شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

النجاة من الخوف ـ جمعة الحيدر

80

 

 

 

 

 

 

كانت صفية في الرابعة عشرة حين زفها والدها إلى الشيخ أحمد، وكان في الأربعين، وله أولاد من زوج متوفاة، وكان الأب يعتقد من خلال معرفته بالرجل، أنّ له ديناً يعصمه من ظلم العروس الصغيرة، وإساءة معاملتها.

كانت قمحيّة طويلة ملفوفة، ذات أصابع يقال انّ الفنانين عادة يمتازون بها، وكانت فعلاً تتقن فنوناً من التطريز وتنتج يداها قطعاً رقيقةً جميلةً تعبر عن حس مرهف وشعور دقيق يفسران ميلها إلى العزلة والتصاقها بأمّها وبيت أبيها الذي تعيش فيه حياة ناعمة رخيّة.

وبدت لها الحياة الزوجيّة عبئاً ثقيلاً، مع رجل طويل عريض، تتنوع مطالبه حتى تتجاوز فهمها وإدراكها، ثم إنّه يغضب لأي سبب لابد أن ْيضربها، بيده أو بأي شيء في يده.

لِمَ لا تبقى الفتاة بين أهلها؟ ما الذي ينقصها ليكمله هذا الرجل؟ وما الذي ينقصه – وقد أنجب- ليكمله بها؟ ولم لا ينتظر قليلاً، يعطيها الفرصة لتنفذ مطالبه وتلبي رغباته قبل أن يضربها؟

تشكو لأمّها التي كان الزواج ضد رغباتها، وتبكيان معاً، وكانت الأم طيبة صالحة تراقب الله، فإذا نقلت الشكوى للأب، ألح عليها أن تنصح البنت وتهدّئها، ثم لمّح للشيخ حامد بكل ما يستطيع من لطف، إلى فضل الإحسان للنساء والصبر عليهنّ.

مرت شهور على الزواج، ولم تحمل صفية رغم اكتمال أنوثتها ومتانة تكوينها، فإذا استفسرت أمّها وجدتها غير مبالية، بل قد تجيب عنده أولاد.

لكن آثار البكاء بدأت تؤثر على عينيها ووجنتيها، وبان في مشيتها الملل والعزوف عن الحياة جميعاً.

وقد اكتسبت من التصاقها بأمّها مهارة في الطبخ، ربما فاقت سنها، فكان يطلب إليها أصنافاً معقدة تحتاج إلى وقت وعون، وتأخرت المائدة يوماً لهذا السبب، فكان نصيبها ضرباً فاق ما عهدت منه، شعرت بالغضب يسيطر عليها لأول مرة، فهي لم تعرف الغضب، عرفت الألم، الحزن، الخوف، الخوف هو أكثر ما عهدت من نفسها، لاحظت فجأة أن بإمكانها أن تتحرر من هذا كله طالما أنّ الكلام لا سبيل إليه.

لما عاد إلى متجره بعد الغداء، غادرت البيت على عجل واضطراب، سيحاول أبوها إعادتها إلى هذا البيت كما حدث من قبل، لكنّها لن تعود أبداً ويجب أن تجد حلاً.

كان بيت أبيها في ضاحية بعيدة، وبالقرب منه مقبرة لا سور لها، قبيل مغيب الشمس، كان أبو عبد الكريم ماراً عبر تلك المقبرة يختصر طريقه، كانت الدنيا تودع الصيف، الجو لطيف، لكن النباتات حول القبور بدت بعيدة عهد بسقيا، الغيوم هادئة شفافة، ولولا اعتياد أبي عبد الكريم اجتياز هذا المكان لأصابته رعدة، حقاً لما فيه من رهبة ينشرها سكوت الموت، لكنّه اليوم تعتريه رعدة، يجف ريقه، ويتوقف كتمثال وقد تقدمت قدمه اليمنى وتأخرت اليسرى، أمعن النظر في هذا السواد المتحرك في محاولة اختفاء منه، وحين نجح في لملمة أفكاره وترتيبها تبين أنّه شبح امرأة، بل، بعد اقترابه أكثر إذا هي صبية صغيرة لم تفلح الملاءة السوداء في اخفاء سنها وحيرتها وخوفها، واقترب أكثر ليسمع النشيج المكتوم الذي قطع نياط قلبه.

أرخى نظره إلى الأرض، حوقل واسترجع مراراً، يا لله…!  من أنتِ يا ابنتي؟ وما الأمر؟ وكيف تمكثين هنا في هذا الوقت؟

كان الخوف قد بلغ بصفية مبلغه، فأعلنت دون تردد عن اسمها واسم أبيها، وازداد الرجل تعجباً، فالأب في هذا الحي أشهر من أن يُعَرّف، صلاحاً واستقامة وتحرياً للحسنى.

اتبعيني يا ابنتي، أجابت بالصوت الباكي المرتجف: لا أريد أن أعود إلى بيتي، وكان الرجل على إلمام بفكرة عما يجري لهذه الفتاة عن طريق النساء، فوعد صفية خيراً.

كان الأسى في قلب الأب كبيراً إلى أين وصلت الأمور بابنته التي اجتهد في تربيتها على الخلق والخوف من الله ومراعاة حقوق زوجها عليها، كان سهمه الخيّر، وهو يرى طفولة تصرفاتها، أن ينصحها بأنّها ستخسر كل شيء حتى ملابسها الجميلة التي تركتها في بيته، ضحكت من خلال دموعها حتى كادت تستلقي على ظهرها، ماذا تساوي ثيابي أمام نجاتي من حياة الخوف؟.

Hits: 9