شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

نيرفانا ـ مرام عبد الغني

190

 

 

غريبة تلك الدنى، تحمل أحلامنا إلى آفاق لا حدود لها، وتعود إلينا محملة بالنعوش، لا أعلم إن كانت تلك أحلام التفاني! أم أن ذاك هو عصف المستحيل؟ نظرت غادة إلى السماء؛ متأملة حياتها المستقبلية، التي ارتسمت أمامها عبر السحاب، وفي خيالها الجامح، وأخذت تسير بين الأشجار الخضراء، والزهور الملونة، تبتسم تارة، وتحزن أخرى، وكأنها في حالة هيام لأحلامها، فتحدق كثيراً في السماء، حتى أنها نسيت النظر لوقع خطاها، فتبعثرت أقدامها، وسقطت في حفرة كبيرة مغشياً عليها، فبدأ الطقس بالتغير وبدأ الليل يخيم على الحديقة التي سارت غادة إليها؛ لتستقل بنفسها، ولتتأمل الكون، ومن عليه، وحينما أصبح الليل حالكاً زادت الأصوات المخيفة من حولها. فاستيقظت على هند البومة،  ومن شدة خوفها تحركت  بسرعة إلى عمق الحفرة، فوجدت نفسها أمام باب كبير جداً، فدخلته على عجالة، وأغلقت الباب، وحين بدأت تتجول فيه، لتعرف أين هي؟ وجدت أن كل ما حولها، يذكرها بشيء قد رأته مسبقاً، لكنها لا تذكر أين؟ فكان يمثل ملجأ لبيت كبير فوق الأرض، فبحثت كثيراً عن الباب، لتصعد إلى الطابق العلوي، وتستأذن بالخروج، فبحثت كثيراً، لكن بحثها كان عبثاً، ومحاولاتها باءت بالفشل ….

فاستطرقت إلى الخلف، تحاول فتح الباب الذي أغلقته لتخرج، لكنها لم تفلح، فأخذت تناجي لعل أحدهم يستمع لصوتها، ويهبط لمساعدتها، ولكنها لم تجد من يسمعها، فقررت أن تبحث في الغرفة عن شيء تأكله، وبدأت بالفور حتى وجدت بعضاً من المخللات، والبعض الآخر من المربى، فأخذت بتناولها حتى تستجمع قواها، وبعد أن تناولت ما يسد رمقها، أخذت تبحث عن مخرج، ووصلت إلى خزانة مرتفعة حاولت فتحها مراراً حتى استطاعت فتحها، ووجدت أن بداخلها أرقاماً فجربت رقماً تحبه، ففتحت لكنها ذهلت حينما فتحت فجوة من سقف الغرفة، ونزل سلماً حديدياً من الأعلى فصعدته، وبينما هي تصعد شعرت بنفسها ملكة تصعد لعرشها والموسيقى تترنم من حولها، واصطّفت على جوانب طريق الصعود مجموعة من التحف ترمقها بالنظر من كل ناحية، ومجموعة الأضواء المنيرة بالألوان المختلفة تظهر في طريقها، وتتركز عليها حتى صعدت إلى الطابق العلوي، وسمعت أحدهم يرحب بها أهلاً يا عزيزتي، لطالما انتظرنا وجودك في حياتنا لكنك تأخرتِ، فنظرت غادة متأملة ما يتفوه به لسانه، ولسانها عاجز عن الردّ، حتى قال لها: أنت ملكة البيت التي رتبت كل جزء منه بيدك، فنظرت له متعجبة! وقالت ماذا تقول يا هذا ؟ومن أنت؟

ابتسم في وجهها قائلاً: ألم تعرفيني بعد، فأنا الزمان الذي حلمت به، وأنا الطريق العاثر الذي تعثرت به، وأنا الملاذ الذي لطالما أردته، أنا من نهضت صباحاً تحلمين به، ومن نمت على صدى صوته بجانبك، أنا سندك في الحياة، وأنت الروح التي سكنت روحي، أنت حبيبتي وزوجتي، ألم تدركي ذلك بعد؟

ذرفت دموعها، فهي لم تتذكر شيئاً مما يقول، لكنها شعرت بنبض قلبها يندفع بقوة، حتى وصل عنان السماء، شعرت باضطراب المشاعر وبحقيقة ما يقول، فأخبرته: إن كنت كما تقول لماذا لا أتذكر ما تتحدث عنه؟ أخبرها: عزيزتي اعتدت في كل يوم تأمل السماء من هذه الشرفة، ولكن لطالما كان نظرك يقتادك نحو الحديقة، فشاءت الأقدار أن تذهبي إلى هناك في كل يوم لتتأملي جمال السماء، وجمال الربيع الخلاب، وشذى الأزهار.

حتى دار في ذهنك يوماً أن تجعلي حلقة وصل بين بيتك، وذاك المكان الذي لطالما أحببته، ففعلت ذلك من أجلك فجعلت الباب من ملجأنا إلى ذاك المكان، ووضعت سلماً لك في نهاية الطريق، مزداناً بما تحبين أن يكون، فصعدت إلى هناك قبل برهة من الزمان، وأنت هناك تعثرت أقدامك وانزلقت حتى ضرب رأسك بحجر، وفقدت ذاكرتك وكل ما تذكرينه، هو نفس المكان الذي حاولتُ مراراً منعك من الذهاب إليه، حتى تستردي عافيتك، فأزلت السلم لأنك أعدت الذهاب من الملجأ إلى الحديقة عبره، ولكنك اليوم خرجت من الباب، وعدت أدراجك من الملجأ، فهل عرفتِ الآن كيف استطعت فتح رقم الباب ومعرفة الطريق؟

فأجابته: نعم صحيح..

تعجبت لذلك كثيراً، لكنها شعرت بأنها ملكة لهذا البيت .

فردّ عليها زوجها: جيد يا زوجتي، هذا يعني أنك ستتذكرين كل شيء قريباً .

أجابته إن شاء الله، وتحركت صعوداً لغرفتها وهي تتذكر بعض التفاصيل، وتفكر فيها، إلى أن وصلت الغرفة وبينما هي تحدق في أرجاءها، جذبها صندوق خشبي طالته أنظارها، فأخذته وبدأت النظر إليه، وجدت بعض المجوهرات، وفي أسفلها ورقة، أغمضت عيونها، وفتحتها لقراءة الورقة فوجدت عبارة خطّتها أنامل أحدهم :

إن كنت ظننت أن الجميع رحل! وابتعد من حولك فتأكدي بأن الله معك، وتذكري أنني سأسندك ما دام الله معنا، وسأبقى معك ما دام في عمري يوماً، فابتسمت وعرفت أنه زوجها، وأدركت كم أنه يحبها، فاطمئن قلبها وهاجمها النعاس، ونامت قريرة العين مطمئنة .

وبدأ الظلام الحالك يشتد، وبدأت مراسم الخوف تشتعل في قلبها، وجوه كثيرة كل منها يحمل الكثير، وجوه رأتها سابقاً لكنها لا تذكر أين، والبعض الآخر يحيط بها بنظراته قائلاً: توقفي عن العبث الطويل، وكفي عن تلك الأحلام الواهية، فالواقع بعيد كل البعد عن رسم آمالك على صفحة من خيالك، وأخذ الصوت يُعيد نفسه كثيراً، حتى استيقظت وهي تصرخ لكنها وجدته إلى جانبها يُخفف من روعها، ويخبرها بأنها ستسترد عافيتها قريباً،  أو حينما يذهبون في الصباح الباكر إلى المكان ذاته، ويحاول مساعدتها في ردّ الذاكرة إليها، باسترجاع الذكريات وخصوصاً ما حدث في ذلك اليوم.

وفي صباح اليوم التالي استيقظت نشيطة كعادتها، وأسرعت بتحضير الإفطار، لكنها تفاجأت أنه سبقها بأميال، وقام بتجهيزه، فأفطرا وخرجا من باب الملجأ إلى الحديقة، وحينما نزلت عن الدرج شعرت بسعادة غامرة ملأت صدرها، وشعرت بصداع يكاد يفتك برأسها، صور كثيرة تميل على رأسها، وذكريات كثيرة تهبط على جمجمتها الصغيرة وتسبب ذاك الصداع اللعين، الذي تتضارب فيه الأفكار، ويحاول أحدها النصر على الآخر، وبدأت تتحرك مُجبرةً نفسها على الصمود مُكابرةً عليها، حتى وصلت إلى المكان المنتظر، فأخذ عقلها جمال الطبيعة الأخاذ، وبدأت تتغزل فيه .

وأسرعت خطاها حتى وصلت لوردة كانت في النصف الآخر من الحديقة فسرقها شذاها وقامت بقطفها وناولتها لزوجها، وتذكرت سرب من الذكريات التي مضت حين وخزتها الشوكة، وتذكرت كم المرات التي وخزتها تلك الشوكة في كل مرة تحاول أن تقطف وردة لتقدمها لمن هو نصفها الآخر، الذي لطالما بقي إلى جانبها، وزاد الصداع كثيراً في رأسها وأخذت تشعر بالدوار، حتى شعرت به قربها، وأخبرها ألا تقلق فكل شيء سيكون بخير بإذن الله.

فشعرت بالأمان، ونظرت للسماء، وخطّت أناملها بعض الأحلام، ورسمت من السحاب آمالها، حتى سقطت مغشياً عليها، فجُنّ جنون زوجها، وهو يحاول إيقاظها، وحينما أيقظها انهمرت عيناها بالبكاء، وأسرعت لاحتضانه، فهو أول من استردته ذاكرتها .

فعادا إلى البيت وهي تسرد عليه كل ما تتذكر وتقفز فرحاً بعودة ذاكرتها، وأسرعت خطاها للوصول إلى بيتها الذي تاهت عنه في السابق، والآن تُهرول لتعود إلى مملكتها .

وحينما وصلت أخبرت زوجها بحاجتها للوقوف أمام الشرفة للنظر إلى السماء، وبينما هي تنظر أخذت تتفوه ببضعة عبارات، “كنت أحلم كثيراً، وأرسم أحلامي، أينما شئت بأناملي، حلمت كثيراً ونسيت أن الواقع لو نظرتُ إليه بجديّة لكان أجمل مما تصورت، لكنه الطمع والجشع دائماً للأفضل، لم يجعلني أركز بجمال ما هو حولي، وأخذت التركيز للأعلى نحو الأماني والأحلام، دون السعي والتركيز بما أسعى له، حتى أني سقطت مغشياً علي بواقع لم أمتلكه يوماً، ولم يكن لي، ولربما رفضي جزء من الواقع أنساني قربك مني، وأنك روحي وعمري الذي لطالما كان إلى جانبي في كل لحظات حياتي حتى بفقداني ذاكرتي، فكنتُ أراك حلمًا وأنت واقعي”.

Hits: 19