شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

شاعر الحب والنضال للقمان بولات ـ الترجمة عن الكردية: دلشاد مراد

91

 

 

 

 

 

 

كانت أول قصيدة أقرأها لنزار قباني مترجمة إلى الكردية من قبل جان كورد، وقد أظهرت لي تلك القصيدة أن كاتبها شاعر بحق، وأنها مميزة وتستحق القراءة. وقلت في نفسي: «يا ليت يقوم المترجمون الكرد بترجمة دواوين هذا الشاعر إلى الكردية».

نزار قباني شاعر عربي، وُلد في دمشق عام 1923م وتوفي في لندن بالمنفى عام 1998م، إنه شاعر الحب والنضال. واجه نظام البعث الديكتاتوري في سوريا وناضل ضدهم، واستخدم قلمه كسلاح. وقد أراد نظام البعث السوري القبض عليه أو اغتياله أو سجنه، فاضطر إلى ترك وطنه والحياة في المنفى ومواصلة نضاله من هناك.

حينما قرأت قصيدة نزار كنت أعلم أنه لم يكن هناك أي كتاب له مترجم إلى الكردية، فحتى الآن أشتري وأقرأ أي كتاب يصدر سواء بالكردية – الأبجدية اللاتينية- أو مترجم إلى الكردية. نعم ليس لنزار أي مؤلفات مترجمة إلى الكردية، وأتساءل إن كانت تتوفر ترجمات لمؤلفاته بالتركية أم لا؟!!.

وبنظري فإنه ينبغي للكرد أن يقرؤوا آداب الشعوب المجاورة لهم، يتعرفوا عليها ويترجموا الأعمال المميزة منها إلى الكردية.

انشغلت بالبحث عن كتب نزار قباني المترجمة إلى التركية، فتبين لي إن ستة من كتبه مترجمة. فقلت في نفسي مرة أخرى: “لقد ترجم الآخرون ست مؤلفات لنزار قباني، بينما نحن لم نتمكن من ترجمة ونشر مؤلفاً واحداً له بالكردية!!”.

آمل من المترجمين الكرد الوطنيين أن يبدؤوا بترجمة مؤلفات نزار قباني وتزيين المكتبة الكردية بها، وإغناء الأدب واللغة الكردية. ومن المعلوم أن الترجمة تلعب بدور بالغ الأهمية في إغناء اللغات. وحينما كتبت هذه المقالة، تساءلت، يا ترى كم من نتاجات الآداب العربية والفارسية والتركية والأرمنية والسريانية تُرجمت إلى الكردية؟ إلى أي درجة تَعرّف الكرد على آداب تلك الشعوب، وبالمقابل إلى أي درجة تَعرّف تلك الشعوب أيضاً على الآداب الكردية؟ كم من القراء الكرد لديهم دراية بنتاجات أدونيس ونزار قباني ومحمود درويش وكتاب آخرين لدى العرب والفرس والأرمن والترك والآذر والسريان؟ وكم من قراء تلك الشعوب لديهم دراية بـ أحمدي خاني وفقي تيران وملاي جزيري وجكرخوين والكتاب الكرد المعاصرين أو في الوقت الراهن؟

إن آداب شعوب وقوميات الشرق الأوسط قوية وغنية, ولذا ينبغي على تلك الشعوب المتجاورة الاستفادة من آداب بعضها البعض. تلعب الآداب بدور رئيسي في النضال من أجل الهوية القومية والحرية. إذ أن كتاب الشعوب المضطهدة يستخدمون نتاجاتهم الأدبية في مواجهة الظلم والاستبداد والاحتلال، ويتعرضون للقتل من أجل الحرية. ومن أجل إثراء اللغات القومية، وإثراء الثقافة والأدب، أصبحت النتاجات الأدبية للكتاب رمزاً للقيم القومية، وعنواناً للدفاع عن جميع القيم الشعبية. ولها دور كبير في النضال من أجل تحرير الوطن وحرية الشعب.

نزار قباني كاتب مميز مثل أدونيس، ومن الكتاب العرب المميزين أيضاً جبران خليل جبران. وقد ترجم إلى الكردية ثلاثة مؤلفات لجبران من قبل المترجم الكردي حسين محمد، وتم نشرها ضمن إصدارات “هَلوَستْ”، والكتب الثلاثة المترجمة له هي: (الأجنحة المنكسرة، النبي، حديقة النبي). وبالنظر إلى الأدب العربي فإن المرء يلحظ قيام الكاتبين أمين الريحاني وجبران خليل جبران بإدخال الجِدة والحداثة في الأدب العربي، وأبدعا في الشعر ذات أسلوب الوزن الحر وكذلك أسلوب الكتابة السردية في أعمال مميزة.

ليس لدي معرفة بالأدب العربي بقدر ما يعرفه كرد جنوب وغرب كردستان. وعلى حد علمي هناك العديد من المذاهب (المدارس) الأدبية في الأدب العربي، من بينها مذهب “التفعيلة”، وهو مبني على أساس الوزن الحر، ومؤسسي هذا المذهب كل من نازك الملائكة وبدر شاكر السياب. ويكتب شعرائه قصائدهم حسب الوزن الحر والقافية الحرة. وبحسب نظرة وآراء النقاد فإن هذا المذهب يبقي الشعر العربي الحديث تحت تأثير أسلوب الشعر الغربي.

تقول الباحثة سلمى الخضراء الجيوسي في كتابها “الشعر العربي الحديث”: “بدأت في أوساط الشعراء العرب نظرية جديدة حول الحياة والفن، هؤلاء برزوا ضد المذاهب الأدبية القديمة، ويريدون الاستزادة من الشعراء الأجانب والإفادة منهم.  لقد تأثر الشعر الحديث للشعراء العرب بكل من إليوت وريلكه وباوند ولوركا ورامبو وإلوارد وأراغون وبابلو نيرودا وناظم حكمت.

قام الشعراء العرب: نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري بتحديث مذهب “التفعيلة” وتطويرها. لقد كتب السياب في منفاه قصيدة بعنوان “قصيدة المطر” ونشرها في مجلة “الآداب” الصادرة في بيروت، تلك القصيدة وغيرها من قصائد السياب أحبها القراء العرب كثيراً.

عندما رجع الشاعر العربي يوسف الخال من منفاه ـ في أمريكاـ إلى وطنه (لبنان) لاحظ عدم وجود أي مجلة أدبية قيّمة. فالمجلات الموجودة كانت تكتفي بنشر القليل من القصائد الشعرية فقط. كان هناك فراغ في الإصدارات الأدبية والشعرية، ولذا أراد ملئ الفراغ الموجود، فجمع الكتاب والشعراء الشباب وأسس دار نشر “مجلة”، وبدأ هؤلاء الكتاب والشعراء الشباب بإصدار مجلة “شعر”. ومن خلال هذا العمل والنشاط طوروا وأغنوا آدابهم. وأنشأوا مدرسة أدبية باسم “مجلة شعر”. ومن الشعراء الذين وجدوا لهم مكاناً في هذه المدرسة: يوسف الخال والسياب وأدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبو شقرا وفؤاد رفقي ومحمد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وخليل حافي ورياض الريس وعصام محفوظ وسعدي يوسف.

قدم أعضاء مدرسة “مجلة شعر” أعمالاً ذات أهمية في المجال الأدبي، فقد ترجموا النتاجات الرمزية، الحديثة، المستقبلية، الواقعية، السريالية إلى العربية. وتحت تأثير هذه المذاهب الأدبية العالمية قدموا نتاجات عربية مبدعة. وعرفوا القراء العرب بالشعراء الأوروبيين والأمريكيين، وكتبوا مقالات نقدية عن أعمال وحياة ونضالات هؤلاء الشعراء ونشروها.

 

الشاعر نزار قباني كاتب واقعي وذو مصداقية. في سنة 1967 وقعت الحرب بين الدول العربية وإسرائيل، وقد هُزمت فيه الدول العربية. كتب نزار قباني قصيدة عن هزيمة الحرب ونُشرت في مجلة “الآداب” ببيروت. وكانت القصيدة بعنوان “هوامش على دفتر النكسة”. لم يأخذ القوميون العرب مضمون القصيدة بالحسبان، ولذلك حُظرت تلك القصيدة في العالم العربي. ورغم ذلك كان القراء ينسخونها سراً وينشرونها. وقد تسببت تلك القصيدة بظهور وإنشاء مذهب (تصنيف) أدبي باسم “الآداب المحظورة”.

تأثر كثير من الكتاب والشعراء العرب والفلسطينيين أمثال: محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان ورشيد حسين ومعين بسيسو وصلاح نيازي وآخرين بهزيمة العرب، فاتجهوا لتبني القضية الفلسطينية وكتبوا قصائد النضال والمقاومة من أجل التحرر القومي. قدم هؤلاء الشعراء العرب ابتكارات جديدة في الأدب العربي، وأحب القراء العرب أعمال وأشعار محمود درويش وسميح القاسم ورشيد حسين.

بعد نكسة 1967 وقعت هزيمة أخرى في 1982. لقد هُزم العرب والفلسطينيون في حرب عام 1982 وانتصرت إسرائيل مرة أخرى. احتلت القوات العسكرية الإسرائيلية عاصمة دولة عربية وهي بيروت، التي كانت تعرف بباريس الشرق الأوسط ، إذ كانت مكاناً للكتاب العرب من العراق وسوريا ومصر وعشرين دولة عربية، نشروا كتبهم في بيروت دون رقابة. كانت بيروت أشبه بمركز للكتاب العرب الأحرار الذين عانوا من أعماقهم جراء احتلال القوات الاسرائيلية لبيروت، فأنشأوا مدرسة أدبية سميت بـ “مدرسة بيروت” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي. وفي ظل ظروف الاحتلال العسكري الإسرائيلي كتب الشعراء في بيروت قصائد قيمة. تحدثوا في قصائدهم عن وحشية الحرب ودمار المدينة وجرح البشرية. وصف الشاعر سعدي يوسف في قصيدة له أزقة وشوارع بيروت. وصور أدونيس في قصيدته بعنوان “الصحراء” خراب المدينة وحالتها المتداعية بأسلوب أدبي للقراء. وقدم محمود درويش جمال الحياة برمزية البحر.

تسبب احتلال القوات الإسرائيلية لبيروت بهجرة بعض من المثقفين والكتاب والشعراء العرب الذين كانوا في المدينة ليعيشوا حياة المنفى في أوروبا وأمريكا وأماكن أخرى. وفيما بقي بعض المثقفين والكتاب في بيروت واضعين أمام أعينهم الاعتقال والسجن، اضطر بعضهم الآخر للذهاب إلى المنفى.

وكمعظم الكتاب الكرد، أقام بعض الكتاب العرب أيضاً في المنفى، الذي أصبح وطنهم الثاني، وقد تطور الأدب العربي بقوة أكثر مع الأعمال الإبداعية لكتاب المنفى (المهجر).

نزار قباني واحد من هؤلاء الشعراء الذين انتهى به المطاف في المنفى، وُلد عام 1923 من عائلة ثرية في سوريا، درس الحقوق في جامعة دمشق، وعمل كموظف في وزارة الخارجية، ومثل بلاده دبلوماسياً في العديد من البلدان. أول كتاب له نشر عام 1942 في الـ 19 من العمر، بعنوان “قالت لي السمراء”، واشتهر بهذا الكتاب. وقد بدأ منذ صغره
بأعمال أدبية إبداعية واستمر بذلك، وألف الكثير من الإبداعات الأخرى. وقد دخل في خلاف مع الحكومة السورية، ولذا استقال من وظيفته وذهب إلى بيروت وأقام فيها، وهناك فتح دار نشر وبدأ بالعمل فيه.

أصبح نزار قباني في العالم العربي شاعراً للمرأة والنضال، وعبر في قصائده عن إرادة الحب ومقاومة المظلومين وحرية المرأة. كان من الشعراء المحدثين، وكتب عن الحرية و الحب والخرائط المثيرة في قصائده بأسلوب أدبي.

هناك موضوعان رئيسيان في قصائد نزار قباني. أحدها هو العلاقة بين المرأة والرجل. فهو يثير بحماس موضوع الحب. والآخر هو الدفاع عن حقوق الإنسان، وانتقاد الوضع الاجتماعي والسياسي، فهو في هذا الموضوع يدافع عن إنسانية الروح والروح البشرية، ومقاومة الإنسانية ضد الظلم والقمع ، وحقوق وحريات المجتمع.

تم نشر أكثر من ثلاثين كتاباً للشاعر نزار قباني. كُتبه الستة المنشورة (المترجمة) باللغة التركية هي: قصائد نزار قباني، الشعر قنديل أخضر، يوميات امرأة لامبالية، كتاب الحب، مائة رسالة حب، قصائد مغضوب عليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*نشر المقال باللغة الكردية في مجلة “سوسياليست ميزوبوتياميا”، تشرين الأول 2005م، ص 31-33.

*تنويه: صدرت ترجمة كردية لديوان الشاعر نزار قباني “يوميات امرأة لامبالية” من قبل “شيروان يوسف” في 2012م، وطبع في دار رضوان للطباعة والنشر والتوزيع، حلب/ سوريا.

 

 

 

Hits: 20