شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الانتحار .. حل أم تعقيد اجتماعي ـ فاطمة باز

46

 

ما ذنب الآلهة إنها أخطأت خطأً مروعاً لهذا الحد عندما أعطت القدرة لكل إنسان أن يقتل جسدهُ ويغادر العالم متى ما أراد الرحيل!

حياة الإنسان تتمثل بالروح مع الجسد، فإذا تأذت هذه الروح وقررت الرحيل، فإن العقل سيُفنى نتيجة حركة اللاوعي والتخدر من الألم، وسيعتبر أن الموت هو المنقذ الوحيد من هذه الآلام…

هناك دائماً سؤال يطرح نفسه عندما نشاهد حالات الانتحار أو نسمع عنها وهو…

أكان الموت ومغادرة هذا العالم رحيماً أكثر من الحياة؟!

إنهُ سؤال عميق جداً ولشدة عمقه لا نفكر به كثيراً ونحاول الإجابة عنهُ بواسطة جواب سطحي غير مبالي بحجم الألم الذي لحق بالضحية وننسب السبب إلى القدر أو معاملة سيئة من أحدهم!

لكن ما نجهلهُ هو كل تلك المعارك التي خاضها (الإنسان المنتحر) مع نفسه ومع أفكاره، والندوب والآلام النفسية والجسدية التي كان يعاني منها كل من اتخذ الانتحار كقش نجاة، وتمسك به، وقطع صلتهُ مع الحياة، واختار الموت كراحة من مشقة الحياة، فغالباً ما يتعرض المقدم على الانتحار إلى ضغوط تفوق قدرة التحمل لديه، فيظن أن كل الأبواب مغلقة أمامهُ، ولا توجد أي حلول لمشاكلهُ، ويعزز ذلك تلقي الأخبار السيئة باستمرار، بالإضافة لأحاديث المجتمع المحيط به الذي يزيد من الأزمة النفسية أو من الممكن أن يكون يائساً من الحياة كمن يعيش في عزلة تامة ولا يتم تقبل وجوده أو غير مرحب به بين رفاقه وأقاربه، كما توجد أسباب كثيرة أخرى، وجميعها تؤثر سلباً على الإنسان.

فالحرب لا تصنع فقط الأقوياء، بل تخلف ورائها عدداً لا يُحصى من المرضى النفسيين سواءٍ من البالغين أو المراهقين أو الأطفال، ففي ظل ظروف الحرب والأزمات الاقتصادية الصعبة التي يعانيها أغلب سكان سوريا عامةٍ وروج آفا خاصةٍ ومع انتشار فايروس كورونا قد ضاق الخناق للكثير من الناس ولم يستوعبوا كل هذه الأمور، فيقررون الرحيل من العالم بعدما تلقوا نصيبهم من العنف والخوف والمهانة والمعاناة والمعاملة السيئة، وبهذا أصبحت الحياة أشد رعباً من الموت عليهم!.

وقد شهدت منطقة كوباني (شمال سوريا) منذ بداية العام الحالي (2020م) عدة حالات انتحار لأسباب نفسية وعائلية واقتصادية.. ففي شهر آذار/ مارس أقدمت (آميها محمد بوزان- 22 ربيعاً) على الانتحار بواسطة طلق ناري، في حي كانيا كُردان في كوباني، وكانت أم لطفلة عمرها إحدى عشرة شهراً، ويعود سبب الانتحار للعنف الأسري وأيضاً للعقلية المتخلفة والمتسلطة الذكورية التي تحرم المرأة من حقوقها الأساسية، كالعيش في جو آمن، بعيداً عن المشاكل والفتن.

وفي التاسع من آب/ أغسطس أقدمت امرأة تبلغ من العمر 30 ربيعاً على الانتحار بواسطة سلاح كلاشينكوف، في منزلها الكائن في حي كانيا كُردان، وكانت أم لأربعة أطفال، ويعود انتحارها نتيجة لخلاف مع زوجها!!.

وفي شهر آب/ أغسطس أيضاً انتحرت فتاة تبلغ من العمر ١٨ ربيعاً من قرية بِندر بريف كوباني الغربي شنقاً لأسباب عائلية واقتصادية. وهذا ما أثار جدلاً واسعاً لدى الرأي العام، ونددت العديد من المنظمات المعنية بشؤون المرأة هذه الحادثة، وكما أطلق ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي نداءات للجهات المعنية للتدخل ووقف هذه الانتهاكات بحقوق النساء.

وكانت منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة قد وثقت تعرض ١٢٥ امرأة للعنف في مدينة كوباني بجميع أشكاله (القتل، الضرب، الإيذاء، تعدد الزوجات، الاغتصاب…).

وفي مدينة قامشلو (شمال وشرق سوريا) أقدمت (روجين رشيد) في شهر شباط/ فبراير على الانتحار بإطلاق النار على نفسها، وربطت مصادر دافع الانتحار بطلاقها، وقيام زوجها باصطحاب الأطفال إلى إقليم كردستان العراق، وهو الأمر الذي لم تتحمله.

وفي منطقة الحسكة أقدم الشاب عادل البكر في بلدة صفيا، بتاريخ 26 كانون الثاني/ يناير على إطلاق النار على نفسه، ليفارق الحياة.

بالتأكيد إن الانتحار ليس حلاً لما يعانيه الفرد من أزمات اجتماعية، بل إنه يخلق عوضاً عن ألم الفرد الواحد.. آلاماً لجميع العائلة والأصدقاء والأحباب، إن الخالق عز وجل أعطانا الروح كي نسعدها ونرفق بها وننهيها عن المعاصي، ونسير بالأمل والحب في هذه الحياة، وكذلك نملك العقل لنفكر به ونبتعد عن الأشياء أو الأشخاص الذين لا نناسبهم، فلا تسمح لمخلوق أن يسلبك حريتك، فكل ما يسلبنا حرياتنا وطمأنينتنا وسعادتنا لا يجدر بالحب والتقديس، وكذلك الحياة مليئة بالأشياء الجميلة التي لم نراها بعد، والأقدار السعيدة، على الإنسان أن يحارب الظلام كي يستمد النور، فالحياة مليئة بكل المشاعر وعلينا أن نتعايش معها ونقدس سعادتنا ونتجاهل أحزاننا، ونغض البصر قليلاً عن آلامنا، فكل إنسان رأى من الحياة ما يسعده وكذلك ما يؤلمه، علينا أن نبني من حطام آلامنا مجدنا الإنساني، وننشئ احلاماً جديدة تتناسب مع واقعنا، فكل ما في الحياة يتغير، تغير أنت أيضاً أيها الإنسان.. فأنت لستَ شجرة!.

Hits: 11