شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الكاتبة والمترجمة بشرى علي لـ “شرمولا”: على المترجم إجادة فنون الكتابة وفهم النص المترجم، والإلمام بعلوم العصر والمحيط والثقافة

137

 

حاورها: دلشاد مراد

 

الترجمة علم وفن، وجسر بين ثقافات الشعوب، ولأهميتها ودورها الكبير في تطوير العلوم والحضارة الإنسانية، أجرت مجلتنا حواراً مع الكاتبة ؟ والمترجمة بشرى علي، حول ماهية الترجمة وطرائقها وفروقاتها بين الأشكال الأدبية، وكذلك عن أعمالها المترجمة.. وهذا نص الحوار:

 

ـ مرحبا بك، نبدأ حوارنا بماهية الترجمة، إذ أن العديد من نقاد الأدب أدلوا بدلوهم في هذا الموضوع، وحدث جدال ولا يزال حول الأسلوب الأمثل لنقل المعنى من لغة  إلى أخرى، وإن كان هناك توافق على أساسيات وأصول الترجمة لدى الأغلبية، أي في أن يكون هناك توافق لغوي وأسلوبي، فما هو تعريف أو ماهية الترجمة بالنسبة لك؟

 

كلمة الترجمة كمفردة ترجع إلى اللغة اللاتينية، وتعني “النقل”. أي نقل الكلام من “النص الأصل” إلى “النص الهدف” بتحويله من لغة إلى أخرى. وأول حضارة عرفت الترجمة هي حضارة بلاد ما بين النهرين ثم مصر القديمة. والترجمة تُعَدّ أداة معرفية هامة للوعي بالآخر والتعرف على فكره وثقافته وإمكاناته.

وإذا حاولنا صياغة تعريف للترجمة، فهناك إجماع عام على أن الترجمة علم وفن بالدرجة الأولى، ومهارة وذوق بالدرجة الثانية. فالترجمة كعلم تتضمن الإلمام بمبادئ الترجمة وأساسياتها وأدبياتها وطرقها وخطوات سيرها، وتقتضي معرفة اللغتين اللتين تتم الترجمة منهما وإليهما. وهذه المعرفة اللغوية تشكل جزءً أساسياً من مهارات الترجمة، بل وتُعَدُّ “مكوّناً أساسياً ثالثاً للترجمة” على حد تعبير بيتر نيومارك.

أما الترجمة كفن، فتعني فن اختيار المترجم للأسلوب الأنسب للترجمة من بين مجموع خيارات متاحة له من مكونات اللغة الأساسية كالألفاظ والنحو وعلم المقاصد وعلم الدلالة وعلم البلاغة وما شابه. وقد خلصَت بعض الدراسات الأجنبية المعاصرة حول الترجمة إلى أن الأسلوب يرتكز على المعنى، بل أن نقل المعنى في الترجمة لا يتحقق إلا من خلال الأسلوب، وأن المعنى قائم على الأسلوب ومتغير بتغيره، وأن عدم إدراك المترجم لذلك يؤدي إلى فقد جزء من المعنى. ومن تلك الدراسات المهمة كتاب بوسيه بيير (مقاربات أسلوبية للترجمة)، وكتاب (الأسلوبية المعرفية والمترجم).

وأما الترجمة كذوق، فهي جزء من مفهوم الترجمة كفن، وتُعَبّر عن الذوق الشخصي الخاص بالمترجم في تفضيله ترجمة جيدة معينة على قريناتها من الترجمات الجيدة. وبشكل عام، فإن الترجمة حقل معرفي له مشكلاته الخاصة، ليس فقط المشكلات الفنية المرتبطة بعملية الترجمة، ولكن يضاف إليها أنها حقل مثقل بندرة المترجمين الأكفاء ومثقل بمجمعات تضع الثقافة بشكل عام في آخر سلم أولوياتها فما بالك بالترجمة ومعوقاتها!

ويجدر الإشارة إلى أن العديد من الكتاب المشرقيين الشهيرين أَولَوا أهمية عظمى للترجمة، من أمثال الطهطاوي وفرح أنطون وطه حسين وإلياس مرقص. إذ اعتَبَر هؤلاء الترجمةَ عنصراً في مشروع متعدد العناصر غايته الارتقاء الاجتماعي والتحرر من القديم البائد كما لو كان الواقع المعاش هو الذي يقترح الكتب ويترجمها محولاً الأعمال المترجمة إلى جزء من مشروع الثقافة الوطنية. والترجمة لا تكتسب دلالتها متعددة المناحي إلا حينما تكون مشروعاً يفتش عن أسئلة طرحها عليه المجتمع الذي يعيش فيه. وفي هذه العلاقة، لا تكون الترجمة ثقافة وافدة، بل علاقة حميمة ومتميزة في الثقافة الوطنية.

كما يُعَرِّف الدكتور حسن حنفي، أستاذ الفلسفة المعروف، فنَّ الترجمة بأنه تأليف غير مباشر وإعادة صياغة وربما نقل للفكر من حضارة إلى حضارة ومن بؤرة إلى بؤرة ومن ولاء إلى ولاء، ويشير إلى أنه كان ذلك نموذج النقل اليوناني القديم الذي قامت به مدرسة الحكمة برئاسة اسحق بن حنين.

ويضيف صالح علماني: “الترجمة شكل جديد لمضمون العمل الأصلي. إنها شكل العمل في لغته الجديدة. ولا بد لهذا الشكل الجديد أن يحافظ على المضمون ويتطابق مع الأصل. ومثلما يسعى المؤلف الأصلي حين يريد إيصال فكره وشعوره إلى البحث عن الشكل المناسب للتعبير عن تلك الفكرة أو الشعور بأكبر قدر من الصفاء والدقة والشفافية بحيث يتمكن القارئ من التقاطها مثلما تصورها المؤلف، فكذلك ينبغي أن يفعل المترجم”.

 

ـ ماهي المؤهلات التي ينبغي أن تتوافر لدى مترجمي الأدب؟

 

من بديهيات الترجمة الجيدة والجديرة هي أن يكون المترجم عالماً بمعاني الكلمات والعبارات والمصطلحات، وضليعاً في قواعد كلتا اللغتين النحوية، ومعرفة الصور والتشبيهات البلاغية ومعرفة مقابلها في اللغة الهدف، ومعرفة حضارة كلتا اللغتين، والتفنن في مواطن الجمال فيهما، والإبداع في إيجاد الكلمات الملائمة والتي تعبر عن قصد الكاتب الحقيقي.

ومن ثم، فإنه على المترجم أن يختار طريقة الترجمة المناسبة للنص الأصيل. فهل هي طريقة الترجمة الحرفية للمعنى (لا للكلمات)، أم ترجمة الشكل المرادف التي تعتمد الدقة في النقل بصرف النظر عن مدى أهمية ما ينقل؟ أم هي طريقة الترجمة الحرة التي تعتمد نقل فحوى النص وأفكاره بأسلوب أقل التزاماً بالدقة في نقل كل شيء كما تفعل الترجمة الحرفية للمعنى؟ أم هي طريقة الترجمة الدلالية التي ينصب فيها الاهتمام على نقل معنى النص الأصل بحذافيره، وثقافته، وتعقيداته اللفظية والنحوية إلى اللغة الأخرى؟ أم هي طريقة الترجمة التخاطبية أو ترجمة الترادف الدينامي التي تدين بالولاء للقارئ وتلبية مطالبه المتمثلة بتبسيط الفهم وتوجيه الخطاب له وإحداث الوقع ذاته الذي أحدثه النص الأصل وجعل اللغة الثقافية متاحة الفهم لقارئ النص المترجَم؟ أم هي طريقة الترجمة بتصرف والتي تعني الترجمة الانتقائية؟ أم هي طريقة تعتمد منهج الأسلوبية المعرفية بغية سبر أعماق المعنى ونبش حقائقه الكامنة؟ أم هي طريقة خليط من طرق الترجمة المختلفة؟

وعليه، يتوجب على المترجم أن يبحث في لغته عن طريقة للتعبير عن المضامين الانفعالية والفنية للأصل بأقصى ما يمكن من الوضوح والدقة والشفافية. وكلما اقتربت الترجمة من هذا الهدف كانت أقرب إلى الكمال.

وبكل الأحوال، فإن معظم النصوص تترجَم بتطبيقِ أكثر من طريقة عليها في أماكن مختلفة من النص نفسه. فبعض الجمل تتطلب دقة متناهية في النقل؛ نظرًا إلى أنها حول حقائق علمية أو إحصائية أو تاريخية أو سياسية أو ما شابه. لكن جملاً أخرى في النص نفسه لا تحتاج إلى نقل دقيق كالتكرار المبتذل، أو الكلمات والعبارات التي ليس لها أهمية كبرى ولا يؤثِّر حذفها، أو تخفيفها، أو اختصارها على جوهر المعنى في النص.

 

ـ هل ثمة فرق بين الأشكال الأدبية المختلفة في عملية الترجمة، كالشعر أو الرواية أو البحث الفكري والسياسي… الخ؟

 

بالطبع. إذ ينقسم الأدب في أية لغة بصورة عامة إلى نوعين أساسيين: الشعر والنثر. ويُعَدُّ الشعر أعقد أشكال الكتابة الفنية لِما يتضمنه من صور وأخيلة ومجازات ورموز. بالتالي، فهل تكفي إجادة لغتين لكي يكون المترجم مؤهلاً لترجمة الشعر؟ تقول المترجمة د. ثريا إقبال في هذا الشأن: “ترجمة الشعر شأنها شأن كتابته، مؤسسة على لحظة أولى سابقة هي لحظة الإحساس بالنص الأصلي، وكذلك الإعجاب بالثقافة المغايرة واللغة المنقول عنها. وبالتالي تصبح عملية الترجمة لهذا الشعور عبر نص مترجم. إنها ترجمة إحساس مضاعف ظاهره الانجذاب باللغة والثقافة الأخرى وباطنه الانشداد إلى النص الأصلي. ولا يمكن لهذه الترجمة الشاعرة إلا أن يكون مشعوراً بها”.

وتضيف د. ثريا إقبال: “إن معرفة لغتين لا تكفي لترجمة الشعر. فشخصية المترجم وثقافته وقدرته على الإحاطة بتاريخ وحاضر وثقافة اللغتين ضرورية لمعرفة خبايا النص وفهم سياقه. لذا، ينبغي أن يتشبع المترجم بمفاهيم الثقافات التي ينقل عنها وينقل إليها”.

أي أن ترجمة الشعر تقتضي إبراز المعاني والصور التي يقدمها الشاعر، بالإضافة إلى معنى الألفاظ. فمعنى الألفاظ لا يمكن أن يساوي القصيدة، وهذا ما يميز الشعر عن النثر. وهذا مبدأ من مبادئ النقد الحديث الذي ينبغي على المترجم أن يضعه نصب عينيه، وهو ما يسمى “المعنى الشعري” للعمل الأدبي، تمييزاً له عن المعنى النثري أو معنى الألفاظ في ذاتها.

ويفرق درايدن (أبو النقد الإنجليزي) بين ثلاثة مذاهب في الترجمة الأدبية للشعر: الأول هو النقل الحرفي للألفاظ في سياقها الأصلي (الترجمة الحرفية). والثاني هو نقل المعاني فحسب، بغض النظر عن نسق الجملة أو انتظام الكلمات في العبارة. والثالث هو إعادة سبك العبارات، بل القصيدة كلها إذا اقتضى الأمر بحيث يستطيع تقديم المثيل أو البديل للعمل الأصلي باللغة المترجَم إليها (أي: المحاكاة، محاكاة الشاعر فيما فعل من وزن وقوافٍ وصور ومعانٍ). وهذا الأخير يُعَدّ أصلح المناهج للترجمة الأدبية.

من هنا، فإن المترجم الصادق هو الأديب الصادق أيضاً. فهو يستوعب أدب أمته وتراثها، وهو ينقل العمل الأدبي الأجنبي في إطار هذا الأدب والتراث.

 

ـ هل من الممكن نقد الترجمة، كأي نتاج إبداعي آخر؟

 

بالتأكيد. والسؤال الذي يتعين طرحه هنا: هل الترجمة مجرد نقل لنصوص الآخرين؟ وهل هي مطابقة بين النص المترجَم والنص المترجَم عنه؟ أم أنها إعادة للتعبير عن المعنى بصياغة ورؤية أخرى؟ لنتوقف هنا عند رؤية المفكر الفلسطيني، الدكتور فيصل دراج، للترجمة؛ إذ يراها عنصراً من عدة عناصر مكتملة إذا افتقدت الترابط بينها فقدت هدفها.

كما يستخدم الكاتب صالح علماني مصطلح “محنة الترجمة”، بمعنى أن الوفاء للنص الأصلي أمر ممتنع، إلا إذا تمت مواجهة محنة امتناعه بالتعرض إليه وبمحاولة إعادة كتابته في اللغة الثانية في لعبة تقوم على “الوفاء” و”الخيانة”. والمقصود بعبارة “الخيانة” هنا هو التأرجح بين مجافاة مضمون النص المترجم وبين مجافاة شكله الخارجي في العبارات والمفردات والسياقات.

وشيوع مصطلح “خيانة النص” إنما هو نقد للترجمة. وفيما يتعلق بأسباب خيانة النصوص، تقول المترجمة د. آمال فريد: “هو جهل المترجم بالسياق الثقافي للنص الذي يترجمه”. فعندما يجهل المترجم السياقَ التاريخي والاجتماعي والثقافي لرواية أو نصٍّ ما، فإن ترجمته تغدو مكتظة بالأخطاء على المستوى الحضاري وحتى على المستوى اللغوي.

أما المستعرب رحمي آر فإنه يرى أسباباً أخرى للخيانة، منها الوضع الأخلاقي والعقائدي للمجتمع الذي توجَّه الترجمة إليه. وعليه، فإذا اتجه المترجم إلى إخفاء بعض ما ورد في النص الأصلي من عبارات أو ألفاظ أو جمل أو فقرات، أو إلى تبديلها بما ليس له وجود في النص الأصلي، فهذا الأمر بطبيعة الحال مرفوض إطلاقاً ولا يقبله أي قارئ. وعمل الترجمة في حد ذاته لا يعطي المترجم هذا النوع من حق التصرف على الإطلاق مهما كان السبب، ومثل هذا الموقف لا بد من اعتباره “الخيانة الكبرى” للعمل الأدبي ولمؤلفه، إضافة إلى أنه يؤدي بالقراء إلى فقدان ثقتهم بالمترجمين والانصراف والابتعاد عن الأعمال المترجمة.

 

ـ هل تعتبرين أن الترجمة عملية فيها مخاطرة؟

 

هذا مؤكد. فحسب تعريف الكاتب والباحث الشهير “محمد عناني”، فإن المترجم هو: “كاتب. أي أن عمله هو صوغ الأفكار في كلمات موجَّهة إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل، هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه”.

وانطلاقاً من هذا التعريف، فلعلّ مهمة الترجمة ليست سهلة كما يظن كثيرون. ذلك أن نقل أفكار الغير أصعب من التعبير عن الأفكار الذاتية، ولأن المترجم مقيد بنصٍّ معين، ومكلّف بنقل هذا النص من لغة لها أعرافها وتقاليدها وثقافتها وحضارتها إلى لغة ربما اختلفت في كل ذلك. والتعمق في كل هذا يتطلب سنوات طويلة من الإبحار في علم وأدب اللغة. وعليه، فإن عملية الترجمة تعني بإخراج نصٍّ يوحي وكأنه كُتِبَ أصلاً باللغة المترجَم إليها. وهنا مكمن الصعوبة، لأن الترجمة تقتضي أن يتسلح المترجم بالقدرة على استخدام الألفاظ والتراكيب التي تدل على ما يريده من معانٍ.

ولأجل تلبية هذه المتطلبات، ينبغي إجادة فنون الكتابة وإجادة فهم النص الذي يترجَم، والإلمام بعلوم العصر والمحيط والثقافة التي كانت سائدةً حين كُتِبَ النص الأصلي الذي يُراد ترجمته، للتمكن من فهم مغزى النص بنحو صحيح، وللتمكن بالتالي من ترجمته بنحو دقيق. وعلى حد تعبير الكاتب “محمد عناني”، فإن هذا يقتضي: “ضرورة الإلمام بقدرٍ من المعلومات يمنع الجهل، وإن لم يَكن يفضي إلى العلم”.

ولعل العقبة الأولى هنا تكمن في الاختلاف الثقافي أو الحضاري، أي اختلاف دلالات الأشياء من لغة إلى أخرى. وعليه، فإن المترجم بحاجة دوماً إلى “التقريب” بين معاني الكلمات، وإلى اختيار المعنى الأقرب للدلالة على العبارة الواردة في النص الأصيل، كون الكلمات المجردة بين لغتين مختلفتين تدل على مفاهيم ذات جذور عميقة مختلفة في تراث كل لغة.

وفي السياق، فقد يواجه المترجم أثناء الترجمة اصطلاحات مقصورة على ثقافة بعينها ويصعب نقل معناها بالترجمة المباشرة، أي دون شرح أو تفسير. هذا بالإضافة إلى الاصطلاحات التي اتفق عليها المجتمع الدولي، والتي ينبغي معرفتها وتدوينها كما هو متفَق عليها.

 

ـ ما هي طريقتك في الترجمة؟

 

في الحقيقة، لن أبالغ حينما أقول أنني ألجأ إلى طرق عدة في ترجمة أي نص. فأحياناً يغلب على أسلوبي طريقة الترجمة الحرفية للمعنى، وأحياناً ينحو نحو الترجمة الدلالية، وأحياناً ألجأ إلى طرق أخرى. إذ كانت تواجهني أحياناً عبارات تفرض عليّ ترجمتها بتقريبها إلى عباراتٍ أقرب للمعنى في اللغة العربية. وواجهتُ في أحايين أخرى عبارات تحتوي مصطلحاتٍ تتطلب الدقة في اختيار مرادفاتها في العربية، مما كان ذلك يشترط استخدام المصطلح الدقيق والسديد أثناء الترجمة. إلا إن أهم ما كنتُ أركز عليه هو “الأمانة” و”الوفاء” للنص الأصلي، بالإضافة إلى مراعاة إيصال الفكرة بأفضل أشكالها إلى القارئ باللغة العربية.

 

ـ قمت بترجمة الأجزاء الخمسة لمانيفستو الحضارة الديمقراطية للمفكر الكردي عبد الله أوجلان إلى اللغة العربية، وبالتالي أصبحت أفكاره ونظريته السياسية والاجتماعية متاحة للقارئ العربي، وهذا إنجاز بحد ذاته، كيف يمكنك الحديث هذا المنجز، عن بداياتك في ترجمة مؤلفات السيد أوجلان، الصعوبات التي لاقيتها، المدة التي استغرقت معك للانتهاء منها، ردود الأفعال بعد الترجمة…الخ؟

 

إن أهم الصعوبات التي واجهتها هي كونني كنت أترجم من اللغة التركية إلى العربية. أي، من لغةٍ لا يزيد عمرها على المائة عام إلا بنيّف، إلى لغة عريقة لها إرثها الحضاري والثقافي والتاريخي والاجتماعي. بالتالي، ثمة الكثير من المصطلحات في اللغة التركية تستخدم في عدة أماكن بنفس المفردات، لكننا نجدها في اللغة العربية تقتضي استخدام مفردات أو ألفاظ متغيرة. ففي العربية مثلاً، كلمة الحضارة مختلفة عن كلمة المدنية من حيث الجوهر والجذور والأصل. لكنهما عبارة عن كلمة واحدة في اللغة التركية.

ثم إن الكثير من الكلمات العربية المتسربة إلى التركية، يتم استخدامها في الأخيرة بمعانٍ مختلفة، وأحياناً معكوسة. وعلى سبيل المثال، في اللغة العربية، العشيرة أصغر من القبيلة. لكن الأمر معكوس في اللغة التركية رغم أن الكلمتين تُستَخدمان كما هما. وقد كنتُ أنهيتُ ترجمة كتابٍ بأكمله، قبل أن أنتبه إلى هذه النقطة. فأعدت النظر فيه مجدداً لتصحيح هذا الأمر. وكلمة “احتلال” أيضاً تُستَخدَم في اللغة التركية أيضاً، ولكن بمعنى “الثورة”! وهناك الكثير من الكلمات الأخرى المستوردة من لغاتٍ أخرى، ولكنها تستخدم بمعانٍ مختلفة وأحياناً نقيضة.

لقد استغرقت ترجمة مؤلف “مانيفستو الحضارة الديمقراطية” بمجلداته الخمسة خمس سنين بأكملها، ما بين ترجمة وتدقيق ومراجعة وكتابةٍ للحواشي السفلية واستشارة العديد من المثقفين والكتاب في الصياغة والترجمة وسداد المعنى. لكنّ أروع شيء في هذا العمل هو التعرف على الرؤية الجديدة التي يطرحها المفكر الكردي عبدالله أوجلان، وعلى المشاريع المستقبلية الهادفة إلى استتباب السلام والأمان في عموم منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى الحلول البديلة والاستراتيجية والجذرية التي يطرحها لحل القضية الكردية بصورة خاصة وجميع قضايا شعوب وأثنيات المنقطة بصورة عامة.

بالتالي، كنتُ أشعر بالغبطة الكبرى في كل لحظة من لحظات ترجمة هذا العمل الضخم إلى العربية، ووصلت غبطتي أقصاها لدى انتهائي منه، ووجدتُ أنني محظوظة جداً بأن كان لي شرف نقله إلى القارئ باللغة العربية، وأنني أصبحت الجسر الذي يوصل هذه الأفكار الثمينة إلى محيط حضاري وثقافي مختلف ومتعطش لهكذا أفكار ومشاريع ورؤى جديدة، سيما وأن منطقتنا المشرقية تتخبط دوامة الفوضى العمياء وتغوص في بحور الدم لافتقارها إلى هذه الرؤية المشرقية الأصيلة والاستشرافية.

 

ـ ماذا عن ترجمة مذكرات المناضلة الكردية ساكنة جانسيز، والتي تقومين بها راهناً، حيث تنشرينها على حلقات في أحد المواقع المصرية؟ ما كان دافعك لاختيار مذكرات جانسيز، أهو لإظهار نموذج المرأة المناضلة، وبالتالي إعطاء زخم للحراك النسوي في المنطقة؟ وفي هذا السياق، أُلفتُ الانتباه إلى كتابك الصادر مؤخراً حول المرأة الكردية باللغة العربية، كما أضيف دوركم اللافت في تأسيس رابطة جين النسائية في لبنان.

 

أجل، كل العالم تابع بغصّة حارقة وبقلب محترق المجزرة الشنيعة التي حصلت في عاصمة “الحرية!” باريس، والتي راحت ضحيتها ثلاث مناضلات كرديات ثوريات بحادثة اغتيال نكراء طالت الأيقونة الكردية “سكينة جانسيز” ورفيقتَيها فيدان دوغان وليلى شايلماز.

وعليه، ترسخت لديّ قناعةٌ بأنه لا بد من تخليد سكينة، هذه الأيقونة النسائية الكردية كثورية كانت واحدةً من امرأتَين شاركتا في التأسيس لأهم حركة كردية تحررية معاصرة تهزّ أركان القوى الرأسمالية والإمبريالية في راهننا. فحصلتُ على كتابها الضخم المؤلف من ثلاثة أجزاء تحت عنوان “حياتي كلها صراع!”، والذي هو أقرب إلى مذكّرات تروي فيها مسيرة نضالها الشاق. واتّفقتُ مع مديرة موقع “الديوان” المصري على نشر هذه الترجمة على حلقات متوالية ودورية في ذلك الموقع. وما يزال النشر مستمراً، وقد ينتهي مع نهاية هذا العام.

وإني أعتبر أن هذا العمل أيضاً إنجاز مهم واستراتيجي، وبخاصة في ظل جدران الاغتراب الغليظة المبنية بين الحركات النسائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فكم هو مؤسف أنني لاحظتُ مؤخراً أن عدد النساء اللواتي يعرفن سكينة جانسيز في منطقتنا المشرقية قليل جداً جداً، بينما يكاد لا يبقى أحد يجهلها في أوروبا وبلاد الغرب. وهذا هو المحفز الآخر الذي دفعني إلى البدء بترجمة كتابها دونما إبطاء، سيما أن تاريخ نضالها يختصر في صُلبه تاريخ نضال الحركة النسائية الكردية المعاصرة.

ولنفس الغرض، أي لأجل تعريف القارئ باللغة العربية على تاريخ حركة حرية المرأة الكردستانية، شرعتُ في العام 2018 بكتابة مقالات دورية عن تاريخ نضال المرأة الكردية المعاصر وقمتُ بنشرها على صفحات موقع “الديوان” المصري، فكان الاقتراح من مديرة الموقع، السيدة القديرة “ولاء أبوستيت”، بتحويل تلك المقالات إلى كتاب، لأهميتها الكبرى. وجاء الاقتراح الآخر من مدير دار النشر “المجمع الثقافي المصري” بطبعه وعرضه في المعرض الدولي للكتاب في القاهرة. وهكذا تحولت تلك المقالات إلى كتاب تحت عنوان “المرأة الكردية، من أين وإلى أين؟”، وعُرِضَ فعلاً في المعرض لعام 2019. ويتم التحضير حالياً للطبعة الثانية منه في لبنان.

 

ـ هل ثمة مشاريع أو أعمال مستقبلية لك في مجال الترجمة؟

 

أجل، ما يزال أمامي إكمال ترجمة الجزأين الثاني والثالث من كتاب سكينة جانسيز “حياتي كلها صراع!”. وقد تولد مشاريع أخرى ليست في الحسبان.

Hits: 17