شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

بائعو الأوهام ..! ـ سلوى حمو شرو

80

 

 

 

 

 

 

 

كانت ساعة متأخرة من الليل، نظر إلى الشوارع تكاد تكون فارغة من الأشخاص. إنّ الظلمة تفرش نفسها على كل مكان وكأنّها تحاول أن تخفي شيئاً أو أشياء.

يومٌ طويلٌ قضاه في عمله وهو يراجع مجريات عمله اليوم في ذاكرته، أكان عملي دقيقاً أم لا…؟

كان يشعر بالرّضى من دقة عمله، فهو مثال للموظف المتفاني بعمله، وتلك الساعات الطويلة التي قضاها في تدقيق الجمل والعبارات والتركيز على حروف الكتابة رغم تعبه كانت تشعره بالسرور.

مع خطواته المتثاقلة أتت أمام عينيه تلك الأحلام التي كان يرسم بها حياته محرّراً صحفياً مشهوراً … يبحث عن الحقائق، عن المعلومات ليصل للحقيقة … وللأسف ما حصل عليه بعد كلّ هذا التحليق بالأحلام … وظيفة مدّقق لغوي في صحيفة من صحف مدينته تسمى “الإخلاص”. كانت النصوص لا تنتهي والعبارات والمقالات تتوالى عليه تباعاً ليدققها لغوياً. كان وفيّاً لعمله .. مخلصاً لشروط وقوانين العمل … راضخاً لها دون أي اعتراض على مضمون هذه المقالات.

لكنّ ما هي تلك الفجوة … تلك الحفرة العميقة داخله؟؟ تلك البقعة السوداء التي تسحبه إليها كل فترة، زارعة فوق عينيه السوداوين حزناً لا يعلم ما سببه .. ضياعاً لا يفسّر.

تدارك خطواته. توقف ثوانٍ ينظر إلى الشوارع أمامه، أتراه قد أضلّ الطريق، لكنّه يعلم ملامح هذه المدينة اللعينة جيداً، يعلم شوارعها، جوامعها، محلاتها … يعلم حتى تلك القطط المتجمعة حول حاويات القمامة … التي تنظر بازدراء لأولئك المشردين الذين يقاسمونهم فتات الطعام … تباً لمدينة تستقبل أطفالها بين الحاويات..

أكمل ذلك الطريق الذي بدأ نورٌ خافتٌ يلوح منه، ومع سكون الليل بدأت نبرات وأصوات وهمسات تتعالى .. غريبٌ..! أهذا احتفالٌ..!؟ أم عرسٌ شعبيٌّ يجري في إحدى الشوارع؟؟

سحرته الأصوات وكأنها تشدّه ليكتشفها… هو حبّ الفضول .. معرفة المجهول .. هذا ما جبل عليه الناس..

أو هي من سمات هذا العصر … لا يوجد ما يجذب الفكر سوى الكلام والأخبار وعن ماذا حصل؟ وماذا يحصل؟ وماذا سيحصل؟

حثّ الخطا مع ارتفاع ضربات قلبه، فمسح عن جبينه حبّات عرقٍ لا يعلم كيف وصلت إليه رغم نسمات الخريف الهادئة.

كان شارعاً طويلاً … أتراه لم يعلم به من قبل أو تمّ بناءه بين ليلة وضحاها … فيه الكثير من المحلات كانت مبنية على أحدث التقنيات الحديثة، بعيدة عن أسلوب هذه المدينة التعيسة … ملوّنة خلابة تجذبك كلّ محلّ منه لاكتشافه.

بدأ يتأنّ ليفهم ما يحدث … وأين هو ..!

توقّف عند واجهة أوّل محلّ، نظر لداخله لم يجد شيئاً، ما شدّه هو اللا شيء … كان يقف شابٌ في بداية العقد الثاني من عمره في المحلّ، مازالت ملامح الطفولة مخالطة مع ملامح الشباب في تقاسيم وجهه وعينيه.

تقدم ذلك الشاب نحوه وقال له:

ـ أتريد بعض المعلومات..؟ أأستطيع مساعدتك؟ هل تريد شراء حزمة من الوعود…!؟ أو ربما ترغب بعباراتٍ عن جسور المستقبل الواعي المثقف..؟

ـ هل تريد شراء آمالاً بالثقافة..؟

ـ وإذا أردت .. تستطيع أن تأخذ بالدين من عندنا مجموعة جديدة من العبارات العلمية الخالية من الحشو والقوالب للأفكار، وما عليك سوى أنْ تترك وعيك وذكاءك رهينة عندنا حتى تدفع ثمن هذه الجمل.

أتراه يحلم … أو هو في مهرجان تنكري … لم يفهم عن ماذا يتحدث ذلك الشاب..

أكمل طريقه، وفي وسط الشارع كان هناك محلاً مزدحماً تتعالى فيه الأصوات وكأنه عرض لآخر قطعة والكلّ يريد الحصول عليها. كان البائع ذو هيبة مرموقة وكأنه مسؤول في إحدى المؤسسات التي يسمع منها…

كان يقول بثقة: من يريد حرية؟ … عندنا ألفاظٌ عن الأمل وعبارات عن بناء مجتمع متساوٍ.. نحن لا نغشّ زبائننا .. سنمنحكم العدالة والمساواة … لا نستعمل عندنا جملاً مبطّنة .. عندنا مقالات ومقالات عن حقوق الإنسان والطفل .. من يرغب بالشراء..؟ ولن يكون الدفع نقداً … تستطيع أنْ تدفع بالتقسيط من عمرك .. ودمك .. ومستقبل أولادك..

أتراني جننت؟! خاطب نفسه بنبرة من الخوف، أم كان السبب ذلك العشاء الفاسد الذي تناوله في مكان عمله..؟

ولكنْ لماذا بدأ يشعر بذلك الفراغ يشدّه أكثر؟!

لماذا كانت الفجوة تكبر وتكبر في داخله؟!

أراد الخروج بسرعة من هذا المكان لعلّه يعود إلى فراشه لينام…

وهل هناك ما هو أجمل من النوم في هذه المدينة!؟

ولكنْ ما استوقفه فتاة في إحدى المحلات لم تكنْ بذاك الجمال، لكنها بنظراتها وأسلوب ثيابها الرصين الذي يوحي لك أنّها فتاة ذات ثقافة ورقي.

خاطبته بصوتها الناعم: لن تخرج قبل أنْ تشتري… أنا واثقة… فبضاعتنا ما تريد … وهذا ما ألمحه في عينيك … لدينا وعودٌ بالصّدق … وعباراتٌ لمستقبلٍ سعيد…

ـ أتراك ترغب بعباراتٍ عن الوفاء أو الأمان! كلها متوفرة لدينا..

ـ سأريك بأنّها غير مغشوشة … فنحن متقنون لصناعة بضائعنا وستتأكد بأنها تلائمك .. سنمنحك حروفاً عن السعادة فوق شراء بعض ألفاظ الوثوق التام.. ولن نطلب منك مبلغاً ضخماً … فقط بعض ليالي السّهر والضياع… وبعضاً من الأرق … والانكسار …

ـ كان يهمّ بشراء تلك الألفاظ والتراكيب … أتراها صادقة!؟ نعم هي صادقة، فهذا ما يوحي به أسلوب كلامها الواثق.

همّ ليقول لها: أعطِ…

حتى أتت فتاة وهي تشتعل غضباً وتصرخ:

ـ أين الثقة؟! وأين عبارات الوفاء…!؟ وأين جمل الأمل والحب…؟! كلّها أصبحت هباءً مع أول ريحٍ قادمة… أهذا ما تبيعون..!؟

تركهما في جدالهما وأسرع الخُطا لامحاً بعض المحلات التي ما زالت تفتتح، راكضاً لا يعلم إلى أين ..؟؟ ولكنّه أراد أن يعود لمكانٍ لنفسه…

لبيته…

لوطنه…

للإنسانية…!

لم يعلم… تذكّر وقتها بأنّ هناك عملٌ في تدقيق بعض المقالات التي لم ينتهي منه في العمل .. ولكنّه قرّر المضي إلى منزله..

Hits: 11