شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

في عمق البحر ـ سامح ادور سعدالله

174

 

 

ذهبتُ أنا والأصدقاء في يوم الإجازة إلى البحر الذى يوجد جنوب شرق بلادنا، كان عملنا شاق جداً في الجبال، عملاً لمَ أعرف له معنى سوى البحث عن السراب أو كما يقول المثل (البحث عن إبرة في كومة قش) ولَم يكن لعملنا إيراد أو دخل ولا يَتبع العمل الميري أو حتى الخاص ولا تظنوا إني في فترة عقوبة بالسجن وعملنا إجباري، ربما يأتي يوم وتُكَلل فيه مجهوداتنا بالنجاحِ ونجد ما نبحث عنه في هذه البيئة الجميلة الساحرة القاسية الظالمة، كانت الإجازة يوم أو ثلاثة أيام طوال السنة وبينما نحن نهبط في دروب الجبال الوعرة كان الوقت فجراً حتى نستغل أكبر وقت ممكن. ظهرت بوادر البحر أمامنا والشمس الجديدة ها هي تولد في غياهب الأفق البعيد تعود بنا إلى معنى الحياة من جديد كان بداخلي اشتياق لأشاهد ما بعد هذا الكَم الهائل من المياه الزرقاء وهل بلادهم مثل بلادنا وأرضهم كهذه الأرض طبيعية خَضراء وسوداء ورمال وبشر كما نحن نعيش، لكي نتعايش معهم, بدَلاً من هذا الكوكب العتيق وهذا الجبل القاتم القاسي الموحشة لياليه لا يسمع فيه غير صوت دوي الريح الجبارة التي أظن أنها اقتلعت من جذورنا، وصلنا إلى شاطئ البحر وكانت الشمس قد علت فوق صفحة البحر واشتدت حرارتها وعندما ترتفع أمواج البحر وتتناثر قطراته كانت تجف عندما تلامس نار أشعتها الملتهبة وسألت الأصدقاء من يحب النُزول معي إلى البحر رفضوا جميعاً، خوفاً من غَدر البحر وارتفاع أمواجه وفضلوا الاستمتاع بالمياه الضحلة على شط البحر ولكن أنا خلعت كل ملابسي ولَم يبقى إلا ما يَستر عورتي, نزلتُ إلى شاطئ البحر وألقيتُ نفسي فيه وكأني ألقى همي كله في مياه البحر المالحة التي كانت تكوي كل جسدي من جروحي وندوبي التي انتشرت بقوة في جميع أرجاء جسدي, ربما ظهرت بفعل فاعل أو ظهرت مع الزمن الطويل الذي عشته في غربتي عند هذا الجبل الجميل العاتي القاسي الهالك، رغم كونه هو الملجأ والأمان. أظنه السحرُ والخلود، الأمل للغد قد يأتي قريباً. تركت نفسي وجسدي والأمواج تقذفني إلى الداخل لمَ أشعر حينها أين أنا لا أدري رفضت الاستسلام للتفكير. إلى أين تأخذني موجات البحر الغادر الذي أحببته كثيراً جداً كان هو ذلك الشـيء الذي عشقته بعد أحلامي، أخذتني الموجة المبتسمة ترفعني للأعلى شهدت طير السماء في العالي، ثم تدخل بي إلى عمقِ البحر شاهدتُ عروس البحر الفاتنة……كيف؟

عروس البحر كائن حقيقي ؟ لَكن كل ما أعرفه عنها أنها من أبطال حواديت ألف ليلة وليلة، أن كانت كذلك تكون بقرب الشاطئ تعيش؟ أم أنا دخلتُ إلى العمق وناديتها تعاليِ ضحكت وخجلت وعكس اتجاهي رحلت، سبحتُ وراءها اصطدمت بصخرة قوية ونظرتُ أستوضح تلك الصخرة أبداً لَم تكن صخرة كانت صَدفة كبيرة جداً، انفلقت عندما اصطدمت بها دخلتُ إليها ووقفت على سورها المتعرج وكانت لؤلؤة جميلة كبيرة أضخم مما تعودنا عليه حاولتُ أن أمسكها بالطبع فشلتُ تركتها ورحلت وها هو الكنز العظيم الذى كان يغنيني عن كل شيء بين يدي بدون منازع ؛ لا حيلة لي كيف أحملها؟ فضلتُ الاستمتاع بالعالم الجديد يا للخسارة؛ ها هو حوت ضخم قادم في اتجاهي لا مجال للهرب سوف يبتلعني. هنا لَم تطول الرحلة أكثر من ذلك كان الرحيل بلا عودة وأيضا بلا جسد لا لن يكون لي جسد يواريه التراب جسد يكرم ويدفن أبسط حقوقي وأحلامي كنت ما أفكر فيه بدون متاعب أو مسئولية وأُسلم إرادتي لله وأغمضتُ عيوني منتظراً قدومه وتمر الدقائق ولَم أشعر بشـيء، أفتح عيوني فلم أجد سوى الأسماك الصغيرة الملونة والسردين وغيرها تسبح هنا وهناك، الحوت هناك يأكل الطحالب والهائمات، أستغرب كيف لهذا الحوت أن يأكل من عشب البحرِ؟

تمالكت أعصابي خرجتُ إلى السطح أستنشق الهواء بعد فترة سباحة طويلة وغطس ولَم أجد شيئاً لا بر ولا شاطئ تاه نظري في طبيعة البحر ودورانه وعدم تحديد حدوده، عدتُ أركز من جديد أين أنا الآن؟ لعلي أرى شيئاً أرسو عليه كانت المياه بدون جزر ولا شواطئ، انتابني خوف شديد، عاودتُ السباحة من جديد لَعلي أجد مخرجاً, لا أمل ولكن حب الحياة دفعني لأكمل وأتابع البحث في عالم البحار، وأخيراً دبت رجلي على الأرض واستقرت بكل وزنها وكانت جزيرة تغمرها المياه ولا تغطي سوى قَدمي و شبراً فقط فوقها. نعم تجولتُ برجلي لأتحسس حدود المكان، ذهبتُ هنا وهناك وكانت المساحة شاسعة، لكن كيف أنام فأن نمتُ على ظهري سوف تغطيني المياه؟ لا مجال إلا للعمل، فلَم تكون الأمور صعبة ربما دبرت بعض الصخور المدببة لترتفع عن مستوى سطح البحر. نعم نجحتُ وأخيراً ظهرت الصخور وهنا أقبل الليل كنت قد تعبتُ جداً غالبني النوم وتركت نفسى وسط الأمواج العاتية والبحر ووحوشه ليلة كاملة فلَم أستيقظ إلا عندما سكبت الشمس الجديدة أشعتهاِ الحارقة على جبيني، قمتُ من نومي الطويل، جلستُ القرفصاء، أنظر في جميع الاتجاهات، أين أنا؟ لا أعرف، تحركتُ مشاعري للوطن، فهل من العودة قريباً أم أظل هنا وأموت هنا وحيداً..

أه لو تَعبر سفينة راحلة تأخذني معها إلى حيث تذهب بعيداً إلى عالم جديد أدفن فيه أحلامي القديمة وأبحثُ عن أحلام جديدة، لكن لا لربما أتمرس على حياة جديدة، هناك يكون الواقع جميل مُبشر، أحيا فيه مباشرة دون أحلام، كم كرهت تلك الأحلام العتيقة, أريد أن أعيش الحياة. الحياة الجميلة التي كتبت لبنى البشـر ووصفت لهم أتكون خلف الموج العالي بعد البحر اللامنتهي أم أين؟ أين أنتِ يا سفينة نوح، سفينة الفجر الجديد بأشرعتكِ العالية؟ لعلها تأتي يوماً..

شعرتُ بالجوع، لَم أجد معاناة عندما أمسكت سمكةً من شط جزيرتي الجديدة وأشعلت النار بالطريقة البدائية وأعددت أشهى سمكة.

تمر الأيام، طعام وفير ومياه البحر المعالجة بالتقطير والبراح والهواء وصنعت ُفراشاً جميلاً من حيوان الإسفنج وله وسادات جميلة حتى صرت ُمع الأيام ملك الجزيرة بدون منازع التي تكونت من تلاطم أمواج البحر والحصى وفضلات الطعام ورماد النيران المشتعلة نبتت أشجار جميلة بدون ثمر وخضرة تنتشر يوماً بعد يوم وحلقت طيور السماء، واستقرت على الجزيرة ولَم يكن هناك سكان غيري سوى الزواحف والبرمائيات وثعابين صنعت من جلودها المنسلخة أفخر ثياب وكانت عروس البحر كثيراً ما تؤنس وحدتي على فترات.

طالت الأيام على الجزيرة، لا أشباح ولا بشر ولا مشاكل ولا ضوضاء، كانت الحياة ندية رطبة. وبينما أمارس طقوسي الجديدة وجدت ما كنت أنتظره؛ ظهرت في الأفق شراع سفينة تقترب وكانت الأمواج تهاجمها بقوة ويبدو أنها تاهت وسط أمواج البحر الهائج. دفعتني أدميتي أنقذهم، أشعلت الحطب لتهتدي السفينة، تذكرت حينها أنه فلك النجاة الذي انتظرته كثيراً.

راودتني الشكوك، ربما تكون قراصنة البحر، لكن ليس لدى ما أدفعه أو أملكه على هذه الجزيرة الخالية التي أنا ملكها. ربما تكون سفينة تجارية أقدم لها يد العون لعلهم يردون الجميل ويأخذونني معهم، ولكن أخاف أن يكونوا من أهل وطني ويعودون بي إليه، وأن كانوا هم كذلك أتعشم أنهم لازالوا في طريق الذهاب إلى البلاد البعيدة، فأنا لا أرجو الرجوع والأفضل أن أنتظر. نعم هي فرصة للرحيل، أنوي الرحيل لذاتي ولا أدري أين المسير؟!!.

تجوب أفكاري كل أرجاء المكان وأنا أجهل غياهب المكان وحدوده والأركان، بينما تقترب السفينة خطوة خطوة وبدأت ترسو. نظرت البحارة تلقي (الخطاف) على شط جزيرتي، وجدتهم بأشكال غريبة وأجسام صغيرة وعريضة والشعر يكسو جميع أجسادهم ولونهم أصفر باهت ورؤوسهم تخفي من تحتها رقابهم وأنوفهم كبيرة وعيونهم ضيقة وشعر ذقونهم تملأ جبينهم وخدودهم، لكن الشكل العام لهم مثلنا بشر, يا للحظ العاثر ظننتها سفينة نوح هي التي لاح شراعها في الأفق وعندما نزلوا إلى شط جزيرتي ولمَ يرتدوا شيئاً أبداً سوى خرقة من جلود الحيوانات تَستر عوراتهم وكانوا حوالي إحدى عشر رجلاً وثلاثة سيدات كانوا هم سبب تعاستي وشقائي وأخيراً دخلوا إلى الجزيرة وانتابني خوف شديد، لَم أكن أملك سلاح وهم يمتلكون رماح بدائية برؤوس حجرية كانت المواجهة الأولى والحتمية إما الانتصار وأهزهم وأسود عليهم أو يقتلونني، ربما يأكلون ولا يعود لي شيئا يذكر، لَم أمتلك إلا سلاح العقل والجزيرة ملكي، استمرت المواجهة فترة وكانت اللحظة الفارقة، لعبت الأرض والرياح مع صاحبها، كان دوراً عظيماً لحظة رفع يدي دون إرادتي هَبت معها رياح قوية حركت الأمواج بعنف شديد زلزلت الجزيرة تحت أقدمنا وهنا أصابهم الخوف والرعب وخروا ساجدين لي. نعم انتصرت وسودت عليهم، صاروا لي أتباع وهنا تبلور لون الحياة من جديد، كان كل شيء جيد جداً، صارت المودة والمحبة تسود بيننا وكنت أنا قائدهم, صار بيننا العمل الجاد المشترك إلا لغة التفاهم التي بدأت تتلاشى مع الوقت، دخلتُ إلى سفينتهم وجدتها بدائية على متنها يوجد كل المؤن وكل أنواع الطيور, وجدت القرود الشقية وغزلان وغنم وأسدين أحدهم أليف والآخر مفترس وكنت بالفعل مَلك الجزيرة المتوج وعدتُ إلى جزيرتي وأحضرت سمكاً كثيراً وأعددتُ الطعام بنفسـي ليأكل الجميع والشجر طرح ثمراً والخضرة أعطت بذراً ونتاج يؤكل وصنعوا لي قصراً بل كان معبداً, صنعوا لي تمثالاً وكل يوم أعلمهم من علومي وخبراتي وثقافتي، أنجبت نسائهم أطفالاً أحضروا لي وباركتهم وأعطيت لهم أسماء وعلمتهم لغة جديدة للفهم متفق عليها حتى صار كل ما في الجزيرة تحت إمرتي، وبعدما استقرت الأمور فكرت أن تخرج السفينة في رحلة استطلاع وكنت أنا ربانها ومعي أربعة جعلتهم معي في رحلة الاستكشاف الأولى ولكن قبل خروجي إلى عرض البحر. وضعت أناء مجوف مغطى من جلد الغزلان وربطت عصا تتحرك بحرية، عندما تصدمها الريح فتضرب الأناء لتصدر صوتاً قوياً يرعب كل سكان الجزيرة حتى لا تتسلل الجرأة في نفوسهم أو ما شابه. وعدت بعد أسبوعين فقد وجدتهم ملازمين الأكواخ لَم يجرؤ أحد على الخروج منها أبداً وكبرت الأطفال وازدادت أعدادهم وخرجت في الرحلة الثانية وكنت أيضاً ربانها وقائدها، جاءوا إلي مسرعين طالبين أن أمنحهم القوة والبركات، فعند خروجي من الجزيرة تأتى الأرواح الشريرة وتهاجم الجزيرة ليلاً حسبما يعتقدون, فضحكت لنجاح فكرتي بامتياز. وكان الاستمتاع لا يوصف وأنا أسافر عبر البحار وأشاهد مالَم أشاهده طيلة عمري. ولكن في هذه المرة قفز طفل ملعون -هكذا كنت أنعته منذ ولد- دخل إلى بهو المعبد وصعد إلى الأعلى، وجد حيلتي الجديدة وكشف سرها، كانت عبارة عن عصا لها رأس مفلطح دخل أسطوانة مملوءة ماء تحركها الرياح فتقذف المياه في جميع الجهات بقوة والصوت عالي كدوامات البحر العالي، ضحك الطفل وأمسك بالعصي وسكب الماء ودمر الحيلة كلها. عندما عدتُ إلى الجزيرة كان البشر ينظرون إلي نظرات غريبة لَم اعهدها من قبل. ومع مرور الأيام تعلم سكان الجزيرة الحيل المختلفة واستخدموها في أساليب الحياة, يتطور تفكيرهم يوم بعد يوم وكانت صدمتي قوية عندما قتل أحدهم أخاه في الحقل وظهرت بينهم الأحقاد والمكائد والدسائس، فلَم يكونوا هكذا عندما جاءوا إلى الجزيرة, رغم أنهم من نفس الجنس والعرق، فلماذا لا أعرف؟

فلا يوجد شياطين على أرض الجزيرة، من أين جاءتهم لعنة الشيطان؟ هل جاءهم فيروس مع الرياح العابرة؟  كل أرجاء الأرض تزداد الآن همومهم وأوجاعهم وآلامهم وكروبهم، حزنت بشدة وضُقت ألماً لأجلهم. كانت الندوب التي اختفت عند نزولي البحر أول مرة وقام البحر بكيها وشفائها وجدتها تعود من جديد وتضاعفت جروحي من أجلهم وسكان الجزيرة خرج لهم أجنحة على أكتافهم ونبتت قرون علي رؤوسهم وعندما حاولت الهرب منهم قد ازدادت أعدادهم. هل كنت مخطئ عندما انتشلتهم من موج البحر الغادر ومن سحرهم وشرهم ووحلهم.

 

فرحت كثيراً لأجلهم لأني وجدتهم سعداء فرحين وأن كلفني هذا عمري كي أرسم الابتسامة على وجوه أطفالهم، ولكن كانت قوتهم تزداد يوم بعد يوم حتى قررت الرحيل. أسرعت إلى السفينة صعدتُ إليها ولَم أعرف إلى أين تسير، فهل كانت في اتجاه الوطن الذي أشتاقُ إليه كثيراً أم في الاتجاه الآخر خلف البحر العالي أو ربما ترسو السفينة بعيداً أشيد جزيرة جديدة وبينما أرسم أحلامي الجديدة شعرت بتصدع هيكل السفينة وهبت رياح الموج العاتي.

Hits: 21