شرمولا
مجلة أدبية ثقافية فصلية

الخطابة في الثورة ـ عبدالله اوجلان

70

 

بما أن الثورة فن جدي، فالخطابة في الثورة مرغمة أن تكون قوية ومتقنة. في الوقت نفسه، المراحل الثورية هي مراحل الخطابة المؤثرة. يقال “المشكلة الأساسية للثورة هي المجال السياسي”. أما السياسة فنصفها بالخطابة. عند ظهور جميع الدول والتشكيلات السياسية القوية، يظهر الخطباء الأكفاء. حتى أنها تبدأ مسابقة خطابية كبيرة في مثل هذه المراحل. فمثلاً عصر روما تماماً هو عصر خطابي، كذلك عصر اليونان القديمة يعتبر عصر الخطابة الكبيرة. هناك بلاغة وخطابة عربية عظيمة أثناء ولادة الإسلام. أينما نظرتم فانظروا، تبدأ مراحل التكوين الفوقي والتحتي المهمة ومراحل الانطلاقة بخطابة قوية، فمثلاً لغة القرآن هي مثال خطابة وبلاغة عظيمة، فالآيات وتأدية الآذان تعتبر جميعها خطابة. كذلك عند إنشاء البرلمان التركي كان مصطفى كمال يعتمد على الخطابة، باختصار يتم تسيير العزم السياسي الأساسي المهم المرتبط مع الحياة عن قرب بخطابة قوية.

الإنسان الكردي كالأبكم في مجال الخطابة. لا يتحدث وإن تحدث فإنه يتبع أسلوباً يجعل الإنسان يبتعد عنه. ليس بإمكانه التحدث لا باللغة الكردية ولا العربية ولا التركية. دعك من لغة الخطابة، حتى أنه لا يجيد التحدث باللهجة العادية. على سبيل المثال، لغة تخاطب كوادر الحزب سواء أكان في التنظيم، أو في الأوامر والتعليمات، تعتبر ناقصة وتسبب الضرر كثيراً. أسلوب خطابته متشتت، ويجعل الإنسان يتهرب منه. بعيد عن بلوغ جوهر المسائل. الخطابة هي أسلوب وعن طريقها يعبر عن نفسه. حتى لو أردتم التحدث بلسان العصافير أو التكلم بطلاقة كالبلابل إذا لم يكن هناك جوهر وقدرات، فإن تأثيركم يبقى ضعيفاً.

من أجل الخطابة القوية، يتطلب العزيمة والإيمان والجوهر. ان لم يتحقق ذلك، فكيف لك أن تتحدث وكيف لك أن تصبح صاحب خطابة مؤثرة؟ فالشخصيات تعيش حالة تشتت وتفتقر إلى النظام والمعرفة، ليس بمقدورهم التحدث، إنه لا يستعمل نمطاً سليماً للخطابة. إلقاء درس كهذا على إنساننا يعني أن نجعله يتكلم جزئياً، وذلك بأن نبرد لسانه من اليمين واليسار لكي يصبح صاحب أسلوب في الكلام. بهذا الشكل، يمكن أن يتحول إلى صاحب موقف ونمط معين. على الرغم من أن الخطابة سلاح فعَّال، لكنهم يسيئون استخدامها في اللامبدئية وتعكير الأجواء بيننا. يتمتع البعض بلغة مغلقة، ويمتلك البعض الخبرة في إبقاء الجملة ناقصة.

إنه يثرثر كثيراً، لكنه لا يستطيع جمع كلامه في جملة مفيدة. في الواقع، أسلوبه في التعبير عن حقيقته يؤلم القلوب؛ حتى الآن، لم أصبح شاهداً لأي خطابة قوية في اجتماع حزبي، لدرجة إننا نحاول سحب الكلام من أفواه رفاقنا بالكماشة. يتوضح هذا بجلاء، إنه ضعف مخيف. وفي المنطق العسكري، يتم إصدار التعليمات والأوامر بأسلوب وخطابة محكمة. بمقدورك عن طريق الخطابة أن تفرض على الآخرين أن يصغوا إليك ويحترموك، وتجعلهم يشعرون بوجود إدارة أو قيادة ، وإذا تطلب الخوف أو الجرأة فإنك تحققهما.

تمعنوا في النظر إليهم، سيصبحون قادة؛ إنهم كالجثة الهامدة، لا يتمكنون من إصدار الأوامر. ففي الوقت الذي يتطلب منح الجرأة، إنهم يخلقون أجواء الخوف، فبدلاً من أن يخيفه يتحامل عليه إلى درجة سحقه. كما أنه يعيش نواقص في مختلف النواحي، وفي هذا المجال أيضاً مقصر ويستمر في ذلك.

لماذا يكون هكذا؟ بالطبع لأنه لم يبلغ شخصيته ولم يصبح صاحب خطابة مؤثرة بعد أن ظلت شخصية الكرد دون شكل وفقدت ارتباطها بالحقائق وانجرت من الجوهر التي تعرضت للتغيير. في الواقع عندما نتمعن في مستوى كفاءاته السياسية والعسكرية إلى أية درجة متخلف، بنفس القدر انعكاسه الشكلي متخلف أيضاً. في نفس الوقت، فلو نظرنا إلى صور مقاتلينا، يتراءى لنا لأي درجة حالتهم متشرذمة، فمن ناحية أكمامه مهترئة ومعطفه في طرف آخر، ياقته مطوية، أزراره مخلوعة. باختصار، ليس له سلوك سليم في الحياة. حتى إنهم يتظاهرون بأن هذه مسائل شكلية، بالإضافة إلى أنهم من نموذج الزعرانين، مع ذلك يعتقدون بأنهم أصحاب سلوك صحيح. كذلك يقومون بكتابة التقارير، وتقاريرهم بحد ذاتها تعتبر تعذيباً كبيراً. فبدلاً من كتابة فكرة سليمة في تقريره يقوم بكتابة الأمور التافهة بشكل متسلسل وبدون معنى. لماذا؟ لأنه لا توجد الحاكمية والمسؤولية في شخصه وحركاته وأسلوبه في الحياة، فيكتبها في التقرير بهذا الشكل. ما هو مسيطر هو التصرف كالقرويين البسطاء، ومبدأه لا يتخطى مبادئ القرويين. وهذا يعني أن المقاتل في جيش التحرير الشعبي لا يمتلك شخصية وهوية. نستطيع القول بكل سهولة أنهم يعيشون حسب نمط القروي البسيط. فمثل هذه النماذج تمثل في نفس الوقت المثقفين الواثقين من أنفسهم؛ فحتى لو تكلموا كثيراً لكن ما هي إلا ثرثرة تفتقر إلى المحتوى. فالعدمية الشكلية، أصبحت مسيطرة على الوضع بأكمله.

جميع السياسيين المهمين ورجالات الدولة والشخصيات العسكرية دربوا أنفسهم على مدى سنوات على الأسلوب والخطابة وكيف يجب أن يصبحوا شخصية مؤثرة. تمتلك الدول والثورات المهمة خطباء مهمين للغاية. لهذا لا نرى أمثال هؤلاء بين الشعوب التي أصبحت ضحية للاستعمار وعاشت الانحطاط بشكل عام لأنها فقدت حقيقتها، لذلك لا يتحدث أي منهم بشكل سليم. لماذا يخجل إنساننا عند التحدث؛ ويحمر وجهه؟ لأن حقيقته سلبت من بين يديه. فالذي لا يكون صاحب حقيقة، على أي أساس سيتكلم، وعلى ماذا؟ إنه يفتقر إلى القوة.

من أجل الخطابة، يتطلب الحوار، ومن أجل الحوار، يجب أن يمتلك القدرة على إقامة الحوار، أي أن يمثل الحقيقة السليمة. فإذا قطعت علاقتك بالتاريخ وبالحقائق الاجتماعية والثقافية، والعلم والسياسة، عندها ستبقى شخصاً ذا تأثير ضعيف.

مع العلم بأن اللغة السياسية والعسكرية هي لغة الأقوياء، يبين شخصيته وأسلوبه وحواسه على أنه صاحب سلطة ويتخذ منها أساساً له. فكل اللجان والقاعدة المركزية للحزب يتحدثون عن الضيق والوقوع في المآزق، مازالوا لم يتمكنوا بلوغ الشخصيات العسكرية والسياسية. بصدد هذا الموضوع، لو ظهرت الشخصية العسكرية والسياسية والتنظيمية القوية ستتطور القيادة ـ الحكم ولن يمهد الطريق أمام العراقيل. لكن هذه الشخصية، تقضي على إمكانية وقدرة التطور، كذلك إمكانية تنظيم نفسها. فهذه لغة ديماغوجية بسيطة وبعيدة عن الحقيقة. إنها لغة منغلقة على نفسها، وهي لغة عندما يتكلم بها لا يعرف ولا يفهم ما يقول. فهذا الشخص أسلوبه ووتيرة عمله والجو الذي يعيشه، يدل على أنه يرغب بالإدارة أو القيادة. وعكس ذلك تماماً يتوقف ويقول “لا أستطيع العمل، انهارت قدراتي، أفتقد إلى طريق الحل، أعيش المعاناة، ربما أموت في كل لحظة ولا أملك قوة إدامة الحياة كثيراً”. يجب تجاوز هذه المواقف. يجب خوض النضال ضد التخلف بنفس الأسلوب، الوتيرة، النمط، الشكل وإيضاحها، ضد الاستعمار والرجعية بكافة أشكالها أيضاً. والذي لا يجهز نفسه وفق ذلك، لن يمتلك فرصة بناء حياة سليمة وتطويرها.

كما يتوجب عليه أن يقول “أنا مرغم على أن أتصرف واقعياً بالمكان المناسب وبشكل كافٍ والتحدث والتعبير”. الجانب الآخر هو مخاطبة الملايين الذين يقبلون هذا كـ فن ولا يخطئون حتى في كلمة، وفي المواقف الصعبة. ولا يجوز التظاهر بالقول “لا يفهمونني، لم أستطع التعبير عن نفسي”، إذا لم يستطع الكادر الثوري حل هذه الجوانب في شخصيته، والتفوه بجملتين مفيدتين، فأين هي الثورية؟ فلاتزال اللغة السائدة هي الأحباب جاويشية، وهي لغة الفتن والأحاديث غير الرسمية والفارغة والتي تشكل 90% من الحياة. ليس من الصواب أن يكون هذا لغة المناضلين. لن تستمر حياة المناضل بهذا الشكل. فإن خاطبتُ شخصاً أو حتى مئة شخص، فإنني استخدم نفس الأسلوب ولن أخرج من مجال الحقيقة السياسية الرئيسية. كما أجعل المواضيع السياسية ـ العسكرية والتنظيمية بأكملها غالبة ولن أخرج عن إطارها وسأجعل الجميع يلتفون حولي. هكذا يكون الكادر المحترف والإنسان المناضل. منذ سنين لم يستطع الإنسان الكردي الوصول إلى لغة سليمة، فحتى الأطفال ما بين السابعة والثامنة من أعمارهم يتحدثون جيداً. هذا يعني أن هناك عدم اهتمام وإهمال واضح. الكادر السياسي مُنحت له مهمة العمل، يجب إدارة ما يتطلب منه. بدلاً من هذا يفرض النواقص وكل أشكال الخصوصيات الضعيفة في شخصيته. ما فهمه من السياسة بأن يفرض نفسه كالطفل، حتى إنه لم يغير لهجته العامية. وينتهي أمام الحقيقة السياسية للحزب والجيش التي هي بقدر علو الجبال. تناول الشكل والجوهر يتم بهذا الشكل، حتى ولو دامت لسنين أيضاً على الفرد أن يقوم بتربية نفسه. يتم البحث في الكمال وخاصة من ناحية الشكل حتى في المدارس العسكرية بلا نواقص. بالطبع فقد منحوا الثقة على مدى مئات الأعوام للضابط التركي لما لديه من أسلوب وخطابة، فهو لا يتفوه بجمل ليست في مكانها والتي لا تتضمن السلطة والقدرة، أحاديثه ووتيرته ونمطه من البداية وحتى النهاية ذات حاكمية. أما لغة الكرد، تشبه لغة kel oğlan (1) ومغلقة. يعني أسلوب ونمط ووتيرة الإنسان الخاسر والبائس الذي لا يستطيع التحكم. إذا كان يرغب أن يصبح سياسياً وذا حاكمية فهذه حقيقة، ولكن جميع التصرفات بعيدة عن ظاهرة التنظيم، ولا يتخذ التعمق السياسي وتنظيم العلاقات أساساً له. يفتقر إلى الرغبات والعواطف ذات المحتوى السياسي، ولا يعرف حتى لماذا يعيش. بالتالي يعيش حالة تشتت إرادي. لابد وأنه ستحدث مقاربة عشوائية لأنه لم يتحلَّ بالنظام والانضباط بسبب إهمال السنين، وعندما تمنح له مهمة أساسية فإنه يصبح قزماً أمام تلك المهمة، ولعدم إيصال نفسه إلى متطلباتها يدفع الضياع ثمن ذلك. لهذه الأسباب فالتدريب السياسي مهم جداً. السياسة كلمة تحتوي على التربية، فالتسييس تأتي بمعنى فن التربية، تحولت فيما بعد تربية الشعب إلى تربية الإنسان السياسي. لكن وعند الاختلاط في الواقع الكردي في أقصى حده سنجد أن هناك كافة الأساليب الناقصة والأشكال السيئة، ولذا يجب الحد منها وإنهاء هذا الأسلوب.

ستعيشون وتتحدثون سياسياً وستنعكسون سياسياً لكل الجهات، ستتحدثون عسكرياً وتنعكسون عسكرياً. لن تنتهي ارتباطاتكم بالقواعد والحقائق العسكرية في أي وقت. أن من الوظائف المهمة التي يتطلب جعلها بارزة إن كان ممكناً هو الشكل الجسدي السليم والتعبير اللغوي له. لا يتم التلاعب والاستخفاف بالمهمات. يتم السعي للقيام بها بكل ما يملك من القوة. هناك اللغة والبدن لكن لم يتم استخدامهما وإعطاء شكل لهما. كل فرد بإمكانه أن يعمل بأقل النواقص تدريجياً. أما الإصرار في الخطأ والقول “أنني ولدت وكبرت هكذا ولن أصبح رجلاً” ما هو إلا أمر يرغبه الاستعمار. إن اللغة المنغلقة والتي منحها الاستعمار، هي لغة الشخص المضطهد، مع العلم أن هذا يعبر عن العيش مع الاستعمار بشكل غير مباشر. لكن لا يحق للثوري إحياء تأثيرات الاستعمار في وجوده ولغته.

إن استوعب كوادرنا كل ما ذكرناه، فإنهم سيعيشون على شكل بداية جوهرية وذلك من خلال التعبير عنها وتحويلها إلى نمط وتعيينها كقاعدة للثورة والجانب الأجمل للفن الثوري وهو استخلاص النتيجة والتأثر بها.

الشخصية الجذابة والمستمرة هي الشخصية التي لها ارتباطات مع الحقائق الأساسية ومع اللغة. والشخصية التي قطعت صلاتها بالحقائق ما هي إلا ديماغوجية، ومهما تكلمت برقة إلا أنها شخصية ثرثارة. بإمكان اللغة أن تلعب دوراً بقدر ما تصغي للحقائق. لكن ستعثر على جمالية شكلها أيضاً بقدر الإمكان. هذا أمر لا مفر منه إن كان هناك رغبة بأن يصبح ذا تأثير فعَّال وسيبحث دائماً عن الجمال ابتداءً من حركات اليد حتى المسير ومن طراز النظر إلى كافة أشكال العلاقة. ولا يحق لأي ثوري الصراع مع ثوري آخر من أجل إرغامه أو استخدام أسلوب الضغط أو ما شابه ذلك. كل ثوري يسمو بعلاقاته ويجعل الحياة جميلة ويخلق إمكان العيش فيها. الذي يُسيء التصرف مع رفاقه وشعبه دائماً؛ لا بد أنه يعيش حالة ضعف كبيرة في الجوهر والشكل أيضاً. بالإضافة إلى أنه لم يكسب شيئاً بالجوهر. وإذا لم يعكسها إلى الظاهر يعني ذلك إنه لم يطبقها عملياً. إن لم يعكسها على الشعب ـ يعني أنه يسير حافياً ـ لن يكون بمقدوره التأثير على الشعب بأي شكل من الأشكال مطلقاً. فالثورة تتطلب دائماً شكلاً جميلاً، لغة متينة وتأثيراً قوياً. للثوري وتيرته وقوة اتخاذ المسائل بعين الاعتبار. وللتعبير عن كل هذه الأمور يجب إنشاء علاقة قوية مع الحقائق. يمكن التطرق إلى دور الفن في الثورة بالارتباط مع ما تم ذكره. وبمقدورنا أيضاً ايضاح بعض الجوانب الأساسية المتعلقة بمجال التأثير الاجتماعي ضمن حدود ارتباطها بالثورة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – kel oğlan: شخصية في الأدب التركي، تمثل الإنسان الجاهل الذي يتعرض للسخرية من المحيط.

Hits: 13