قد دعا في أكثر من مناسبة إلى استعمال اللغة المحكية في الشعر، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حينما قال (إن كل ثورة في الشعر عرضة لأن تكون – وقد كانت بالفعل أحياناً – عوداً إلى الكلام العامي)(1). لقد حاول إليوت على عكس دي سوسير أن يعود إلى الحالة البدائية للغة حين كانت وثيقة الصلة بالأشياء والأحاسيس والعواطف وعبرت نظريته في استخدام اللغة المحكية في الشعر عن رغبة قوية لجعل الشعر على صلة مع قوى الحياة الحية من خلال تجنب التجريد والغموض الذين كانا ينبعان من فكرة اعتباطية الإشارة بين الدال والمدلول التي تقلل من حيوية اللغة وتفصلها عن الكائنات البشرية التي تستخدمها، تلك الاعتباطية في الإشارة التي بثتها محاضرات دي سوسير في علم اللغة في صفوف الدارسين المختصين والمثقفين في بدايات القرن العشرين. صحيح أن محاضرات دي سوسير كانت تتكلم على علم اللغة بشكل خاص، غير أن تطبيقات هذه الفكرة كانت قد أخذت مجالاً واسعاً في الميدان الأدبي.

ومنذ أن أطلق إليوت دعواه تلك تلقفها الشعراء العرب (وأصبحت نهباً مشاعاً للشعراء المعاصرين والقليل منهم من أتقن استخدامها)(2)، لقد عاب الشعراء الستينيون في العراق على جيل الرواد وبالأخص على السياب عدم فهمه لحقيقة دعوى إليوت تلك حينما ضمن شعره بضعة كلمات عامية مثل كلمة خطية الواردة في قصيدة غريب على الخليج التي يقول فيها السياب:

 

بين أزورارٍ واحتقارٍ وانتهارٍ أو خطية

والموت أهون من خطية. (3)

 

لقد كان الستينيون يرون أن الدعوة إلى اللغة المحكية أو العامية التي أطلقها إليوت وفهمها الكثير من الشعراء بصورة خاطئة أو حرفية كانت دعوة إلى الاقتراب من لغة الكلام اليومي أي الدعوة إلى مستوى معين من اللغة الفصيحة ذلك المستوى الذي تكون فيه اللغة الفصيحة هي لغة الكلام اليومي، من خلال الاعتماد على الصورة الشعرية التي تنتج النص الشعري الذي لم يؤسس على البلاغة الشعرية التقليدية المعتمدة على المجاز والاستعارة  وإنما بالاعتماد على ما أسموه بالاستعارة الكبرى أو الشمولية التي ينتجها النص المعتمد على لغة بسيطة تقترب من لغة الكلام اليومي (4), تلك اللغة التي يصفها فاضل العزاوي – أحد أهم شعراء الجيل الستيني – بأنها (لغة تنكرت للحلي البلاغية وترهل العبارة لصالح لغة ملموسة تمتلك حيوية الكلام اليومي ودقة اللغة العلمية، مركزاً هجومه على اللغة البلاغية الرنانة وهادفاً إلى إنتاج نص يقترب من لغة الحياة اليومية ويشكل تضاداً لما أسماه القواعد الذهبية المقدسة في الشعر العربي )(5).

ونستطيع القول أن دعوى إليوت إلى استخدام اللغة المحكية في الشعر كانت قد أخذت عند البعض أبعاداً أيديولوجية، فيوسف الخال مثلاً كان يرى أن اللغة العربية بعيدة تماماً عن اللغة المحكية للشعب ويشكل هذا عائقاً في طريق الإبداع العربي ليس في الآداب فحسب وإنما في حقول عديدة، لذلك كان يدعو إلى ضرورة إزالة الفاصل بين العربية المكتوبة والعربية المحكية (6)، ولنلاحظ هنا أن البعد الأيديولوجي الذي كان يقف وراء تفسير الخال لمقولة إليوت خصوصاً انه كان ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي المعروف بأطروحاته الانفصالية التي كانت ترى أن حضارة لبنان والدول المجاورة هي حضارة متوسطية غربية وليست حضارة عربية (7).

أغتنم هنا فرصة رد فاضل العزاوي على محاولة يوسف الخال في استبدال اللغة باللهجة المحكية منطلقاً من أيديولوجيته ومنتهزاً دعوى إليوت، لأبين تباين الافهام واختلاف التلقي عند المثقفين العرب لدعوى إليوت استخدام اللغة المحكية في الشعر، يقول العزاوي: (لقد اعتقد يوسف الخال ورفاقه أن المشكلة تكمن في الجدار الذي يشطر اللغة إلى فصحى ومحكية وفي الأشكال الشعرية، بدون الانتباه إلى أن هذا الجدار الثقافي قبل كل شيء آخر، موجود في العديد من اللغات الأوربية ايضاً ولو بنسب مختلفة. ولكي نغير لغة القصيدة علينا أن نغير وعينا بالعالم الذي من حولنا) (8), وما يهمني هنا هو ربط العزاوي بين اللغة المعبرة عن الحياة وبين فهم الواقع والعالم المحيط الذي كان قد ركز إليوت اهتمامه به في حديثه عن أفق الواقع وتاريخ الشعر وأصواته القادمة إلينا، التي لا تنفك تندغم بأصواتنا معلنة حضورها الفعلي في القصيدة (9).

من كل هذه الأفكار التي أثبتها أريد أن أرسم مشهداً للثقافة العربية التي كانت قد أثرت – بالضرورة – بلغة الصحافة كما أثرت بلغة الادب. وهي في تأثيرها هنا أو هناك إنما تعد مؤشراً على التغير الذي يحصل في الفهم ويترتب عليه تغير في الهوية أيضاً، فالسياب وجيل الرواد فهموا من دعوى إليوت شيئاً لا يخدش صرح النظرية ولا يسيء الى منظومة القيم العربية في استعارة مهمة ومقتضبة لكل استراتيجيات عصر الحداثة الذي دشنه الرواد، فكما أنهم استطاعوا أن يجدوا لدعوى إليوت في استعمال اللغة اليومية مكاناً في صرح أشعارهم العربية، فهم كذلك مثلوا قدرة المثقف العربي على أن “يقحم” مفردات غريبة على منظومته ولا يشعر بالحرج أو بالتناقض. لقد حاول المثقف العربي ممثلاً بالسياب وجيل الرواد ان “يتأقلم” مع الحداثة من خلال تجزئتها وتحويلها إلى مفردات يمكن أن يضمنها في حياته، كما ضمن السياب بعض المفردات المحكية داخل صرح شعره العروبي مأخوذاً بدعوى التحديث والعصرنة، هذا من جانب ومن جانب أخر قام مثقفون آخرون بالذوبان كلياً في دورق الحداثة الغربية إلى الحد الذي دعوا فيه إلى أن يتبنوا اللغة المحكية لغة للإبداع والتعلم كما فعل يوسف الخال وسلامة موسى وآخرون.. أقول لقد عكست دعوى إليوت إلى استعمال اللغة المحكية مواقف فكرية وأيديولوجية من قبل الأدباء والمثقفين العرب الذين عكسوا مناخ الفكر السائد الذي كان يحيط بهم وهم يحاولون تفكيك “شفرة إليوت”.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الهوامش والمصادر:

 

1ــ نقلاً عن الشعر بين نقاد ثلاثة: ت. س. إليوت وارشيبالد ماكلين وريتشاردز، د منح خوري، دار الثقافة، لبنان،1966، ص 27.

2ــ النفخ في الرماد، عبد الواحد لؤلؤة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1989، ص 28.

3ــ بدر شاكر السياب: الأعمال الشعرية الكاملة، دمشق، مطبعة الشعب، 1974، ص 183.

4ــ ينظر، الموجة الصاخبة: دراسة عن الجيل الستيني في العراق، سامي مهدي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ص 85.

5ــ الروح الحية: جيل الستينات في العراق، فاضل العزاوي، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، الطبعة الثانية، 2003، ص 207.

6ــ ينظر، دفاتر الأيام: أفكار على الورق، يوسف الخال، لندن، منشورات الريس، 1987، ص 85 وما بعدها.

7ــ ينظر، الأحزاب القومية العربية في القرن العشرين:، د.محمد الدعمي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، 2001، ص 56.

8ــ الروح الحية، ص 180.

9ــ ينظر، فائدة الشعر وفائدة النقد, ت. س. اليوت ؛ ترجمة: د. يوسف نور عوض، بيروت, دار القلم، الطبعة الأولى 1982، ص 86.

Hits: 20