شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الواقعية التسجيلية في الفن التشكيلي ـ محمد غناش

80

 

 

 

 

 

 

تعددت المدارس والرؤى في الفن التشكيلي، وهذه المدارس أخذت تشدنا لما تحتويه من موضوعات عديدة تهم المشاهد والمتلقي بشكل خاص. وكان للفنانين الأوروبيين الباع الطويل في تحليل وفهم تلك المدارس، فقد اتجهت مجموعة من الفنانين إلى تناول تلك المدارس حسب رؤيتهم والمجتمع الذي يعيشون فيه. وقد رسموا لوحاتهم بأسلوب يتناسب والبيئة الفنية في المجتمع، وكان بعضهم يصور لوحاته بأسلوبه الواقعي متلازماً مع الواقع المعاش.

وجاءت فكرة المدرسة الواقعية كإحدى المدارس في الفن التشكيلي، وقد قام أصحاب هذه المدرسة بمعالجة الواقع برسم أشكال الواقع كما هي، مسلطين الضوء على جوانب هامة لإيصالها إلى الجمهور بأسلوب يسجل الواقع بدقائق دون غرابة أو نفور، وقد ركزت هذه المدرسة على الجانب الموضوعي، فالفنان الواقعي يصور الحياة اليومية بصدق وأمانة دون أن يضاف إليها من ذاته في الموضوع، ويقوم بنقل الواقع كما هو، ويعالج مشاكل المجتمع من خلال حياة الناس الواقعية.

إن تسارع التقدم العلمي والمعرفي ونمو وسائل الاتصال وتنوعها من حيث تنوع دورات الحياة ومضاعفة المعارف، يدفع بالإنسان إلى مجاراة عصره ومتابعة الأحداث والتقدم في تحسين الأوضاع المعيشية والبيئية وهذا بدوره يخلق التنافس للوصول نحو الأفضل.

إن علاقة الإنسان بالبيئة تخلق عنده الاستمرار في البحث عن حلول المشكلات التي قد تعترضه في حياته، هذه الحلول لا تجد لها القسط الكبير من الجدة، ولا تتفق دائماً مع ما هو مألوف حاله لدى الآخرين.

لقد أطلق على الإبداع في بعض كتب علم النفس صفة الذكاء المباعد أو المخالف تمييزاً له عن الذكاء المقارب الذي يلجأ إليه الإنسان عند مواجهته لمشكلات ذات حلول معروفة. حيث قال (آينشتاين): إن لعبة المزج بين عناصر متباعدة والوصول إلى صيغة جديدة هي الخاصية الأساسية للتفكير الابتكاري.

إن الإبداع ليس وقفاً على مجال واحد من مجالات السلوك والتفكير، ووصفه على أنه مجرد مهارات عقلية هو وصف حر، لأنه بالإضافة إلى ذلك يتجلى في عامة التفكير عند الشخص المبدع.

إن الإبداع الفني هو ومضة يجب عدم الوقوف في طريقها، وكل الفنانين الكبار أمثال (بيكاسو، براك، دالي، لوكور، انجلو، دافنشي) كانوا في البداية غير بارعين وخشوا أن يسيئوا القيام بعملهم ولم يجرؤوا على إطلاق العنان لمخيلتهم.

هذا ويلجأ الباحثون لتفسير الإبداع على أنه نتيجة دافع أساسي لدى الشخص، هو الدافع لتحقيق الذات، وللإبداع علاقة بالسمات الفردية للشخص، منها ما يتعلق بالصحة النفسية، فالإبداع يحتاج من صاحبه بذل الجهد والقدرة على مواصلة الابتكار في ظروف التفجر المعرفي والتقني. إن الفن ما هو إلا قدرة منتجة يوجهها العقل الصحيح.

ظهرت في القرن التاسع عشر نظرية الفن للفن (الفن غاية بحد ذاته) وهذه نظرية فريدة طبيعية مرتبطة باللوحة، وكأن الفنان ليس من المجتمع وليس له علاقة بالمحيط الذي حوله، أي أنه يعيش في برج عاجي ويعبر عن نفسه فقط. وقد هوجم هذا الرأي من قبل الاشتراكيين الذين رأوا بأن الجمال والفن لا ينشأ في معزل عن الحياة وأن من أهم مميزاته شعبيته وعموميته، وإن محاولات عزل مفاهيم الجمال عن جماهير المجتمع هي طابع مميز بالفكر الجمالي المتعالي والرجعي.

وفي الفن التشكيلي نجد لوحات لفنانين من عصر النهضة جسدوا من خلالها الواقع أكثر من الواقع، فالجمال عندهم مثالي، والنماذج كثيرة عن ذلك ومنها لوحات الفنان الإيطالي (رفائيل سانزيو).

يقول إتيني سوريو: إن الفن ليس سوى نشاط بنائي. يبدو أن الفن هو تحويل الواقع بواسطة صور من نوع خاص أوجدها الفنان. ولا يهم إن قلنا أن الفن هو تحويل أو عملية رمز أو هروب من الواقع أو تسامٍ عليه، بل المهم أنه انتقال من حقيقة شائعة وحدث واقعي إلى عالم يفوق الواقع ويتجاوزه، يتصف بالجمالية، ويحاول التحقق في وجود مستقل بذاته.

ولهذا فالفن يوازي الواقع ويحاكيه ولكنه ليس نقلاً حرفياً ولا صورة فوتوغرافية خالصة له. والفن الأصيل هو ذلك الذي يتحرر من القيود الأكاديمية والاجتماعية والمادية والاقتصادية والموروثات الثقافية، ويبحث عن نفسه بأسلوب خاص به.

ويعتمد عالم الجمال الفرنسي (شارل لالو) على المدلول الفني حسب الموضوع وحسب الإنسان الفنان الذي يمارسه ومعنوياته السيكولوجية وأثر ذلك على فنه وعطائه.

وهذا يدلنا على أن الفنان يقوم بنقل الواقع كما هو، ويعالج مشاكل المجتمع من خلال حياتهم الواقعية. وأن الواقعية هي خاصية الفنان في مشاعره من خلال ما يشاهده في الواقع. وهذه المدرسة هي مدرسة الشعب أي تحاكي عامة الناس بمستوياتهم جميعاً.

وقد ظهر فنانون كثر في أوروبا أمثال الفرنسي (فرديناند دولاكروا) وكذلك الفرنسي (غوستاف كوربيه) الذي تزعم الحركة الواقعية في الفن الفرنسي بالقرن التاسع عشر لتحل الحركة الواقعية محل الحركة الرومانسية، فكان واقعياً وملتزماً بتصويره الموضوعي واستخدم أسلوباً واضحاً دقيق الصياغة. ومواضيعه في واقع الحياة اليومية حيث يعالج مشكلات الشعب، ويضع لها الحلول المناسبة، وفنه متلاصقاً مع الجماهير ومعيراً عن همومهم.

والواقعية هي الطريق الوحيد للخلاص من العبودية والاضطهاد، وقد ظهر في سوريا مجموعة كبيرة من الفنانين الواقعيين، وتميزت أعمالهم بنقل الواقع كما هو، والإحساس الصادق بحياة الناس منهم: (نصر شورى، محمود حماد، محمود جلال، عبد المنان شما، عمر حمدي، ميلاد الشايب، أنور الرحبي، نعيم شلش، إسماعيل حسني، غازي الخالدي، توفيق طارق، زهير حسيب، محمد أمين عبدو، بشير الأنصاري).

فقد صور الفنان نصير شورى الطبيعة من خلال الحياة الإنسانية فيها من خلال العادات والتقاليد الموجودة، وقد رسمها بأسلوب واقعي ممزوجاً بألوان زاهية وجميلة.

كما صور لنا الفنان محمود حماد الواقع مسجلاً من خلاله الحروفية ضمن اللوحة جاعلاً إياها تتكلم وتتصافح مع الحياة اليومية لريف دمشق، موثقاً الواقع كما هو دون تزييف أو إدخال أياً من المكونات الغريبة في اللوحة.

وكان للفنان محمود جلال الباع الطويل في نقل الواقع كما هو، وكذلك الحالات اليومية لريف سوريا المعطاء.

والفنان إسماعيل حسني رسم الواقع بكل صدق وأمانة مستلهماً أعماله من الطبيعة الخلابة من الذات والحياة الريفية للمنطقة، مصوراً الحياة اليومية لأهلنا من عادات وتقاليد توارثوها ولوحاته تجسد الواقع بأسلوب تسجيلي ورصين لتلك العادات والموروثات في المنطقة.

أما الفنان عبد المنان شما فقد رسم طبيعة حمص الجميلة وريفها آخذاً الواقع كما هو دون ترك الأشياء الجميلة لواقع حمص وأهلها وعاداتهم وأزيائهم بألوانها الجميلة.

ورسم الفنان ميلاد الشايب بلوحاته ريف دمشق بألوانها الساحرة من طبيعة جميلة وعادات وتقاليد بعمق التراث والتقاليد الموجودة في الواقع كما هو.

واختار الفنان محمد أمين عبدو المواضيع من صلب البيئة، ويمتاز لوحاته بالدقة المتناهية في التفاصيل والوضعيات المناسبة لكل حالة والتي تؤكد المقدرة الفنية العالية للفنان والموهبة الحقيقية.

والفنان زهير حسيب حالة فنية تشكيلية سورية متفردة مشغوقة بالموروث الشعبي وجماليات المكان ووهج العادات والتقاليد التي تعج بها ذاكرة الشمال السوري الحافلة بمشاهد بصرية رائعة.

أما الفنان بشير الأنصاري فهو يختار أعماله من الواقع محافظاً قدر الإمكان على واقعية الشكل واللون، مستغرقاً في التفاصيل الصغيرة، حين يجدها ضرورية لإظهار فكرة لوحته ومختزلاً الشكل إلى أبسط ما يستطيع حين يكون الاختزال لصالح اللوحة دون تعد على موضوعها وفكرتها وبنائها.

ونذكر هنا الفنان السوري الكبير المرحوم عمر حمدي الذي لجأ إلى إدخال شكل على آخر رئيسي أو على أشكال أخرى أو العكس بتركيز واضح على الوجه عامة والنسائي فيه خاصة، وأوجد صيغة خاصة به تتمثل في تقارب بين الأشكال وتوفر لحمتها.

أما الألوان – واجهة أعماله- فجاءت بصراحتها وسرد زخارفها، بحيث تحدث حركة ما داخل الصمت المؤقت للتكوين.

لم يستطع الفنان مغادرة التوثيق بالصورة لمرحلة تسكنه وتعيش معه، وتكشف إحدى اهتماماته أن تأمل الأعمال بمعزل عن مكرور التجارب السورية والتشابه في المكون العام للشكل، وبغياب أي مدرسة تشكيلية جديدة تضاف إلى مدارس الغرب التي منها أخذنا.

نجد أن الفنان مستوعب لخصوصية ينتمي إليها، تحكمها عوامل متعددة، وتنفرد بها، وهو يدرك أن العمل الفني لا يقف عند المشاهد، والمألوف، وأن المفردات التي يستخدمها في اعماله لا تشكل وحيدة الحامل الإبداعي على الرغم من أنها لا تخلو من صيغ جمالية تدلل على وجودها ووظيفتها..

وأخيراً نقول بأن هناك مجموعة كبيرة من فنانينا الواقعيين في سوريا نقلت لوحاتهم كل مشاعر الواقع والطبيعة. لوحات جسدت رؤيتهم لهذا الواقع والموروث الذي تواجدوا فيه.. أنهم بحق يستحقون كل تحية وتقدير.

Hits: 14