شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

إشكالية الانتماء والتشظي في المجتمع السوري ـ مصطفى عبدو

145

 

 

 

 

 

تعود أصول إشكالية الانتماء بشكلها العام إلى بدايات الحرب العالمية الأولى والتي رافقتها بدايات الصراع القومي بين التيار القومي العربي من جهة وتيار القومية التركية التي ظهرت في أواخر الخلافة العثمانية من جهة أخرى ودعت إلى تتريك الشعوب العربية الواقعة تحت سيطرتها، وكان مؤتمر باريس الذي انعقد في عام 1913تحت شعار التحرر العربي الوحدوي أول مناسبة لظهور إشكالية الانتماء الأول عندما خرجت فئة لبنانية من أحداث هذا المؤتمر ورفعت علماً أبيضاً في وسطه الأرز اللبناني داعيةً إلى لبنان مسيحي وإلى خروج لبنان من الانتماء العربي الذي يواجه الانتماء إلى دولة الخلافة العثمانية.(الدكتور حسين القوتلي- جريدة السفير اللبنانية عدد 16 أيار1984).

قول القوتلي هذا يقودنا إلى طرح سؤال في غاية الأهمية وهي هل إشكالية الانتماء التي برزت في تلك الفترة بما احتوته من إثنيات وأديان مختلفة ومكونات وشعوب مفصولة عن ما نشهده اليوم في سوريا .

نقول هذا لأن المشكلة ليست في خروج فئة على إجماع سوري بقدر ما هي خروج مجمل الفئات على هذا الإجماع. المهم في كل ذلك أنه مع كل محاولة لإيجاد توصيف الواقع المعاش سورياً نلاحظ هناك دوماُ من يحمل في أجنداته مبادئ وتوجهات غريبة عن مجتمعنا يزيد عوامل التفرقة.

لا شك أن لهذه التوجهات الضرر الأكبر الذي يكمن في تشتيت صورة الانتماء الوطني لدى أفراد المجتمع السوري، وتفكيك التكوين البنيوي الاجتماعي لشعوبها عبر شعارات وظيفية، تزيد من تعقيد خارطة الحل السياسي بتبنّي خطاباً موجهاً يزيد من حدة الصراع وبالتالي التعايش (حالة ما يسمى بالائتلاف السوري).

هنا لابد من التذكير بأن العلماء قاموا بتقسيم التطور الإدراكي لأفراد المجتمع إلى أربع مراحل: مرحلة الإدراك الحسي، مرحلة الإدراك الخيالي، مرحلة الإدراك الوهمي، مرحلة الإدراك العقلي. فالبعض من أفراد مجتمعنا السوري لا يرى من هرم الحقيقة إلا ذاك الوجه المحدد له ضمن إطاره الفكري، فهو مجبول على أن يرى الحقيقة من خلال منظار مقاييسه ومصالحه وبتأثير من المجتمع المحيط به، محاولاً الوقوف في وجه تيار التطور الفكري المنبثق, معتمداً على معايير وحقائق ثابتة معزولة عن الواقع؛ ولا تتوافق مع مقتضيات الحياة الاجتماعية التشاركية بطبيعتها، لذلك تجده لا يستطيع الوصول لمواقف تتضمن مقاربات موضوعية مع مقتضيات الحل السياسي التوافقي.

من المؤسف ما نراه اليوم في سوريا من قولبة للأفكار وتأطير للمدارك والسلوكيات، في وقت كان من الأولى في ظل ما نشهده اليوم من انقسام ونزاع بين الفرقاء والتكتلات السياسية أن يتوجه الجميع نحو هوية وطنية مشتركة. فجميع الدول تشترك فيما بينها بتعدد الهويات والمكونات وتختلف فيها الأعراق وتتباين فيها الأديان، والأمر ذاته في سوريا إلا أن التعدد في سوريا خلق إشكالية لم تكن يوماً وليدة ما حل بعد عام 2011 بل أتت ضمن التراكمات الإيديولوجية القومية التي حكمت سوريا وجعلت الهوية لفئة معينة إلى أن انشطرت هذه الانتماءات والولاءات بعد الأزمة السورية إلى انتماءات طائفية وعرقية وإثنية.

وإذا ما توقفنا عند هذا الأمر وتأملنا الظروف المسببة لهذا الانشطار، فأننا نحتاج إلى البحث عن الهوية الوطنية السورية، ومعالجتها وإيجاد السبل لتطويرها، ولاسيما أننا نعيش هذه الأيام أجواء يمكن من خلالها خلق هوية وطنية واحدة لجميع السوريين، وإن هذه الهوية نراها موجودة وطاغية في حالات كثيرة، إذ نجد أن العديد من السوريين يحملون هذه الهوية إزاء بعض الأحداث الوطنية، لكن هذه الهوية ما تلبث أن تخفت أحياناً إزاء بعض الممارسات الخاطئة من قبل الشوفينيين والانتهازيين..

مجلس سوريا الديمقراطية من جانبها تعقد الكثير من المؤتمرات والندوات من أجل تعزيز هذه الهوية التي تجدها الدواء الناجع الوحيد في التخلص من الاحتقانات الطائفية, بيد أن عدم النهوض بمشروع الهوية الوطنية بصورة حقيقية من قبل الحكومة السورية التي تقوم على أسس قومية لا وطنية يؤدي إلى عدم الاعتراف بالهوية الوطنية وبالهويات التعددية!! الأمر الذي يسبب عجزاً مستمراً في حل هذه الإشكالية، بالإضافة إلى اندماج هذه الإشكالية بإشكاليات أخرى بعد الأزمة السورية، ولعل بعض القوى الإقليمية كانت ومازالت تريد أن تمحو الهوية الكبرى للسوريين وهذا ما سهل الطريق للتدخل في الشأن السوري، فانتهى الأمر إلى عمليات تهجير، وقتل طائفي لغياب الهوية الجامعة، وهي هوية الأرض (الوطن).

بالمحصلة، القاسم المشترك بين جميع المكونات السورية هي الانتماء للوطن والمجتمع، ومن أجل دمج الهويات على أساس المواطنة الحقة وجعل التعايش السلمي الإيجابي طبيعياً جداً لابد من المصالحة مع الذات ومع الآخر ….. ربما أن هذه الحلول ستحتاج إلى بذل الكثير من الجهود لكنها ليست صعبة ومستحيلة إذا ما حشدت الجهود لها مع الكادر المؤهل لذلك. ثمة عوامل كثيرة مشتركة عند أبناء الوطن الواحد على اختلاف أطيافهم وهذه العوامل يجب أن تحيا في النفوس، لتبعث وحدة الإحساس بالوطن وبالهوية. إن الدعوة لحمل الهوية الوطنية هي دعوة واقعية متوافرة ضمن الإمكانيات المتاحة، وأن العائق الوحيد ضمن هذه الإمكانيات هو الإقصاء والتعصب الذي أصابا البلاد والعباد، أما الغالبية من الشعب السوري اليوم فباتوا يؤمنون أنه لا خلاص إلا بالتمسك بالهوية الوطنية، ونبذ ثقافة التفرقة والتعصب، وعلينا أن نغير تفكيرنا حول الوطن؛ لنصل معه إلى شاطئ الأمان بتجسيد روح المواطنة بدلاً من أن يرتبط المواطن بالوطن بالروابط الإدارية فقط !!

إن صفقة الفتنة اقتربت من نهايتها، وها هم الذين كانوا بالأمس القريب يلعبون بالأوراق الخاسرة ويحاولون النيل من إرادة شعوب سوريا يتساقطون كما الورق الأصفر بعد أن يأسوا من بث سمومهم وأمانيهم الطائفية وآفاقهم الضيقة لشعوب بعيدة عن متناول دسائسهم وطائفيتهم وعرفت في مجرى يصب حقدهم الدفين، فكان ردها واضحاً وحازماً زاد من صلابة موقفها. وبناء عليه فالهوية السورية اليوم تحتاج إلى إعادة تأهيل لتعيد الأمل إلى الفسيفساء السورية وتستطيع مواجهة المرحلة بكل ظروفها، فلا يكفي المثقف أو رجل السياسة لهذه المهمة, إنها مهمة تقع على عاتق كل أفراد المجتمع فطالما قلدنا الأوربيين في كثير من الأشياء.. فلماذا لا نقلدهم في تقبل بعضنا وحقيقة انتماءنا وولاءنا إلى مجتمعنا أيضاً؟!.

Hits: 27