شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

لعنة الفقد ـ أحمد اليوسف

41

 

 

 

 

“لقد جرّعتني الحياة المرَّ وأنا في زهرة عمري، أعطتني الحب كله، فأخذتهُ الحرب مني”

 

هكذا بدأت إيمان ذاتُ الثلاثة والعشرين ربيعاً كلامها والغصةُ تخنقُ صوتها.

إنها ككل فتاةٍ في هذا العالم حلمت كثيراً بالحياة السعيدة في كنف الحب؛ وشاءت الأقدار أن يأتي فارس أحلامها  مصطفى وفي عينيه كل الحب الذي كانت تنتظرهُ لسنوات.

عاشت معه تحتَ سقفِ الزوجيّةِ مع حبهما الذي تكللَ بثلاثة أطفالٍ كانوا هم ثمرةَ هذا الحب.

ومرّت الأيامُ وكان هذا الحب يكبرُ شيئاً فشيئاً، إلّا أنّ سفينةَ الحياةِ لا تجري بما يشتهي القلب؛ لقد بدأتْ الحرب التي هدمت أحلام الكثيرين، وظهرت المنظمات الإرهابية التي تغرر بالشباب باسم الدين والثورة، وهنا كانت رفقة السوء لزوجها المحب سبباً في أن تأخذه هذه العاصفة لينظم لصفوف الظلاميين تحت مسمى الجهاد، وهنا بدأ السواد يغطي حياة إيمان شيئاً فشيئاً، لقد توسلت إليه أن لا يفعل وأن لا يتركها هي وأطفالها لأيِّ سببٍ كان، توسلت وبكت وذكّرته بالحب الذي يجمعهما ولكن لم تنفع توسلاتها شيئاً، فقد أعماهُ  رفقة السوء عن رؤية الحقيقة وعن ظلامية هذا الطريق.

تركها ومضى إلى سبيلهِ غيرَ آبهٍ بما سيحلُّ بها وبأطفاله الثلاثة.

دائماً ما تضعك الحياة أمام اختبارات على صدق حبك، يا تُرى هل كان حبُّ مصطفى صادقاً؟

ما الذي جعله يذهب هكذا بسهولة تاركاً خلفهُ إيمان التي أحبته بكلِّ ما للكلمة من معنى.

لقد مرّت سنة، سنتان وما زال غائباً وما زالت تنتظرهُ وتخشى من الخبر السيئ الذي قد يأتي في أي لحظة؛  بعد حين علمت أنه أصيب برصاصة،  لكنها ليست كالرصاصة التي استقرّت في قلبها وها هي تقتل أحلامها،  فقد وعيهُ و قد بدأ أملها يتلاشى، ولكن بقيت شعرةٌ منه، لقد كانت تنتظر علّه يفتح عينيه، أو علّ القدر يأتي بمعجزةٍ تعيدهُ إليها، خرجت لبعض شأنها، وحين عادت لم تجده في سريرهِ، ظنّت أنه استفاق من غيبوبتهِ، لوهلةٍ يأخذك الأمل إلى أماكن بعيدة أبعد بكثير عن الواقع، خفق قلبها بشدّة ، هل استفاقَ حقاً؟

فاجأها الطبيب بالخبر المفجع؛ لقد مات، نعم لقد مات، وماتت معه آخر شعرةِ أملٍ كانت تتعلق فيها، ماتت الابتسامات والأحلام والحب، مات شريكُ حياتها الذي أخذه الظلاميون من شرايين قلبها، ولكن كيفَ سيموت الحب الذي أخذ مجامع قلبها؟

آه الحب، والأطفال اليتامى، والحرب والشتات، كيف لها أن تواجه كلّ هذا بسنواتها الغضّة وعودها الطري وقلبها العاشق؟!!

لم تدرِ ما تصنع وأين تذهب وأي ريحٍ سوداء ستأخذها، هي تعلم جيداً أنها ستتخبط كثيراً بين أهل زوجها الذين أخذوا أطفالها منها لاحقاً وبين أخوها وزوجته القاسية، نعم وقد حدث ما كانت تتوقعهُ، فبعد عدة شهور أخذ أهل زوجها أولادها غير آبهين بدموعها الحارقة التي كانت تنزف من قلبِ أمٍّ فقدت حبها والآن تفقد فلذات كبدها، كيف ستحيا دونهم؟

وكيف ستمرُّ أيامهم بلا حنانها وحبها اللذان سيُحرمان منهما ؛ والله وحدهُ يعلمُ إلى متى.؟!!

قضت نهارها كاملاً والدموع تملأ عينيها، وخاصةً على طفلها الأصغر الذي لم يتجاوز عمره العام، كيف ستتركه هكذا وتمشي؟

حين أقبل الليل أخذتْ طفلها الأصغر وهربت به، ما هذا الزمن الذي تُضطرُ أن تسرق فيه ابنك من الآخرين؟

وأيُّ وجعٍ هذا الذي حلَّ بإيمان؟

تركت بناتها الاثنتين، واستطاعت أن تصطحب ابنها وعادت إلى أهلها مع صعوبة الوصول لهم بسبب الحرب الدائرة ومستغلي الأزمات الذين ينتظرون فريسة لينقضوا عليها، استغرق وصولها إلى أهلها عدّة أيام بعد أن وصل إليها شقيقها إسماعيل الذي اصطحبها معهُ إلى بيته الذي يقطنُ فيه مع زوجته زينب وأولادهِ، لقد بدأت تضايقها زوجة أخيها القاسية التي لم ترأف بحالها الذي وصلت إليهِ وفقدانها الأليم.

إيمان مثّلت صورة الوجع كاملة، ها هو أخيها الذي بقي لها بعد أنْ تم سجن والدها من قبل قوات النظام، تصعقهُ الكهرباء ويموت أمام عينيها هو الآخر ليتركها لضياعٍ آخر.

بدأت زوجة أخيها تضيّقُ عليها الخناق واصفةً إيّاها بوجه النحس، محمّلةً إيّاها ذنباً ليس ذنبها قائلةً لها:

أنت سبب موت اسماعيل، مرّ خمسون يوماً وهي تتحمل لسان زينب السليط، والتي لم تكتفِ بسلاطة اللسان، بل وحرّضت أطفالها ليضربوا طفل إيمان باستمرار!!

حقاً أيكون الإنسان عوناً للكروب على أخيه الإنسان، أيُّ قلوبٍ قست فلم يعد الشعور يتخللها.

قررت أن تغادر بعد هذا الظلم الحاصل من كل الأطراف إلى المخيم الواقع جنوبي مدينة منبج علّها تجد الخلاص هناك، وتنجو من وطأة لسان زينب.

كان المخيم، وكما كل المخيمات وبرغم الخدمات الكثيرة التي تُقدّم فيه، بارداً في الشتاء ولكنّ  لسعَ برده ليس أكثر تأثيراً من لسان زينب ونظراتها الحاقدة، وحارّاً في الصيف وليس أشدّ حرارة من قلب إيمان الذي احترق عدّة مرات، قدم لها الرفاق في المخيم خيمة تأويها هي وطفلها الصغير، وهنا عاد والدها ليقيم معها.

مرّت عدة أيام ومازالت إيمان تعتاد على حياة الخيمة وتؤسس لنفسها حياة جديدة لا بدّ أن تتأقلم معها مهما تحمل من صعوبات.

كان هناك شاب أعزب يراقبها باستمرار وقد ظهر في نظراته الإعجاب بها، فإيمان على قدرٍ من الجمال، ناهيك عن الرّقة التي تظهر في ملامحها المتعبة، وهي ذات عينين تسمع لهما صوتاً مبحوحاً لأنهما تتكلمان قبل أن ينطق لسانها، أضاف لها هذا الحزن جمالاً على جمالها وهي رغم كل ما حدث ما زالت شابّة، وأراد والدها أن يطمئن عليها بعد أن تقدم هذا الشاب لخطبتها منه، وهي أرادت أيضاً أن يكون سنداً لها، فالحياة في هكذا ظروف ستظل دائماً صعبة، وستظل تجابه التحديات بين الحين والآخر، وافقت على طلب الزواج بعد أن أبدى ذلك الشاب الحبّ لها واعداً إيّاها بأن يحميها ويقف معها ويحبها دائماً، وهي أخذت منه وعداً بأنه لن يجعلها تترك طفلها الباقي لها من الماضي؛ وقد وعدها بذلك.

مرّت السنة الأولى من هذا الزواج، وبرغم الخوف الذي يأكل قلبها فقد كانت تتساءل دائماً كيف ستنجب طفلاً آخرَ وربما ستفقدهُ يوماً ما هو الآخر.

انجبت ايمان طفلاً آخر من زوجها الجديد، ولم يلبث هذا الزوج إلّا أن بدأ يتضييق الخناق عليها من أجل طفلها ابن مصطفى فلم يعد يريدهُ أن يبقى عندها، وخيّرها بين الطرد والطلاق وبين أن تترك طفلها ابن مصطفى وتعيدهُ إلى أهله؛ ياللوجع، كيف لها أن تختار؟

 

هل كل ما يجري معها فقط لأنها امرأة؟

أين الإنصاف وأين أصبحت الضمائر؟

قلبها الذي كان موزّعاً بين ابنها الذي يقيم معها وبين بناتها البعيدات عنها، كيف له أن يحتمل فقداً آخر؟!!!

لقد انفصلت للمرّة الثالثة عن فلذة كبدها وها هي وقد اصطحبها زوجها الجديد إلى المعبر لتفقدَ هناك قطعة أخرى منها، وآخر ما تملكه من رائحة حبها الأول، والدها لم يكن هنا، فقد ذهب إلى “مسكنة” ليحضر بعض أغراضهم التي بقيت لهم هناك، لكنهُ هو الآخر لم يعد.

ما زالت تعيش الآن مع زوجها الجديد، ومع ذكرياتها المؤلمة، ولكنّها أسست علاقة حب مع مدينة منبج، فقد أحبتها كثيراً ووجدت فيها ملاذاً لروحها المتعبة.

Hits: 10