شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

فيلم “Silver Linings Playbook” “المعالجة بالسعادة” بين الراوي المتخيَّل (المحبط) والراوي الفعلي (الإيجابي) ـ محمد شاكر الخطاط  

103

 

 

 

 

يمثل فيلم “Silver Linings Playbook” “المعالجة بالسعادة” الأمريكي الصادر عام 2012م حقبة تاريخية متسلسلة من حيث الزمن (التخييلي) بهيمنته التي سيطرت على كل ما يحيط البناء الداخلي للفيلم، وأما من حيث الزمن الخارجي الذي سحر رؤية المشاهد من أجل الوصول إلى النهاية، فقد بدأت إشارات الفيلم تشير منذ الوهلة الأولى إلى معناه السيميائي الذي يرمز إلى الجانب السلبي الذي يصيب الإنسان من خلال أمواج الحياة وتوقيعها على دوائرٍ غير مستقيمة “أتمزحين؟, أيام الأحد؟ أحب أيام الأحد.. أعيش لأجل أيام الأحد فقط.. كل الأسرة تجتمع.. الأم تصنع الأطعمة.. الأب يرتدي القميص ويذهب لمشاهدة المباراة.. أيام الأحد توترني.. لم تعرفِ أن أحبها “نيكي”.. لكني أحبها.. لكني لم أعرف قدرها أو قدركِ من قبل.. وأنا كنت سلبيّاً”.

أما معناه الظاهري فهو يشير إلى الرومانسية التي تبدأ على عدة رحلات من خلال المعالجة النفسية للراوي الفعلي، إذ بدأ كاتب ومخرج الفيلم “ديفيد أو راسل” بالراوي المتخيل لشخصية بطل الفيلم “باتريك” أو “باتي” وهو شاب يعاني من اضطراب ثنائي القطب لم يشخص وتقلبات مزاجية وتفكير غريب يصيبه بسبب الإجهاد الشديد، وقد قضى ثمانية أشهر في مشفى “بولتيمور” النفسي، وكان السبب في ذلك كما يذكر “باتريك” في حواره مع معالجه النفسي الدكتور “كليف” بقوله: “عدتُ للمنزل من العمل بعد أن غادرت مبكرًا وهو شيء لا أفعله في العادة فارتقيت السلّم ووجدت بنطال رجل وصوت أغنية زفافي حتى رأيت زوجتي “نيكي” مع مدرس التاريخ “دوج كولبيبر”، ولمّا رآني أخبرني عليّ الذهاب فجننت حتى ضربته وكاد أن يموت”، بعد ذلك عزمت أمه “دولوريوس” على إخراجه من المشفى وقد تحملت مسؤولية القضاء الأعلى في المحكمة ومسؤولية الموافقة على إخراجه من المشفى، فتبدأ حياة “باتريك” بالمنازعات مع والده “باتريسيو” الذي وصل إلى “باتريك” بضربه كلما يخبره أنَّ زوجته قد رحلت عنه وأصبحت شيء من الوهم، ثم يصب صراخه كالرصاص في ساعات الليل الطويلة كلما يسمع الأغنية التي وضعها في حفل زفافه فيصيبه شيء من الجنون والوهم، ثم يقرأ الكثير من الروايات للروائي الأمريكي “إرنست همنغواي” لا لحبه إياه وإنما كانت زوجته “نيكي” تحب الروايات، وكذلك أراد أن يصبح نحيفاً كما أخبرته زوجته آنفاً غير أنه تنافى عن شرابه لجرعات الدواء مما أصابه الانفعال المتهور، يحاول والده أن يصنع له الفرح بعيداً عن معرفته لكنه لم يفلح في ذلك…

إنَّ مثل هذه الكآبة التي تصيب الإنسان وتجعله يعيش حياته دون أن يشعر بانفعالاته وسلوكه واضطرابه هو ما ينبني على تجربة واحدة قد أنهت سعادة القمر ولم يبق للنجمة سوى الحظ الآخر الذي ربما تنتظره، وأعني في كلامي هذا على البناء الداخلي للفيلم الذي بدأ بإحباط “باتريك” من الحياة والبحث عن وهم زوجته التي تركته وهو الرجوع إلى نقطة (الفلاش باك) الذبذبة بين الماضي والحاضر في الرواية، مما يدخل القارئ إلى عالم تخييلي لا يعرف مدى معرفة الوصول الذي سيصل إليه نهاية الفيلم من التشويق واللحظة الزمنية الساحرة، لذلك تعد الرواية الواقعية هي ربط الخيوط والأحداث المتشابكة بعضها مع بعض “الماضي والحاضر والمستقبل”، ولا سيما انّ هذا الفيلم الأمريكي مأخوذ عن الرواية التي تحمل نفس الاسم للكاتب والروائي الأمريكي “ماثيو كويك”، وقد حصل الفيلم على جائزة أوسكار من بين الأفلام الأخرى المرشحة…

يلتقي “باتريك” بصديقه القديم “روني” الذي دعاه إلى وجبة عشاء فيما “باتريك” يتردد كالعادة في كل شيء بسبب مزاجه المتقلب مدعيّاً أنّ زوجة روني “فيرونيكا” تكرهه ولا تود مشاهدته…

يبدو إنَّ الكاتب الراوي (المحبط) عن شخصية البطل كلما يدخل شخصية دينامية يسحر بها المشاهد في وصوله إلى معرفتها يفاجئ المشاهد من تلك الشخصيات التي يحاول فيها الكاتب أن يزرع فيها الكآبة، الفلسفة الهدامة، الحزن المتفرع كالشجرة، وهو يوزع عذابات الحياة بين شخصيةٍ وأخرى، وكأنّ الكاتب هو الذي عاش تلك التجارب المحبطة لظلام جسده بالخواء، فحاول أن يلعب على تعدد الشخصيات ويوزع كل تجربة على شخصية تحاول الهروب من الحياة بسبب انكسار الذات وهي حالة منفردة يعيشها الإنسان أو الشاعر أو الأديب أو الفنان أو الروائي أو العاشق أو الإنسان الحالم، ومن ثم إنَّ الكاتب هنا ربما أراد من عمله هذا أن لا يشيخ أو لا يموت وهي لحظة يتمناها كل مبدع من أجل الوصول إلى الخلود الكبير لأعماله.

تحضر معهم على وجبة العشاء أخت “فيرونيكا” وتدعى “تيفاني” وهي أرملة وقد أعجب بها “باتريك” ولفتت انتباهه لكنه لا يستطيع الانصراف عن وهم زوجته “نيكي”…

من هنا تظهر الشخصية الإيجابية الوحيدة في هذا الفيلم التي استطاعت أن تقلب حياة “باتريك” من التشاؤم والاضطراب والانفعال والكآبة إلى شخصية رومانسية أخرى لكن بمراحل عدّة، فتصبح هي الراوي (الفعلي) لكن بدهاء وبطرق لا يشعر بها “بارتيك” في بداية الأمر، وأستطيع القول انَّ الكاتب الراوي (المحبط) اتخذ مكاناً وحيداً ليشاهد لقطات الجمال التي انتزعت الإحباط وحولته إلى رومانسية من نوع آخر وهو هنا ينتهي دوره، ولا يبقى له إلاّ مشاهدة تجاربه والبكاء على ما خلفه من أمنية ضاعت أو فهمه لحياته في غير محلها إلى أن تتغير من خلال امرأة رائعة.

بعد الخصام الطويل يدعو “باتريك” “تيفاني” إلى وجبة عشاء فتوافق على ذلك…..

ما تزال حياة الإحباط من قبل الراوي (المحبط) لشخصية “باتريك” تلامس حياة الشخصية الإيجابية الراوي (الفعلي) بأن يخيم عليها الظلام لكنها قوية رغم انها تعيش في حالة من العاطفة والفراغ.

في الصباح الثاني تخبره “تيفاني” إنها لا تستطيع أن ترسل الرسالة إلى زوجته من غير شيء مقابل لها فأخبرها أنه قد أصرف الرجل الذي روادها إلى البيت لكنها أبت ذلك وطلبت منه أن يتعلم معها الرقص فوافق على ذلك بعد مزاجٍ طويل…

يمكن التصريح إنّ “تيفاني” من خلال هذه الخطوات قد ساعدت “باتريك” على أن يتخطى كآبته من خلال نسيان الأغنية التي تجعله مضطرباً نفسيّاً، ومساعدتها الأخرى من خلال تعليمه للرقص ورفضها لقراءته للروايات التي تذكره بزوجته، وكذلك فعلت أمور لم يشعر بها “باتريك” في البداية وهي إثارته لشكلها الجميل وتستمر معه غير إنّ “باتريك” بين قابل ورافض فهو باقٍ معها ينتظر إرسال الرسالة منها إلى زوجته، وقد أخبرته بعد مدة أن يقضي معها هذا التدريب المثير لتعطيه رد زوجته التي ردت على رسالته، فيتحمس لذلك، لكنه لا يستطيع أن يبقى في دوامة التدريب، فذهنه مشتت في أن يرى الرد، فتخبره أن لا يخاف من الجواب وأن يقرأ الرسالة بصوتٍ عالٍ، ثم يجهش بالبكاء للرد الذي تلقاه من زوجته أن يكونان بعيدان عن الآخر، ثم ينصرف…

يطلب منه والده الذي طرد من وظيفته في التدريب الرياضي بسبب ضربه للناس أن يذهب مع أخيه ليجلب له حظ منتخب “ايجلز”، فيوافق على ذلك العرض ويخبره أبوه أن لا ينفعل ولا يضرب أحدًا غير أنه يتعرض بعض المشاكسين لأخيه ويتدخل معه فيثير اضطرابه مرة أخرى، وقد خسروا الحظ الذي ينتظره أبوه مما يثير تعصبه عليه وضياع حلمه الذي ينتظره…

يركض “باتريك” في البحث عن “تيفاني” وتخبره أن يتركها وشأنها وهي منغمسة في الدموع فيخبرها أنّ معه خطاب لترسله إلى زوجته ثم تصرخ بوجهه تبّاً لك وللخطاب أرسله أنت بنفسك لها، فيحاول أن يقنعها بقراءة الخطاب ثم تفتح الظرف وتتفاجئ بقراءة الرسالة “عزيزتي تيفاني” أعرف أنك التي كتبتِ الخطاب الطريقة الوحيدة لتثيري مشاعري المجنونة هو أن تفعلي شيئاً مجنوناً شكراً , أحبكِ”، ثم يعترف لها بأنه قد أحبها منذ اللقاء الأول وقد حبس مشاعره، وقد عرف إنها هي الشخصية الإيجابية له بعد معرفته من خلال الخطاب الذي كتبته له بديلاً عن زوجته الأولى، وقد حبس مشاعره أراد أن يكون رومانسيّاً بعض الشيء في حياته دون أن يخبرها فأخبرته هل تعشقني ـــ نعم …

يقول الشاعر الروسي رسول حمزاتوف “شيئان في الدنيا يستحقان المنازعات وطن حنون وامرأة رائعة أما بقية المنازعات فهي من اختصاص الديكة”، فقد حاول “باتريك” بشتى الطرق أن يتخلص من انفعالاته واضطراباته وعلاجه وحواره مع معالجه النفسي وعائلته وأصدقائه، لكن لم يستطع ــ فقد سيطر عليه الانفعال ــ إلّا بعد مجيء الشخصية البطلة “تيفاني” التي أخرجته من العالم المتخيل والمبني على التشاؤم المتراكم بأسلوبها وشخصيتها القوية التي سيطرت على جذب “باتريك” إليها، ومن خلال معرفتها في كيفية التخلص من هذه الكآبة بعد أن عمدت على تعليم “باتريك” الرقص الهادئ والمزاولة في التأمل، لذلك كانت شخصية “تيفاني” شخصية إيجابية ومتحكمة في السيطرة على جميع الشخصيات المصابة بالحزن أو التشاؤم، فقد كانت شخصية مجددة ومحركة في الطاقات الإيجابية من أجل الوصول إلى السعادة والرومانسية التي غمرت بها حياة “باتريك”.

Hits: 11