شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

“قلب الليل”.. رواية البحث عن الحقيقة ـ هبة سلطان

44

 

 

 

 

 

حقيقة الإنسان هو اللغز المحير الغامض، كتب عنه الكثير من الأدباء والفلاسفة والشعراء، ليصلوا إلى معرفة  هذا اللغز، ومن هنا تبدأ الرحلة، رحلة البحث عن الحقيقة. هي رحلة الإيمان التي تنتهي بالتصوف، فهي حياة القلب مع الله.

يقول الأديب نجيب محفوظ في أحد حواراته: “لقد أخذت التصوف في البداية على أنه أدب روحي رفيع لكني تأثرت به تأثراً خاصاً، فالتصوف بالنسبة لي لم يجعلني انفصل عن الحياة أو أزهد فيها، بل العكس جعلني اتخذ من تربيته الروحية وسيلة لتحسين علاقتي بالحياة ومن ثم بالناس والعمل”.

وجاءت أعمال نجيب محفوظ الأدبية تحمل الكثير من التصوف بداية من الثلاثية  في شخصية كمال عبد الجواد، وشخصية عاشور الناجي في (الحرافيش.( ثم تأتي روايات مكتملة عن الصوفية مثل رواية (الطريق) و(الشحاذ)، و(قلب الليل).

رواية (قلب الليل) كتبت عام ١٩٧٥، تبدأ الرواية بذهاب جعفر الراوي بطل القصة إلى دار الأوقاف للمطالبة بأملاك جده، إلا أن موظف الأوقاف يشرح له عدم إمكانية الحصول على الإرث، لأن الجد نذر جميع ثروته للأوقاف، ومع إصرار جعفر في الحصول على الإرث، يبدأ في سرد قصته، وما هي إلا قصة الوجود البشري مع الحياة.

جعفر اسم بطل الرواية، هو أيضا اسم الحي الذي يسكن فيه “خان جعفر”، وهي علاقة مباشرة بين الإنسان حامل الأمانة الذي خلق من التراب، و هبط من السماء ليسكن الأرض.

وفي مقطع آخر من الرواية يقول جعفر الراوي عندما سأله موظف الأوقاف: “أليس لك أهل؟”. فيجيب: “لعلهم يملؤون الأرض، لي أبناء قضاة ومجرمون” إشارة إلى أولاد آدم منهم الصالح، ومنهم الطالح.

قسمت حياة جعفر الراوي إلى عدة مراحل:

المرحلة الأولى: هي ارتباطه بأمه التي ترمز إلى الطبيعة، كانت حياته معها يعيش فيها الإنس والجن، الحيوان والأشجار، يصارع فيها من أجل البقاء، ومع ذلك لم يوجد إلا الصفاء، فكان اسم الأم “سكينة”، فهي الأمان لآدم.

موت الأم وانفصال جعفر عنها هو انفصال الإنسان البدائي عن الطبيعة.

المرحلة الثانية: هي نزول الأديان السماوية، وسيطرة المؤسسات الدينية وهي ترمز إلى الراوي الجد، ومحاولة جعفر الخروج منها، ليبدأ حياة خاصة به، فجاء على لسانه: “لا بقاء في بيت جدي إلا لإنسان إلهي أما الأزهر فإنني ما وددت مهنته قط .. والإيمان لا يحتاج إلي جميع تلك التعقيدات”.

المرحلة الثالثة: هي التخبط، حياة بلا طموح كما جاء علي لسان جعفر، يحاول فيه أن يكتشف طريقه بين الخطأ والصواب، فانغمس في عالم المخدرات، بدأ بالشهوة من خلال زواجه من مروانة الغجرية، لكن سرعان ما بدأ يشعر بالضجر والملل من هذه الحياة التي بلا طموح، ويترك أبناءه، ليبحث عن حياة أخرى.

المرحلة الرابعة: هي مرحلة العودة إلى العقل والعمل التي رمز إليها بشخصية هدى صديق المثقفة الثرية الزوجة الثانية لجعفر الراوي، فهي الحياة الثانية لبطل الرواية، بدلت حياته من حال إلى حال، حيث سيطرة العلم على الإنسان.

المرحلة الأخيرة: هي عودة الإنسان إلى صورته البدائية الذي تتحكم فيه غرائزه أكثر من العقل، فيقتل جعفر الراوي بدافع الغيرة. ويعود مرة أخرى إلى الطبيعة لا زوج ولا أبناء. ولكن أي طبيعة عاد إليها جعفر الراوي أو آدم الإنسان؟. أما الراوي الجد فقد عاقب جعفر الحفيد بحرمانه من الميراث لأنه عصاه، وخرج من دنياه وعالمه.

الشخصيات في رواية قلب الليل تحيل القارئ إلى رموز عليا، وأفكار كثيرة.

أسلوب الكاتب للوهلة الأولى تشعر القارئ أنه أمام أسلوب جديد لكاتب متمرس في تجربة أدبية فكرية غير مسبوقة، الحوار متداخل وراءه الكثير من الغموض.

وفي النهاية التصوف هو قصة الإنسان مع الله ومع الطبيعة،  فآدم هو الأسطورة .

Hits: 9